تسعى القيادة السياسية لإقليم كوردستان، لاستعادة توازنها، بعد الهزّة الكبرى التي شهدتها إثر الاستفتاء على استقلال الإقليم والذي أجري في الخامس والعشرين من شهر أيلول الماضي.
وبعد سنة من المتاعب السياسية والاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية التي أعقبت الاستفتاء المذكور، وجد الحزبان الكورديان الرئيسيان، الاتحاد الوطني بقيادة ورثة الراحل جلال طالباني، والحزب الديمقراطي بقيادة مسعود بارزاني، نفسيهما موضع اهتمام شديد، بل محلّ تسابق الفرقاء السياسيين الشيعة المتنافسين على تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر المخوّلة تشكيل الحكومة الجديدة واختيار من يرأسها.
وتشكّل القوى السياسية الكوردية مجتمعة كتلة في البرلمان العراقي المنبثق عن انتخابات شهر آيار الماضي من قرابة الستين مقعدا، أغلبها للحزبين المذكورين.
ويتنافس محوران شيعيان على منصب رئيس الوزراء؛ الأول يضم مقتدى الصدر وحيدر العبادي وعمار الحكيم، فيما يضم الثاني نوري المالكي وهادي العامري، ولا ترتبط القيادات الكوردية، وخصوصا قيادة الحزب الديمقراطي بعلاقة ودّية مع أي من قطبي التنافس على تشكيل الحكومة المقبلة.
فبالنسبة لأربيل، يظل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي أحد ألدّ الخصوم السياسيين لقيادة الحزب الديمقراطي، لعدّة أسباب ليس أقلّها اتهامه الصريح لها بالتواطؤ في إدخال تنظيم داعش للموصل صيف سنة 2014.
أما رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، فهو المسؤول المباشر على الإجراءات العسكرية والاقتصادية الصارمة التي اتخذتها بغداد ضد إقليم كوردستان بعد استفتاء الاستقلال، ومن ضمنها السيطرة على المنافذه الجوية وعدد من منافذه البرية ورفض صرف حصته من الموازنة الاتحادية كاملة، فضلا عن طرد قوات البيشمركة من كركوك.
وعلى هذا الأساس، فإن تعامل تلك القيادات مع المتنافسين على تشكيل الكتلة الأكبر، سيكون براغماتيا نفعيا إلى أبعد حد، ولا علاقة له بأي تقارب في “الرؤى والأفكار”، لكن دون إغفال رغبات قوى خارجية قد تملي على الكورد التعاون مع هذا الطرف أو ذاك.
ولم يكن من المستغرب أن تقفز قضيّة كركوك إلى واجهة مفاوضات الكورد على تشكيل الحكومة العراقية.
وانتقد الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الخميس، تصريحا لحيدر العبادي بشأن كركوك، معتبرا أنه لا يخدم “نواة” الكتلة الأكبر التي تقول أربعة ائتلافات من ضمنها تحالف النصر بقيادة العبادي إنها شكلتها وتسعى لضم أطراف أخرى إليها لاستكمال تشكيل الكتلة البرلمانية المنشودة.
وقال العبادي الاثنين الماضي إنه “لن تكون هناك أي مساومات مع الكورد على كركوك مقابل انضمامهم للتحالف الرباعي لتشكيل الكتلة الأكبر”، مؤكدا أنه “أبلغ رئيس حكومة إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، بعدم إمكانية فتح نقاش بشأن ملف كركوك”، معتبرا أن “التحالفات يجب أن تجري بين الأطراف السياسية كشركاء دون تقديم تنازلات”.
وقال المتحدث باسم الحزب محمود محمد في مؤتمر صحافي بأربيل “حتى الآن لم نقدّم أي مشروع إلى أي جهة وكلا المحورين المتنافسين على تشكيل الحكومة الاتحادية يحاولان أن يكون الحزبان الكورديان ضمن تحالفهما”. وأضاف أنه “يجب إنهاء الأوضاع التي تشهدها محافظة كركوك المحتلة ويجب تطبيع الأوضاع فيها وأن يتم تحديد كيفية إدارة الملف الأمني من قبل مجلس المحافظة”.
وفي ذات الاتجاه قال عضو الحزب ماجد شنكالي إن “القوى الكوردستانية تنتظر حسم القوى الشيعية للكتلة الأكبر وتقديم أسماء مرشحيها لرئاسة مجلس الوزراء وحينها سيكون موقفنا واضحا بالتوجه للحوار معهم حول تشكيل الحكومة المقبلة”.
ويلمس متابعون للشأن العراقي في مثل تلك التصريحات الكوردية المتواترة، مساومة واضحة لحيدر العبادي الراغب في الحصول على ولاية ثانية على رأس الحكومة العراقية، وسيكون بحاجة لمقاعد الكتل الكوردية في البرلمان لاستكمال تشكيل الكتلة الأكبر والتغلب على منافسيه في ذلك والساعين بدورهم للتحالف مع حزبي آل الطالباني وبارزاني.
ويستدرك نائب كوردي سابق طلب عدم التصريح باسمه بالقول إن “الأمر قد لا يتجاوز مجرد المساومة لتحسين الشروط، نظرا لكون قرار أربيل والسليمانية بشأن الانضمام لتحالف الصدر العبادي، أو لتحالف العامري المالكي يظل إلى حد بعيد رهين قرار واشنطن” التي يقول ذات النائب السابق إنّها “أميل لترجيح كفة العبادي الأقرب لها من منافسيه الأقرب إلى طهران”.

