في السياسة، غالباً ما تتصادم الشعارات الحماسية مع صخرة الواقع، وتتضح تدريجياً تفاصيل الخدع الكبرى التي تُمارس بحق الشعوب. ولعل ما دونه الحاكم المدني الأسبق في العراق “بول بريمر” في مذكراته يكشف جانباً مهماً؛ حين أشار بصراحة إلى أن القيادات الكردية في بغداد تكذب على جماهيرها، متكتمةً عن حقيقة الحدود القصوى لقدراتها وإمكانياتها. هذه الشهادة ليست مجرد سطر عابر، بل هي المفتاح الحقيقي الذي يفسر لماذا دفع الشعب الكوردي فواتير باهظة من الدماء والتهجير والدمار نتيجة لسياسات الوهم والشعارات الشعبوية التي مارستها القيادات التقليدية، لتجد الأغلبية نفسها مراراً وحيدةً في مواجهة الخراب، قبل أن تفرض عقلانية الواقع نفسها وتنقذ ما يمكن إنقاذه بالقرارات المسؤولة.
وحين نترك العاطفة جانباً ونقرأ الوقائع بعقل بارد، سنجد أن انضمام أبناء شنكال إلى الجيش العراقي كان قراراً في قمة العقلانية والحكمة. والسبب أبسط مما يتخيل البعض: فجغرافياً، تقع شنكال خارج حدود “خط 36”. ولو أنهم بقوا تحت يافطة “البيشمركة” وحدها، لكانت النتيجة الحتمية هي فرض الانسحاب عليهم وترك الأرض خالية عند أول منعطف أو تسوية سياسية.
لقد كان هذا القرار طوق نجاة حقيقياً أنقذ المدينة وأهلها من مخالب سياسات التعريب الممنهج التي تسعى لتغيير هوية وديموغرافيا المنطقة. فالارتباط بالدولة الرسمية وفر حصانة قانونية حمت الأرض من أن تتحول إلى ورقة مساومة أو غنيمة سهلة.
وهنا نقول لمن ينتقدون هذا القرار: الأجدر بكم، بدلاً من الاعتراض والشعارات، أن تعملوا بجد لتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي! فتفعيل هذه المادة وحسم ملف المناطق المتنازع عليها هو الطريق القانوني الوحيد لرفع الظلم وإعادة الحقوق لأهلها، أما الاكتفاء بالتخوين دون فعل حقيقي، فهو إصرار على ترك الناس في مهب الريح.
إن التاريخ يثبت دائماً أن النجاة الحقيقية لا تبدأ إلا عندما تتوقف النخب عن خداع شعوبها، وتواجه الواقع بشجاعة ومصارحة ترفض التزييف.

