كري سبي تحترق … والتغيير الديمغرافي يُدفع ثمنه مرتين ! – محمد ديب أحمد

ما يحدث اليوم في “كري سبي” (تل أبيض) ليس خبراً عابراً ، ولا مجرد حوادث فردية تتلخص في إحراق السيارات والوعيدِ ونهب الممتلكات .
أعمدة الدخان المتصاعدة والتهديدات التي تطال العائلات الكردية العائدة تكشف عن واقعٍ أكثر خطورة :
عملية ممنهجة لفرض تغيير ديمغرافي ، يُطالب فيها المهجّر قسراً بأن يدفع ثمن عودته خوفاً وترهيباً ، أو يخضع لواقع الإبعاد عن أرضه وممتلكاته .
لكن في شرقنا وعلى قولة الاستاذ خطيب بدلة ( في بلاد الجورة التاريخية ) هؤلاء الأهالي لم يعودوا لغزو أرض أحد ، بل لاستعادة بيوتهم وحقوقهم السليبة .
لكنهم ، بدلاً من أن يجدوا الحماية ، يواجهون الاعتداء ؛ وكأن مرور السنوات بات كافياً لتحويل الأمر الواقع إلى حق ، وتحويل صاحب الأرض إلى غريب عنها !
وهنا يبرز السؤال الأساسي الموجه إلى دمشق والجهات السورية المعنية :
أين الحماية الفعلية للمواطنين ،
وأين الإجراءات التي تصون أرواحهم وممتلكاتهم ؟
حماية المواطنين ومحاسبة المعتدين ليست ملفاً يُؤجّل لحين التوافقات السياسية ؛ وإذا كانت الدولة تتحدث عن وحدة البلاد وسيادتها ، فالأولى بها أن تُثبت هذه السيادة بحماية مواطنيها وصون حقوقهم من التهجير والترهيب ، لا بتركهم مواجهين لمصيرهم .
هذا العجز أو التغاضي الرسمي لا يعفي تركيا من مسؤوليتها السياسية والقانونية كقوة سيطرة قائمة على الأرض منذ عام 2019 . فالفصائل الموالية لأنقرة تمارس هذه الانتهاكات وتغذي خطابات الكراهية ضد المكون الكردي تحت رعاية النفوذ التركي ، مما يجعل المشهد الإقليمي مشاركاً وبقوة في تثبيت واقع ديمغرافي مرفوض .
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا : ما الذي تستطيع القوى الكردية ، أو الإدارة الكردية ، القيام به إزاء تجاوزات من هذا النوع ، من تهديد ووعيد وحرق للمركبات والآليات وترهيب للعائلات ؟ لا شك أن إمكاناتها وحدود صلاحياتها تضعان قيوداً على قدرتها على التدخل المباشر ، لكن ذلك لا يلغي مسؤوليتها في التحرك ضمن المتاح ، سواء عبر توثيق الانتهاكات ومتابعتها حقوقياً ، أو تنسيق المواقف الكردية ، أو نقل القضية إلى دمشق والجهات الدولية المعنية ، والمطالبة بإجراءات واضحة لحماية السكان وممتلكاتهم . فالمطلوب ليس تحميل هذه القوى ما يفوق قدرتها ، بل معرفة ما تستطيع فعله فعلاً ، وما إذا كانت أدواتها السياسية المتاحة تُستخدم بما يكفي لمواجهة هذه التجاوزات والحد من تكرارها .
إن إحراق الممتلكات وترهيب العائلات العائدة لا يصنع شرعية ولا يمنح المعتدي حقاً .
الكرد العائدون إلى كري سبي لا يطلبون منّة من أحد ، بل يطالبون بحقهم الطبيعي في العيش بكرامة وأمان على أرضهم .
كري سبي لا تحتاج إلى مزيد من البيانات الرمادية ، بل إلى موقف سياسي وحقوقي صريح يضع الأمور في نصابها :
البيوت والأملاك لأصحابها ، والدولة مسؤولة عن حماية مواطنيها ، والتغيير الديمغرافي جريمة لا تُشرعنها القوة .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *