بين ديمقراطية الكوتا وسياط العشيرة.. معركة المرأة العراقية ضد فصام القوانين- بقلم صبيح الكعبي

«وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» (التوبة: 71). من هذا المنطلق القرآني الراسخ الذي يؤصل للشراكة الحقيقية في قيادة المجتمع وإصلاحه، نقولها اليوم بلسان فصيح وبأعلى صوت: “المرأة نصف المجتمع”. نرددها في محافلنا، ونكتبها في شعاراتنا، ونتغنى بقدسية دورها كأم وزوجة وأخت وابنة. لكننا حين نلتفت من هذا التأصيل القويم إلى أرض الواقع، نصطدم بحقيقة مرة؛ إذ نجد أنفسنا بعيدين كل البعد عن هذا الإيمان النظري، بعدما خلقنا ازدواجية صارخة في السلوك والتشريع؛ فبينما يفيض خطابنا العام بتبجيل مكانة المرأة وعظمتها، تتحرك ممارساتنا اليومية وقوانيننا النافذة في سياق مغاير تماماً، محكومة بنسق ذكوري تقليدي يرفض التنازل عن امتيازاته التاريخية.

إن هذه الفجوة العميقة بين النص والتطبيق لم تقتصر على المعاملات اليومية، بل تجسدت بوضوح في أعلى هرم المشهد السياسي؛ فقد كفل الدستور للمرأة مؤخراً حصة بلغت 25 بالمئة من عضوية مجلس النواب، بل إنها تجاوزت هذه النسبة في الدورات الأخيرة بجهدها واستحقاقها. ومع ذلك، لا تزال المرأة العراقية تراوح في مكانها، عاجزة عن اختراق مراكز القرار السيادي والتنفيذية العليا، لتظل هذه النسبة مجرد رقم لتجميل الواجهة الديمقراطية. إن الثوابت الاجتماعية البالية والسطوة العشائرية المتجذرة تقف كحائط صد منيع يحجم قدرتها على مواجهة مهامها الجسيمة في بناء دولة المواطنة.

وامتداداً لهذا التهميش في الفضاء العام، فإن الخطر الأكبر ينعكس داخلياً ليطال أمنها الشخصي والجسدي في أضعف حلقاته؛ حيث تواجه اليوم تصاعداً مخيفاً في معدلات العنف الأسري، في ظل غياب تشريع حاسم يحميها، وبقاء مواد بائدة في قانون العقوبات تبيح تعنيفها أو تمنح أعذاراً مخففة لقاتلتها تحت مسميات “الشرف”. هنا تبلغ الازدواجية ذروتها؛ فكيف لامرأة يُراد لها أن تقود تشريع القوانين في البرلمان، أن تكون هي ذاتها مستباحة ومحرومة من حق الأمان والكرامة داخل أسرتها؟

ومن رحم هذه المعاناة، يصبح الخروج من النفق المظلم مرهوناً بجرأة المواجهة والاقتباس من تجارب إقليمية ناجحة، ولعل التجربة التونسية تبرز هنا كمنارة ملهمة؛ إذ لم تكتفِ تونس بتمكين المرأة سياسياً، بل حصنت هذا التواجد بثورة تشريعية رائدة تجسدت في “القانون عدد 58” الشامل الذي جرم العنف بكافة أشكاله الجسدية والاقتصادية والسياسية والنفسية ضد المرأة، مما وفر لها مظلة حماية حقيقية نقلتها من خانة الضحية إلى خانة الشريكة الفعلية في القيادة.

بيد أن هذا التغيير المنشود لن يهبط كمنحة جاهزة، وهنا تقع المسؤولية الكبرى على عاتق المرأة العراقية نفسها، لا سيما البرلمانيات والمثقفات، للتحرك وأخذ زمام المبادرة دون انتظار؛ فالأمر يتطلب حراكاً نسوياً منظماً وضاغطاً داخل قبة البرلمان لجمع تواقيع أعضاء المجلس والضغط باتجاه تشريع قانون صارم ينصف المرأة ويحميها من العنف الأسري والعشائري. فالتاريخ يعلمنا أن الحقوق لا تُهب بل تُنتزع، ومثلما يقول المثل العراقي الدارج ببلاغته العميقة: «الحكوك تريد حلوك». لقد حان الوقت لتكون تلك “الحلوك” هي الأصوات النسوية الشجاعة التي تفرض إرادتها التشريعية، لتلتقي الآية الكريمة مع واقعنا الفعلي، وتستعيد المرأة مكانتها العظيمة كركيزة أساسية لمجتمع حي وحقيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *