حين نملي أبصارنا نحو الغرب، حيث الجغرافيا السورية التي أنهكتها سنوات المخاض العسير، نرى مشهداً يغلب عليه طابع الهشاشة وضبابية الملامح. فسوريا الراهنة تمر بمرحلة انتقالية دقيقة، تتوزع فيها مراكز النفوذ وتتداخل خيوط السلطة بين كيانات متعدّدة ومؤسسات تسعى جاهدة لإعادة بناء ذاتها، وسط تحديات مالية خانقة تضغط على واقعها المعيشي. إنها لوحة بالغة التعقيد تبدو فيها الرؤية المستقبلية لأكثر مفاصل الحياة غائمة وغير مستقرة. ومن خلف الحدود، يراقب العراق -الذي خبر مرارة الإرهاب والفوضى- هذا المخاض بعين الحذر والحرص معاً، مدركاً أن أي اهتزاز أمني في الخاصرة السورية سينعكس حتماً وبشكل مباشر على استقراره الداخلي.
ولأن أمن الأوطان لا يحتمل الفراغ ولا الركون للصدفة، فإن قراءة هذا المشهد الضبابي تفرض على بغداد مقاربة أمنية لا تعتمد على الردود المؤقتة، بل تنطلق من استشراف المخاطر قبل وقوعها. فعلى الرغم من محاولات إنعاش شرايين الحياة الاقتصادية عبر تسيير إمدادات الطاقة براً -وما رافق ذلك من تباين في تقييم دواعيه بين الاضطرار والتخطيط- يظل الرهان الحقيقي معلقاً على عمود الفقري لأي شراكة مستدامة، ألا وهو “التنسيق الأمني المحصن”. فهذه الخطوات الإسعافية تظل مجرد تدابير عابرة ما لم تُستند إلى غطاء أمني مؤسسي يضمن سلامة المسارات ودرء المفاجآت عن خطوط المواجهة والتماس.
من هنا، تتجسد الحاجة الملحة للانتقال بالعلاقة بين البلدين من التنسيق الظرفي والمواسم العابرة إلى اتفاقية أمنية استراتيجية ومؤسسية عليا. هذه الاتفاقية ينبغي أن تترجم عملياً عبر غرفة عمليات استخبارية مشتركة ودائمة، تتولى تبادل المعلومات وضرب بؤر الإرهاب استباقياً بعيداً عن تقلبات المزاج السياسي. وتتكامل هذه المنظومة الاستخبارية مع تحصين هندسي وتكنولوجي ذاتي عبر الحدود، باعتماد منظومات المراقبة المتقدمة والطائرات المسيرة لصناعة “حدود ذكية” تقطع دابر التسلل وشبكات التهريب، بمعزل عن العجز اللوجستي الذي قد تعاني منه الجغرافيا المقابلة
خلاصة القول إن رسم معالم المستقبل المشترك يقتضي وعياً واقعياً يحمي المصالح العليا دون مغامرة أو قطيعة. فحماية الأمن القومي العراقي في ظل التصدعات السورية لا تتحقق إلا باحتواء أمني ذكي ومرن، يحيل التحديات إلى فرص للتحصين، ويثبت أن بناء الاستقرار يبدأ من إحكام السيطرة على الحدود ومنع الفراغ من أن يتحول إلى ممر للتهديدات.

