قراءة في رواية “عقلي يتأكل عفنا” للكاتب أحمد مشعل شماسنة- صافي صافي

العلم المظلم/ فيزياء الرياضيات الكمية/ الخلاص

 

حين يبرز اسم جديد في عالم الرواية فإن أشعر بالسعادة، فكتابة الرواية ليست حكرا على جيل بعينه، رغم أن ممارستها تتطلب نضوجا ومعرفة وممارسة في مجالات الحياة كافة. أقف احتراما للكاتب وما كتب، لما تتحلى به من نضج رغم بعض الملاحظات الفنية هنا وهناك. إنه ينطلق من عالم معرفي خاصة في سيكولوجية الناس.

وما إتيانه على هذه المعرفة إلا محاولة للتأمل في أنفسنا، وفيما يجري، لئلا تكون هذه البيئة طاردة للكوادر العلمية والقيادية في بلادنا.

لقد كتب في هذا المجال غوستاف لوبون الفرنسي، وترجم كتابه عام 1991، لكنه ركز على تأثير الجماعة في الفرد وسلوكهم من اندفاع وهيجان وعدم القدرة على التفكير بطريقة منطقية. قلت منطقية! كل شيء منطقي في هذه الحياة بما في ذلك الانقياد للجماعة في سلوكها الطيب والشرير. أما مصطفى حجازي في كتابه “سيكولوجية الإنسان المقهور” المنشور عام 1991، فإنه الأقرب في طرحه للكاتب “شماسنة” من حيث كون بيئة المجتمع تحارب المبدعين وتشدهم إلى الوراء بدل تشجيعهم والاقتداء بهم.

يبحث علم النفس المظلم في الجوانب الباطنة في السلوك البشري، التي تؤدي إلى إيذاءالآخرين والاهتمام بالذات والمكاسب الشخصية، تنطلق من النرجسية (التمركز حول الذات)، والميكافيلية (استغلال الآخرين)، والسادية (التمتع بأذى الآخرين).

إن الموضوع هو عزيز خالد سليمان، ابن القرية، من عائلة فقيرة، يحصل على المرتبة الأولى في التوجيهي، وتقام الاحتفالات والتكريم، ويوعد بدراسة الطب في أرقى الجامعات، لكنه كان يميل لدراسة “الفيزياء الرياضية الكمية” لفهم لغة الكون (هذه يسعدني لخلفيتي الفيزيائية)، ويغوص في أجزاء الذرة واحتمالات سلوك الجسيمات، فهذا التخصص يقربنا من الفهم العلمي للحياة في هذا الكون الواسع. ود أن يكون صانعا للمعرفة وباحثا فيها، لا متلق لها.

تآمر عليه أهله، وأساتذته والمحيط، ورضخت وزارة التربية للقرار، وتم تعطيل ابتعاثه لدراسة الفيزياء، بحجة عدم قدرة أهله على النفقات الموازية، فرضخ هو الآخر، وقبل أن يكون طبيبا في إحدى الجامعات المحلية.

في الطب صار قدوة في التحصيل العلمي والبحثي حتى وهو طالب، فتآمر عليه الأساتذة، فلم يحضر أي مؤتمر خارج البلاد، رغم التقييم العالي لعلماء الطب من العالم، وخاصة من بريطانيا. تخرج بتفوق، وقبل أن يعمل في مشفى عام، ولم تغره العروض في مشافي أخرى، فيها الرواتب العالية والتقدير الكبير من السلطات وأصحاب النفوذ. في المشفى كما في كل المؤسسات تحاك المؤامرات ضده، ويوقع بالتقصير في عملية جراحية لمسؤول كبير، فهو فضّل أن يعالج طفلة وينهي العملية قبل توجهه لجراحة المسؤول. تم طرده وسحب ترخيصه.

دار من الفراغ، إلى عمل بسيط في المحال التجارية، وانتهى بأن يكون جزءا فاعلا في مسلخ دجاج.

عانى ما عاناه في المسلخ، ليس فقط من العمل المرهق والمقرف والآلي، بل من المجتمع الذي عاش بينه، ولا يستطيع مطالبة حقوقه، بل يتراجع عنها (كما حدث في مسرحية “الفيل يا ملك الزمان” للكاتب المسرحي سعد الله ونوس 1969).

تصله رسالة من الجامعات البريطانية للالتحاق بهم، وهكذا يتشكل له اختراق جديد لكونه طبيبا متمرسا مبدعا، فيهاجر هو وأسرته الصغيرة رغم الألم الداخلي.

قد يبدو من جهة أن الحل لهذا التنمر هو هجر البلاد، وإن الحل يأتي من الخارج، بالذات من البريطانيين الذين احتلوا بلادنا وسببوا مأساتنا، لكن التمعن في الرواية يخبرنا بأن البيئة الاجتماعية هي طاردة للمبدعين والعلماء، وهذا صحيح إلى حد كبير، وإن حل مآسينا يأتي من الخارج رغم كل الجهود المضنية التي يقوم بها علماؤنا. بيئة لا تحترم كثيرا المتفوقين، بيئة يكثر فيها الفساد والمحاباة، بيئة ترفع من الطغاة بالمعنى الواسع للمصطلح، وتدني من المبدعين، بيئة تسمح للتسلق والواسطة، ولا تحترم القوانين بما في ذلك المحامين والمحاكم. بيئة تستند لموازين القوى، فتحصن نفسها، فتعلي من شاءت وما تشاء، وتهمل المخلصين إلا بالشكليات.

إن هذه الرواية صرخة، لنتمعن في أنفسنا، ليس فقط على المستوى الفردي، بل الجماعي والمؤسسي، وباستطاعتنا ذلك، فكثير من الكوادر لا تحترم بمستوى عطائها، ويستطيع أي واحد منا الانتباه لمن حوله، وأوائل المتفوقين الذين أصبحوا جزءا من أرفع المؤسسات العالمية، ولم تتوفر لهم الحاضنة في بلادنا. لا أقصد وطننا فلسطين فحسب، فالمرض عام في منطقتنا وفي عالمنا الذي لم يصبح متقدما إلا بالشكليات من مبان ومؤتمرات، وأبحاث رفية (توضع على الرفوف)، فالأبحاث هدفها الأخذ بنتائجها وتطبيقها، وليس نيل الشهادات لتبروز على الحيطان.

تصر شخصية الرواية الأساسية على العمل في المؤسسات العامة، ولم تغره المؤسسات الخاصة الرفيعة المخصصة لذوي المناصب والجاهات. من هنا يبدأ العمل والتغيير، من الاقتراب إلى عامة الناس، الناس البسطاء، وهم المعظم، وهم المعرضين للأمراض أكثر من غيرهم، فالأطباء هم ركيزة صحة المجتمع، وربما تكون بداية تقدم وتغيير إيجابي إلى جانب المؤسسات الأخرى.

لم يستطع “عزيز” دراسة الفيزياء الرياضية الكمية، وتداخلات الجسيمات المكونة للذرة، لكن كل تخصص يفتح بابا آخر للمعرفة، يستطيع دخولها من أي منها، فهو تخصص في الطب، حيث البشر هم المكونات الصغيرة للحياة البشرية، ومنها تستطيع فهم الكون، وهو ما كان يهدف له.

إنه عزيز، العزيز علينا، وعلى صاحب الرواية، عزيز لأنه المتفوق والمبدع والمفكر خارج السياقات المفروضة علينا من المجتمع المحيط، أكانت العائلة والعشيرة والمؤسسات المختلفة، إنه عزيز لأنه تعرض للظلم والتنمر الفعلي، الذي أسقط إلى قاع الواقع المر. إنه عزيز الذي ينهض ويود النهوض، ويستمر بالعطاء حتى لو كان خارج الوطن. ويبقى “رمزي” رمز الصداقة الطيبة المخلصة، رغم أنه لم يستطع عمل الكثير. هاجر عزيز وظل متعلقا بأهله، وبصديق العمر.

إنها رواية “عقلي يتآكل عفنا”، فالأنا لا تستطيع استيعاب ما يحدث، إنه صادم، مؤرق، محبط، فالعفن لا بد من مقاومته، والقضاء عليه. كيف نعيش مع هذا العفن الذي يغزونا ولا نحاربه؟ عفن مجتمعنا، عفننا الداخلي، قبل عفننا الخارجي.

*****

إن الكتابة بضمير الأنا (وأنا أتبعها)، أحببتها، فهي تسمح للغوص في مكنونات الشخصية عميقا، دون مخاطبتها من الخارج، دون استنطاقها، فالأنا ليست أنانية، بل هي مركز انطلاق، وزاوية رؤية للإنسان من داخله إلى المحيط، وهذا ليس عيبا كما أشار أحد الأصدقاء عن أعمال أخرى، فما الإنا إلا المجتمع بأكمله، هي أنا وأنت والآخرون والطبيعة كما نراها، واللهفة للحياة من جواها.

هناك بعض الخلط بين الراوي والكاتب، وإن كانت قليلة، حين يخاطب الراوي القارئ من داخل النص. لا يبدو لي أن هذا النمط العام، ولو أزلناها لما أثرت على الرواية بشيء. إذا كان يقصد هذه المسألة لتكون جزءا من فنية الرواية فلا بد من تكون علامة بارزة، ولا تظهر لماما في أماكن متفرقة متناثرة.

أما دخول كاتبنا بالتفسيرات، تفسير الرموز والمعاني، فهذا تدخل. لنترك النص كما هو، وليفهمه القارئ كيفما يشاء، فالقارئ ذكي، وهو يملأ الفراغات من خلال تجربته الشخصية الحياتية، ولا أعتقد أن من الضرورة فرض نمط محدد للتفكير، كما جاء في الفصل الأخير. إن القارئ هو جزء من النص كما الكاتب، ونحن لسنا في كتابة الرواية خطباء ولا وعاظ، إنه فن، ولا يوجد شخصان متطابقان في التجربة ولا المعرفة، فلنترك هذه المساحة للقارئ وليفهمه كما يريد.

إن انتقال الكاتب للفانتازيا في الفصل قبل الأخير، هو من عجائب الكتابة، جميل جميل، لكنه لم يظهر إلا هنا، وودت أن يكون مستنبتا على طول العمل الأدبي. ظهر مثل هذه المواقف في أكثر من مكان، وأمكن استخدامه.

أما المحطات المختلفة في الفصول، فيحتاج لوقفة أخرى فنيا.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *