رزية الخميس: اللحظة التي شطرت التاريخ السياسي للإسلام- الكاتب/اسعد عبدالله عبدعلي

 

 في أواخر أيام صفر من العام الحادي عشر للهجرة، كانت تلك الحجرة الضيقة في المدينة المنورة تختزن في هوائها أثقل لحظة في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي. لم تكن الأنفاس المتسارعة فيها مجرد صراع جسدٍ شريف مع ثقل المرض، بل كانت مخاضاً شاقاً لولادة عصرٍ جديد، تتجاذب فيه هيبة النبوة مع هواجس الواقع والسياسة… هناك، وحين طلب النبي الخاتم (ص) دواةً وكتفاً ليكتب كتاباً يعصم الأمة من الضلال، ارتفع الصخب واحتدم الخلاف، لتولد الحادثة التي وشَمها عبد الله بن عباس بالاسم الأكثر شجناً في مدونات التاريخ: “رزية الخميس”..

لم تكن تلك اللحظة مجرد مشهدٍ درامي عابر في حجرة الاحتضار، بل كانت الشرارة الأولى التي شطرت العقل الإسلامي إلى مدرستين، وأسست لانقسامٍ كلامي ومذهبي عميق امتدت آثاره عبر القرون. وبين من يرى في موقف عمر بن الخطاب اجتهاداً وسياسةً فرضتها حراجة اللحظة للحفاظ على استقرار الدولة الوليدة، وبين من يراه تجاوزاً صريحاً على النص وتغييراً لمسار الوصاية، تضيع الحقيقة أحياناً بين مطارق الإدانة المسبقة وسندان التبرير المطلق..

إن النفاذ إلى جوهر هذه الواقعة يتطلب تجريدها من أردية العاطفة والاستقطاب المذهبي المعاصر، والغوص في عمق مسرحها التاريخي؛ لتفكيك الدوافع الكامنة، ومواجهة تلك اللحظة المفصلية برؤية عقلانية نقدية تقرأ الحدث في سياقه الإنساني والسياسي دون تحيز أو اعتذار.

 

 

·     أولاً: مسرح الحدث ومن كان حاضراً؟

في تلك ألايّام من شهر صفر كان الدفء يغادر المدينة المنورة ليفسح المجال لشجنٍ ثقيل، حيث كانت حجرة النبي محمد (ص) تشهد الفصول الأخيرة من عمر النبوي المعصوم. كانت الغرفة الضيقة تختزن بين جدرانها أنفاساً متسارعة وجسداً شريفاً يعاني من وطأة المرض الأخير، بينما اتسعت الأجواء خارجها برهبة الانتظار والمصير.

في ذلك الخميس الذي ألقى بظلاله الممتدة على صفحات التاريخ، لم تكن الحجرة مجرد مضجعٍ عليل، بل تحولت إلى مسرحٍ لأكثر المشاهد دراماتيكية في صدر الإسلام، إذ تتفق أمهات المصادر التاريخية ومدونات الحديث في الصحاح على أن الحجرة كانت تغص بالقوم من كبار الصحابة ورجالات بني هاشم، يراقبون في ذهولٍ كلمات النبي حين شق الصمتَ بطلبه المفصلي: “ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً”.

أمام هذا الطلب الحاسم الذي يحمل طوق النجاة الأخير، انشطر الحاضرون فوراً إلى جبهتين؛ تمثل الفريق الأول في تيار التلبية والانقياد المطلق بقيادة عبد الله بن عباس ومجموعة من بني هاشم ونخبة من الصحابة الذين رأوا وجوب الامتثال الفوري للرمز المعصوم, وتنفيذ أمره بلا تردّد لصيانة الأمة من التيه.

وفي المقابل، تجسد الفريق الثاني في تيار التريّث والممانعة وقائده الفعلي عمر بن الخطاب، الذي انضمت إليه أصواتٌ رأت الاكتفاء بمنظومة القرآن وما ثبت من السنة المتمثلة في مقولة “حسبنا كتاب الله”، رافضة فرض نص في تلك اللحظة الحرجة مدعية خشية تفكك الاستقرار، لتبدأ من رحم هذا الاختلاف أول شرارة سجالٍ سياسي وفكري عميق شطر مسار التاريخ الإسلامي.

 

 

·     ثانياً: دوافع عمر بن الخطاب لفعل فعلته!

لا يمكن قراءة عبارة عمر بن الخطاب الشهيرة «إن النبي غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله» كشطحة لسان أو اجتهادٍ محظ، بل كضربةٍ استباقية محبوكة جرى توقيتها بدقة داخل حجرة الاحتضار لإجهاض الإعلان النبوي الأخير. حيث لم تكن الممانعة وليدة اللحظة، بل كانت التتويج المعلن لنشاط تحالف سياسي أدار خطوطه في الخفاء لقطع الطريق على وصية الرسول الخاتم والتأسيس لـ “حكومة ظل” تلتف على النص المعصوم وتستبدله بفرية الشورى الصورية.

لقد أدّت هذه المجموعة أدواراً مرسومة لإرباك المشهد ومنع تدوين الكتاب الموعود الذي كان سيعصم الأمة من الضلال ويُثبت الخلافة في مسارها المحدد. ومن هذا المنطلق، كان رفع حدة المواجهة داخل الغرفة وافتعال الصخب واعتراض أمر النبي المباشر, بمثابة التكتيك الميداني الحاسم لتفريغ السلطة النبوية من محتواها، وتحويل مسار الحكم من استحقاق إلهي صريح إلى لعبة تحالفات قبلية تُحسم كواليسها لاحقاً في أروقة السقيفة.

وفي جوهرها النافذ، لم تكن مقولة «حسبنا كتاب الله» شعاراً لتقديس القرآن، بل كانت غطاءً سياسياً وعقائدياً انتُزع من سياقه لفصل القرآن عن عدله الصامت المتمثل في أهل البيت، وتفتيت المرجعية النبوية تحت ستار “كفاية النص”.

لقد كانت تلك اللحظة إعلاناً مبكراً عن تحييد الإرادة النبوية وإحلال الاجتهاد المصلحي لكبار رجالات التحالف بدلاً منها، وفرض أمر واقع يُقصي الصاحب الشرعي للعهد تحت ذريعة خشية الفوضى والتوازنات القبلية.

وهكذا، يظهر هذا الموقف كعملية إجهاض منظمة ومخطط لها، تحول فيها تعطيل طلب النبي إلى خطوة أولى نحو مصادرة المرجعية الإلهية، لتظل حادثة المنع شاهداً على التجاوز المباشر ضد الرمز النبوي وتدشين تحول سياسي قسري جرى تغليفه لاحقاً بفرية “الشورى”, لإسباغ المشروعية على سلطة الأمر الواقع.

 

 

·     ثالثاً: بين صدمة اللفظ “يهجر” وحراجة اللحظة

تظلّ العبارة التي قيلت في حجرة النبي (ص) يوم الخميس العصيب واحدةً من أكثر الكلمات فضاعه بحق الرسول الاعظم (ص), ولتفكيك هذه الواقعة تفكيكاً تاريخياً وموضوعياً، ينبغي النظر في مفرداتها، وسياقات ردود الفعل النبوية، وطبيعة التدافع الذي دار في تلك الحجرة… وقد تتعدد الروايات في كتب الحديث والتاريخ السنية والشيعية في نقل اللفظ الذي أُطلق لحظة طلب الدواة والكتف. فبينما وردت في بعض الروايات صيغة «إن النبي غلبه الوجع»، جاءت في روايات أخرى صحيحة صيغ أكثر حدة واستفهاماً استنكارياً مثل: «أهَجَرَ؟» أو «ما شأنه؟ أهَجَرَ؟».

وقد برز في مدرسة اهل السنة التبرير لعمر بن الخطاب حيث يرى المدافعون عن موقف عمر بن الخطاب أن عبارة “غلبه الوجع” هي الأصل أو التعبير الأدق الذي أريد به توصيف الحالة الصحية الشديدة للرسول في مرضه الأخير، وأن استخدام لفظ الهجر (إن صحّ) لم يكن يقصد به الطعن في العقل أو النبوة، بل الإشارة إلى ثقل الحمى والآلام التي قد تجعل المريض يتكلم في غير حالته الطبيعية، وهو تعبير عن الخوف والإشفاق على الرسول من إجهاد نفسه. والحقيقة هو تبرير ضعيف .

اما التفسير النقدي: يرى أن إطلاق كلمة «يهجر» — أو حتى القول باستغلاق الرأي بسبب الوجع — أمام طلب نبوي جازم، يمثل تجاوزاً صريحاً وتشكيكاً غير مباشر في أصل الهداية والعصمة المظنونة في كل ما يصدر عن النبي، لاسيما وأن الآية الكريمة تؤكد: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾. ومن ثَمَّ، يُعد التشكيك في أصل الطلب أو تعطيله اعتراضاً علنياً يكسر هيبة الموقف النبوي.

 

 

·     رابعا: هل كان عمر بن الخطاب وحده في موقفه الخاطئ؟

المعطيات والمدونات التاريخية تُظهر بوضوح أن الموقف الصارم الذي وقفه عمر بن الخطاب في حجرة المرض لم يكن نزوة فردية أو رد فعل لحظيّاً معزولاً، بل كان تعبيراً عن تيارٍ سياسيٍ متماسك ومستعد لمواجهة النص النبوي المباشر لحساب رؤيته الخاصة في إدارة السلطة.

فعندما أطلق عمر عبارته الداعية للالتفاف على طلب الصحيفة والدواة بداعي «كفاية القرآن» والادعاء بأن «النبي غلبه الوجع» (أو «يهجر»)، لم يكن الصوت الوحيد في الغرفة؛ إذ انقسم الحضور فوراً إلى جبهتين متصارعتين. وقد وُجد داخل الحجرة طيفٌ من الصحابة أيدوا موقفه فوراً، ورفعوا أصواتهم بمسانده مقولته، وافتعلوا اللغط والصخب للتدليل على وجود “رأي عام” يتريث في تنفيذ الأمر النبوي، في مقابل الفريق الذي تمسك بضرورة الامتثال الفوري وإحضار الكتف والدواة.

 

هذا التوافق الفوري والصخب المنظم داخل الحجرة يكشف عن وجود نواة صلبة وتحالف سياسي مضمر ضَمّ شخصيات بارزة لعبت الدور الأساسي لاحقاً في إدارة أحداث السقيفة, تحالف كان يرى أن مصلحة الاستقرار وتوازنات القوى القبلية تتطلب كبح أي وصية مكتوبة, قد تحسم أمراً أو تثبت الخلافة في مسار محدد لا ترتضيه أطراف من قريش.

إن الأشخاص الذين وقفوا مع عمر بن الخطاب في تلك اللحظة الحرجة وساندوا اعتراضه الجريء على طلب النبي، هم أنفسهم الذين شكلوا الكتلة الحتمية التي اندفعت بعد ساعات قليلة نحو سقيفة بني ساعدة لتمرير خيار الحكم الجديد، وفرض أمر واقعٍ بحسب رؤية قريش السياسية والتوافقات القبلية، مجسدين التداخل المباشر بين تعطيل الوصية في الخميس, وبين إعلان السلطة في السقيفة يوم الاثنين اللاحق.

 

 

·     خاتما: صدى الخميس الممتد في مسار التاريخ السياسي

هكذا، لا يمكن النظر إلى “رزية الخميس” بوصفها مجرد حادثة عابرة انقضت بتفاصيلها داخل حجرة المرض، بل هي العقدة التاريخية الكبرى التي تأسست عندها مفارق الطرق بين مرجعية النص الإلهي المباشر, ومنطق الاجتهاد السياسي المنظم. لقد كشفت تلك اللحظة العصيبة، بما شهدته من تدافع وصخب ومواجهة صريحة مع الإرادة النبوية، عن تبلور مبكر لتيار سياسي استبق لحظة الرحيل النبوي بعدة خطوات، جاعلاً من كبح الوصية وتفريغها مقدمة ضرورية لإعادة هندسة مسار السلطة, وفق موازنات قوية وتوافقات قبلية أفضت سريعاً إلى مشهد السقيفة.

إن تفكيك خيوط هذا الحدث المفصلي بعيداً عن أردية التبرير المطلق أو الإدانة العاطفية المجرّدة يضع الباحث والقارئ أمام حقيقة دامغة: وهي أن الانقسام السياسي والفقهي الذي رافق مسار الأمة عبر قرونها المتعاقبة لم يكن وليد فراغ، بل ضرب جذوره الأولى في ذلك الخميس الذي رُفعت فيه الدواة، ووُضعت فيه اللبنة الأولى لمسار “حكومة الأمر الواقع”، لتظل تلك اللحظة الجرح النازف في الذاكرة التاريخية، والسؤال الأعمق حول طبيعة الخلافة ومرجعية القيادة في الإسلام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *