الدولار والدينار في العراق: من يدفع ثمن تقلبات العملة، وكيف نحمي الفقراء؟- بقلم: صبيح الكعبي

 

قال الله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]

ليست قيمة العملة رقمًا تتداوله المصارف والأسواق فحسب، بل هي مرآة تنعكس عليها أحوال الناس المعيشية، وتتجلى آثارها في أسعار الغذاء والدواء، وقدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها، ومدى صمود أصحاب الدخل المحدود أمام أعباء الحياة. ومن هنا، فإن صعود الدولار مقابل الدينار العراقي لا يمثل مسألة نقدية بحتة، بل قضية اقتصادية واجتماعية تمس استقرار المجتمع وعدالة توزيع الأعباء.

وفي هذا السياق، شهد العراق تطورًا مهمًا في سعر الصرف، إذ أعلن البنك المركزي العراقي، في 7 تشرين الأول 2026، تعديل سعر بيع الدولار النقدي للجمهور إلى 1,520 دينارًا، وسعر بيعه للمصارف إلى 1,510 دنانير، مقابل سعر شراء وزارة المالية البالغ 1,500 دينار للدولار الواحد. ويأتي هذا القرار في ظل ضغوط اقتصادية ارتبطت، بحسب تقارير صحفية، باضطراب صادرات النفط، التي تمثل المورد الرئيس لإيرادات الدولة.

غير أن أثر تعديل سعر الصرف لا يتوقف عند حدود السياسة النقدية؛ فالعراق يعتمد على الاستيراد في قطاعات واسعة، وقد يؤدي ارتفاع كلفة الدولار إلى زيادة أسعار السلع المستوردة، تبعًا لمصدر تمويلها وتكاليف النقل وظروف السوق. وعندما تبقى الرواتب والأجور ثابتة في مواجهة ارتفاع نفقات المعيشة، تتراجع القدرة الشرائية، ويكون الفقراء والمتقاعدون والعمال وأصحاب الدخول المحدودة الأكثر تعرضًا للضرر؛ لأن الجزء الأكبر من دخولهم يذهب إلى الاحتياجات الأساسية.

وفي المقابل، قد تحصل الدولة على دنانير أكثر عند تحويل إيراداتها النفطية المقومة بالدولار، لكن هذه الزيادة لا تعني بالضرورة تحسن الوضع الاقتصادي، إذ قد تقابلها كلف أعلى للاستيراد والتجهيز والمشروعات. ولذلك لا يصح تقييم أي قرار متعلق بسعر الصرف من خلال أثره في إيرادات الموازنة وحدها، بل ينبغي قياس نتائجه أيضًا في مستوى معيشة المواطنين وقدرة الاقتصاد على الإنتاج.

ومن هذه النقطة، تبرز مسؤولية الدولة في اتخاذ إجراءات واضحة لحماية الفئات الهشة، تبدأ بتعزيز الحماية الاجتماعية وتوجيه المساعدات إلى مستحقيها، مرورًا بمراقبة أسعار الغذاء والدواء، ومكافحة الاحتكار والمخالفات المثبتة، وصولًا إلى تسهيل التمويل التجاري المشروع وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية. وقد شدد صندوق النقد الدولي على أهمية حماية الإنفاق الاجتماعي خلال الإصلاح المالي، مع تحسين توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر حاجة.

على أن هذه الإجراءات، مهما بلغت أهميتها، تبقى محدودة الأثر ما لم تقترن بمعالجة الاختلالات الاقتصادية من جذورها، وفي مقدمتها تنويع مصادر الدخل، وتنشيط الصناعة والزراعة، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتوفير فرص العمل، وتقليل الاعتماد المفرط على النفط. فاستقرار العملة لا يتحقق بالإجراءات النقدية وحدها، بل يحتاج إلى اقتصاد منتج، وإدارة مالية رشيدة، وسياسات واضحة توازن بين متطلبات الدولة وحقوق المجتمع.

إن استقرار الدينار لا يُقاس بسعر معلن وحده، بل بقدرة المواطن على شراء احتياجاته، ومدى الثقة بالسوق، وعدالة توزيع أعباء الإصلاح. فلا يجوز أن تتحمل الطبقات الفقيرة كلفة القرارات الاقتصادية وحدها، ولا أن يصبح ضعف دخلها ثمنًا يدفعه المجتمع لمعالجة الاختلالات المالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *