الكسل الفكري .. وأثاره على المجتمع الكوردي  – م.ابراهيم أوسي

 

ولأن الإنسان أحد المرتكزات الهامة في تكوين المجتمعات والحضارات ولأن أعظم مافي الإنسان عقله الذي وهبه الله إياه ومنحه ليفكر وليبدع وليعمر الأرض ، وجب البحث عن الأسباب والأمراض التي قد تؤدي بالعقل الى الجمود أو الخمول ، فالعقل حقيقة هو القوة الفاعلة التي يحرك بها المجتمع وينهض بها الأمة ويقرر به مصير الشعوب وبه يصنع الإنسان الثقافة والحضارة .

والكسل اصطلاحا” هو عكس النشاط والمثابرة ، وفكريا” يقصد به عدم القدرة على إيجاد أو ابتكار أفكار و أراء من أجل حل مشكلة أو معالجة قضية ما .

وإذا أردنا أن نفهم أهمية العقل لدى الإنسان لابد من التطرق إلى إحدى إبداعات مالك بن نبي رحمه الله وهى نظرية العوالم الثلاث :

“فأي إنسان يعيش في ثلاثة عوالم: عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء، فلكل حضارة عالم أفكارها، وعالم أشخاصها، وعالم أشيائها.”

و هذه العوالم الثلاثة موجودة عند كل إنسان، ولكي تنهض الأمم والشعوب لابد أن يتغير عالم أفكار أفرادها .

 

و في الحقيقة ان اغلب المجتمعات عانت وتعاني الى يومنا من أثار هذا المرض الخطير ” الكسل الفكري” وبنسبة متغيرة مرتبطة بأسباب وعوامل تؤدي إلى زيادة أثرها بالمجتمع أو نقصانه… فهو ليس بمرض نادر الوجود فيبتلى به الشعب الكوردي دون سواه من الشعوب وإنما هي ظاهرة موجودة في جميع المجتمعات ولكن أسباب ظهورها وأثارها قد تختلف من بيئة لأخرى ومن مجتمع لأخر وفقا” للحالة الحضارية والثقافية .

 

ولمتانة العلاقة مابين مستوى النشاط الفكري لدى أفراد المجتمع و مستوى الإنتاج الفكري الكلي كما” ونوعا” وجب النظر بعين الموضوعية اللاعاطفية الى الواقع الكوردي ( فالحقيقة المرة خير ألف مرة من الوهم المريح ) ولنقارن بين ما تنتجه الماكينات الكوردية الفكرية مع ما ينتجه الشعوب المجاورة لنا من عرب أو ترك أو من سواهم من الملل والأمم و ممن نتشارك معهم في الكثير من العوامل التاريخية والثقافية والإجتماعية.

 

فبالرغم من أننا لا نملك أي إحصائيات حقيقية حول مدى مساهمة الكورد في المعارف الإنسانية والبحوث العلمية والفنون إلا أنه يمكننا رؤية ماتنتجه الماكينات الكوردية من مؤلفات فكرية وعلمية وأدبية وترجمة و صحف .. وما يعرض في الأسواق العالمية او الإقليمية من أفلام ومسارح ومسلسلات وغيرها من المعارف والفنون .

فعلى سبيل المثال لا الحصر من خلال متابعة ما تنتجه دور النشر الكوردية في معرض أربيل الدولي للكتاب والذي تقام سنويا” في مدينة أربيل عاصمة أقليم كوردستان العراق ، يستطيع المشارك أن يلاحظ مدى التدني اللامحدود لمستوى الإنتاج الفكري الكوردي كما” ونوعا” .. فعدد دور النشر الكوردية المشاركة لاتتجاوز أعدادها عدد أصابع اليد الواحدة والذي يعتمد في مجمله على ترجمة الكتب العربية والإسلامية، وملامح الأبداع والتأليف يكاد يكون معدوما” ..

أما على الصعيد الفني فمشاركة السينما الكوردية للمهرجانات الإقليمية تكاد تكون ظاهرة نادرة الحدوث وإن حدث ذلك فغالبا” مايكون العمل عبارة عن عمل تشاركي بخبرات إقليمية أو عالمية في هذا المجال ..

ولكن الملفت للإنتباه النشاط اللامسبوق لفن الدبلجة في الوسط الكوردي .. فالفقر الفني الكوردي بدوره قد أدى ألى فتح المجال أمام كبار المستثمرين المحليين لإستغلال ذلك النقص فبات الإستيراد الفني والدبلجة ثقافة إستهلاكية لشعب بأكمله، فوظفت قنوات تلفزيونية محلية تعمل على مدار 24 ساعة على عرض المنتوجات الإقليمية المدبلجة التركية منها والهندية والعربية والفارسية وحتى الكورية ! دون أدنى قدر من المسؤولية أو التفكير بخطورتها وأثارها السلبية على المجتمع على المدى البعيد!

ومع الأخذ بالحسبان كل هذه الملاحظات والمقارنات على الواقع الكوردي المرير إلا أن ما نقوم به في الواقع ليس إلا مجرد مقارنة بسيطة بين ما تنتجه الماكينة الكوردية مع الماكينات الإقليمية ، في حين أن بعض هذه الشعوب الإقليمية هي نفسها تعيش في حالة تدهور حضاري وانحطاط فكري لامثيل له .. أي ببساطة كمن يقارن منتج محلي مع منتج إقليمي ذو جودة متدهورة أصلا” ..!! ومع ذلك تبقى الهوة شاسعة جدا” .

فنتائج الإحصائيات في الدول العربية تقول :

(أن نسبة سكان الدول العربية تمثل مايقارب ال 5 بالمئة من سكان العالم  .. وأن معدل النشر في الدول العربية هو كتاب واحد لكل 13 ألف شخص وبمساهمة تشاركية في المعارف الإنسانية تصل إلى مايعادل 0.0002بالمئة  !!

و أن عدد الجامعات في الدول العربية التي هي ضمن أفضل 100 جامعة بالعالم هو : 0

و أن معدل ما يقرأه الفرد في الدول العربية يعادل : 6 دقائق سنويا” .

و في حين أن معدل النشر افي المانيا هو كتاب لكل 600 شخص ).

هذه الأرقام المخجلة والمخيفة في حقيقتها ليست الا محصلة نهائية للخمول والجمود الفكري الذي نعيشه اليوم كأفراد وشعوب .. ومن العوامل الرئيسية التي أدت لنموها السرطاني في الجسد الكوردي :

  1. أن النشاط الفكري ومايفرضه على الإنسان من مواجهة للأفكار القديمة والموروثة يخلق معه نوعا” من الخوف والقلق ، والسعي في هذه الأمور يرهق العقل الذي تعود على التراخي والكسل والأفكار الجاهزة ، فالقديم يستأنس به الإنسان فهو يعرف حدوده ومعانيه فيصبح التعامل العقلي في حالة من التلقي ونسخ للمعلومات، لا مجال للإبداع فيه، فيفضي إلى التقليد الأعمى، وتبني الأفكار والأراء دون وعي أو فهم لها ،ما يخلق مع الزمن نوعا” من اللامبالاة .. والتي بدورها يخلق بيئة خصبة قابلة للإستبداد ..إلا ان البعض لا يستطيعون القبول بفكرة (قابلية الإستبداد) فيعتبرونها بمثابة إهانة أو سب … فالمستبد حقيقة لو لم يجد القابلية للإستبداد في البيئة المستهدفة لما استطاع الإستبداد يوما واحدا .
  2. الإستبداد الذي تعرض له الشعب الكوردي طيلة عقود من الزمن كان له دور سلبي كبير على مسيرة الإنتاج الفكري ومارافقته من سياسات ممنهجة لتجهيل المجتمع الكوردي فجمدت حركته من الإنتاج والعمل . والكسل الفكري قد تحول مع الزمن من مرض حضاري ومجتمعي إلى وسيلة لاأخلاقية من وسائل الإستبداد.

وبالتالي نستطيع تلخيص الأسباب الرئيسية للكسل الفكري في كلمتين : ( الإستبداد ، والقابلية للإستبداد ).

وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نؤكد أن الناس بطبيعتهم يختلفون في مسألة المثابرة الفكرية قوة وضعفا” وقدرة واستيعابا” وفهما” ووعيا”، ويتجلى هذا التفاوت بين الناس في طريقة تعاملهم مع الثقافة أو مع الأفكار الموروثة والجديدة أو مع الأحداث الجارية.. إلا ان المثابرة الفكرية خيار لامفر من الإنخراط فيه ولا بد من بذل الجهد الجهيد من أجل تجسيده واقعا” لا كلاما” فحسب .. فالكلمات تبقى مجرد كلمات بلا معنى إذا لم تدفعها إرادة مخلصة صادقة لتصبح فعلا” .. فيغدوا الحلم واقعا” .