كان يمشي على الرصيف، والطقس مشمس تتخلله رياح خفيفة تتناوب بين السكون والعبور السريع. الأغصان المتدلية كعناقيد العنب كانت تتمايل مع الرياح، فيما ضوء الشمس يتسلل عبر شقوقها ليهطل على الأرض. بدت الخطوط الضوئية المتكسرة على أرضية الرصيف كأنها مياه متحركة، وكلما تحركت الأغصان تراقص الضوء مكوّنًا أمواجًا وهمية تتلاشى وتعود، كأنها موسيقى صامتة تعزفها الطبيعة وحدها.
تسابقت قدماه بخطوات متناسقة فوق تلك الأمواج الوهمية، التي رسمتها أشعة الشمس خلف الشجيرات الكثيفة الممتدة كسياجٍ على طول الرصيف. ومع اشتداد الرياح، ارتفع حفيف الأوراق، فتعاظمت حركة الأمواج دون أن يصدر عنها همس.
وبينما كان يمضي في مسارب الدنيا بحثًا عن خطاه، التف الشارع في غلالة بيضاء من ضوء النهار، كأن نقاوة الحياة تجلت في صفاء الوجدان. شعر أن العالم على أعتاب التغيير، لكنه لم يكن له نصيب، فهو يحيا ليومه الذي صار أفقًا غامضًا يخفي خلفه آماله المؤجلة.
لكن خلف هذا الضوء، كانت الحياة تحمل وجهًا آخر. في أولى لياليه في الشارع، كان البرد ينهش أطرافه والجوع يقرص معدته. تذكر فجأة خط الرسم الذي تعلمه في دار الأيتام، فأخرج ورقة مهترئة وقلمًا صغيرًا كان يحتفظ به.
جلس على الرصيف، وبدأ يرسم وجه امرأة مرّت أمامه. توقفت المرأة، نظرت إلى الرسم بدهشة، ثم وضعت في يده قطعة نقدية صغيرة.
شعر أن الحياة، رغم قسوتها، منحت له نافذة صغيرة للبقاء. بعد أيام، بدأ يعزف على آلة قديمة حصل عليها من أحد المارة، وصار صوته يملأ الشوارع المزدحمة، يجذب السياح والناس، ويمنحه ما يكفي ليواصل يومًا جديدًا.

