إنتماءات الفرد بين المجتمعات التقليدية والحديثة- بيار روباري

 

 

لكل شخص منا عدة هويات، منها الهوية العائلية، والمناطقية، القومية، الثقافية، الطبقية، والإجتماعية. ولا يمكن يتوحد مجتمع ما على هوية واحدة. لأن هذا خلاف سنن الحياة والطبيعية البشرية. وفي كل مجتمع، صغيرآ أكان أو كبيرآ، تتفوت المصالح بين أفراده وتختلف تطلعات كل واحد منهم، و تختلف آرائهم بإختلاف تجاربهم وإنتماءتهم الفكرية والحالة الإجتماعية والمكانة التي يتمتع بها ضمن إطار مجتمعه، وكل واحدة من هذه الحلات تمثل أرضية اختلاف كافية.

حسب إريك أريكسون، عالم النفس الأميركي الشهير، فإن تشكل الهوية لا يتخذ مسارآ مستقيما. تتفاعل خلفية الفرد الاجتماعية- العائلية مع ما يواجهه في محيطه، فتنتج عنه تعارضات وتأزمات ذهنية أو نفسية في بعض الأحيان، وتنتج عنه نجاحات في أحيان أخرى. لذا يمكن القول إن الأمر يتعلق بهويتين تتصارعان في داخله، هوية يريدها المجتمع منه، وهوية يريدها هو، وعلى الفرد أن يتحمل عبء التوفيق بين الهويتين على نحو يجعله قادرآ على الاندماج في عالم ذي معنى.

تأثير العوامل السلبية يزداد قوة حين يكون الفرد أو الجماعة التي ينتمي إليها في أزمة أو صراع مع الأطراف الأخرى، لا سيما حينما تضعه الأقدار في الجانب الضعيف الذي يتعرض للعدوان. في ظروف الأزمة يميل الناس إلى استبعاد المختلفين عنهم، حتى لو لم يكونوا مخالفين لهم. هذا يؤدي بالضرورة إلى بروز الانقسامات الاجتماعية على نحو لا يكون ملحوظا جدآ في الظروف الاعتيادية.

والهويات عبارة عن دوائر متداخلة مع بعضها، والدوائر بدورها أنواع، فهناك دوائر صغيرة، وهناك دوائر واسعة، تضم عدة هويات صغيرة في إطارها. فمثلآ الهوية القومية تضم في جنابتها الهوية العائلية والمناطقية والطبقية والسياسية والإجتماعية.

مثلآ الكرد، كلهم يجمعهم الهوية القومية، ولكن يفرقهم هويات صغيرة عدة، وهذا ينطبق بدوره على جميع الشعوب والقوميات الإخرى. وكلما كان المجتمع متطورآ، من كافة النواحي، ضعف دور الهويات الصغيرة، والعكس بالعكس. ولا تستطيع هوية ما على إلغاء هوية إخرى.

ولا ننسى هناك هويات ثابتة كالقومية، العائلة، والقبيلة والجنس وغير ذلك، وهناك هويات متحولة، كالإنتماء الحزبي والفكري والمذهبي وغيرك ذلك من هويات، تتغير عناصرها بين زمن وآخر.

علم الاجتماع علمنا أن دوائر المصالح في المجتمعات متنوعة، وكل دائرة منها يجمع في إطارها طائفة من الناس، حول فكرة بعينها أو مبادى معينة، أو عاطفة، أو مصلحة مادية. وكلما تراجع دور الهويات الصغرى، إقتربنا من بناء دولة يحكمها المؤسسات لا العصبيات، ويكون المواطنة فيها هي الهوية السائدة، إضافة الى الشعور القومي الجمعي لشعبٍ ما.

والهويات هناك ما هو حديث وقديم. فمثلما كان في الماضي هناك من يجتمعون حول نسب واحد ويشكلون عشيرة أو قبيلة. اليوم هناك ثمة من يجتمعون حول قضية واحدة  فيشكلون حزبآ سياسيآ، أو شركة تجارية وطنية أو عابرة للحدود، أو هوية على مستوى قارة بأسرها كالهوية “الهوية الأوروبية” أو هوية إقليمية كالهوية “الهوية الخليجية” وهكذا. كل واحدة من هذه التجمعات هي عبارة عن دائرة مصالح، اجتمعت فيها شريحة من الناس أو الشعوب، طمعآ في تحقيق عدد من الأهداف لهم.

دوائر المصالح تنقسم إلى نوعان: عمودي وأفقي.

الدائرة العمودية:

هي موروثة يكتسبها إليه الإنسان بالولادة. فالإنسان لا يختار انتماءه القومي ولا القبلي والديني والمذهبي، فهذا ينتقل من اجيل إلى جيل بالوراثة.

الدائرة الأفقية:

ينضم إليه الإنسان اختيارآ، ويتركه إذا شاء، وكما يمكن يطلق تسمية الدائرة التعاقدية عليها أيضآ. مثل إنتماء المرء إلى جمعية ما، أو الى نقابة معينة، أو نادي رياضي، أو حزب سياسي، ويتركها حينما يشاء.

 

لاحظ علماء الاجتماع أن النمط الأول (الدائرة العمودية): هو السائد في المجتمعات التقليدية، كالمجتمعات الشرق الأوسطية والأفريقية، بسبب تدني الوعي الثقافي، والفقر والتخلف، ودور الدين السلبي. ولا تمنح الفرد سوى قيمة ثانوية.

وأكد الباحثين بأن هذا النمط هو الإطار الأكثر شيوعآ للتعصب والصراعات الطويلة الأمد. حيث يمكن بسهولة شحن الانتماء العرقي، القبلي، الديني والمذهبي نتيجة الجهل وقلة الوعي، وهذا ما يستغله السياسيين والزعماء التقليديين للمحافظة على مصالحهم ومكاناتهم الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. وهذا يشكل قاعدة لتنازع مزمن، بخلاف النمط الثاني الذي لا يخلو – هو الآخر – من تعصب ولا يحول دون انفجار صراعات، لكنها قصيرة الأمد وقابلة للتفكيك والمعالجة بإجراءات غير مكلفة. هذا هو السبب الذي يجعلنا نقول إن منظمات المجتمع المدني توفر أداة فعالة لتفكيك البنية الثقافية الاجتماعية للتعصب، وتسويد لغة الحوار والتفاهم بين الشرائح الاجتماعية من جهة، وبينها وبين الدولة من جهة أخرى.

النمط الثاني (الدائرة التعاقدية):

المجتمعات الحديثة كالمجتمعات الغربية، يسود فيها النمط الثاني، أي الدائرة التعاقدية. وأحد أهم الأسباب، التي أدى إلى إنتشار هذ النمط في هذه المجتمعات، هو سيادة مفهوم الاختيار والتعاقد القائم على تقدير الفرد لنفسه وإمكاناته العلمية ومهارته. وهذا ما رفع من شأنه، ولهذا سادت الفردية في هذه المجمعات، والمبادرة الفردية باتت ركيزة أساسية لنجاح هذه المجتمعات وتقدمها، في العلوم والإقتصاد والتكنالوجيا، وهذا ما جلب معه الحريات الفردية وفي النهاية إلى بناء دولة القانون والمواطنة.

في الختام أختتم موضوعي هذا التساؤل الذي طرحه الكاتب والأديب اللبناني المعروف أمين معلوف على نفسه هو:

” إلى أي حد يستطيع الفرد التحكم في تشكيل هويته. بعبارة أخرى: إلى أي حد نصوغ شخصياتنا، وإلى أي حد يصوغنا المجتمع والمحيط. وهل نستطيع فعلا كشف وتحديد الصفات والسلوكيات والمتبنيات التي تشكل – في نهاية المطاف – هويتنا الشخصية، أي كشف ما إذا كنا نختارها بوعي أم إنها تتسرب إلينا من محيطنا الاجتماعي ونحن غافلون. ما ندعي أننا نريده ونعمل له، وما ندعي أنه مثالنا الذي نريد أن نكونه، هل هو اختيارنا أم هو الذي اختاره الآخرون لنا وسربوه إلى عقولنا؟”

 

23 – 07 – 2018