الكرد والإنسحاب الأمريكي من سوريا- بيار روباري

 

 

أود أن أبدأ مقالتي هذه بتصريح لآخر سفير أمريكي في سوريا السيد فورد، لجريدة شرق الأوسط اللندنية بتاريخ 19 حزيران 2017، لأغلق الباب أمام اولئك الإخوة الذين يقولون اليوم إن أمريكا خانتنا وفاجئتنا بقرارها.

قال السفير روبرت فورد حرفيآ ما يلي:

إن الكرد سيدفعون غالياً ثمن ثقتهم بالأميركيين، والجيش الأميركي يستخدمهم فقط لقتال «داعش» ولن يستعمل القوة للدفاع عنهم ضد قوات النظام السوري أو إيران وتركيا. وأضاف قائلآ: «ما نفعله مع الأكراد غير أخلاقي وخطأ سياسي». حينها الموالين لحزب العمال شنوا هجومآ عنيفآ على الرجل، وهو العالم بدواخل الإمور.

 

والأن يحدث تمامآ ما قاله السفير فورد، حيث قرر الرئيس الأمريكي ترامب سحب قواته الخاصة من شرق الفرات والتي تبلغ قوامها حوالي 2000 عنصر. وقرار ترامب لم يكن مفاجئآ، حيث أكد مرارآ عن نيته سحب قوات بلاده من سوريا، وآخر مرة حاول سحب تلك القوات كانت قبل ثلاثة أشهر من الأن، ولكن تحت ضغط البنتاغون (وزارة الدفاع)، تراجع ترامب عن قراره حينذاك، واليوم عاد لينفذ وعده الإنتخابي بسحب كافة قوات بلاده من سوريا.

ولا يمكن في حالٍ من الأحوال الحديث عن خيانة أمريكا للكرد، فأمريكا لم تكن يومآ حليفآ للكرد لا في غرب كردستان ولا في جنوبها، ولا في الأجزاء الإخرى. الظروف أجبرت أمريكا مرتين للتعاون مع الكرد لأن مصالحها تقاطعت مع مصالح الكرد. المرة الأولى كانت عام 2001 أثناء غزو أمريكا للعراق والإطاحة بنظام الطاغية صدام حسين. والمرة الثانية كانت قبل ثلاثة أعوام،

عندما رفضت التنظيمات المسلحة السورية محاربة تنظيم داعش في سوريا، فإضطرت لمد يدها لفرع حزب العمال الكردستاني- الذي تصنفه أمريكا!!!

 

ولكن بخلاف الكرد العراق، حصرت أمريكا علاقتها بالكرد السوريين فقط بالجناح العسكري ورفضت التعامل مع القيادة السياسية لهذى القوة، وهذا له معنى ودلالة كبرى في عالم السياسة

لمن يفهم ويريد أن يفهمم. وحذرنا مرارآ الإخوة في (ب ي د) من هذا الخلل في التعامل، ولكن

تحذيراتنا لم تجد صدآ لدى الإخوة الذين كانوا يديرون ضفة الإمور في غرب كردستان، بسبب النشوة التي كانوا يعيشونها في تلك الأيام، وكانوا سعداء “بصديقهم” الأمريكي ويعتبرون إختيارهم

من قبل أمريكا نصرآ لهم على جماعة “الأنكسة” والإئتلاف الوطني السوري من خلفهم!!!

 

الإخوة في قيادة قنديل ظنت إنها قادرة على جر قدم الولايات المتحدة الى ملعبها ووضعها في مواجهة تركيا، وثانيآ رأت في ذلك فرصة تاريخية للخروج من عزلتها السياسية ولائحة الإرهاب الدولية، وهنا كان الخطأ الفادح الذي وقعت فيه قيادة قنديل والتي تتمثل بالأخوين جميل بايق ومراد قريلان. حزب العمال الكردستاني بدءً من السيد اوجلان ومرورآ بقيادة قنديل و (ب ي د)، يفتقرون إلى الخبرة في الشؤون الدولية. ليس لديهم أي تصور حول السياسات الدولية، وطريقة التفكير الغربي ولا يقبلون النصيحة، ولا يسمعون سوى أنفسهم للأسف الشديد. ولهذا وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. والقيادات الكردية في جنوب كردستان ليسوا أفضل حالآ منهم، وبسبب هذه العقلية، والأنا المنتفخة ضيعوا كركوك ومعها ثلث مساحة الإقليم. والمستارشين عملهم الوحيد هو تمجيد القائد والزعيم، وقول نعم لكل ما يقوله حضرته والتصفيق.

 

كلنا نعلم بأن القرار ليس بيد صالح مسلم والدار خليل، وإنما بيد قيادة قنديل. وقنديل برأي إرتكبت خطأين فادحين بغرب كردستان بعد إنطلاق الثورة السورية هما:

الخطأ الأول:

إتخاذ موقف سلبي من الثورة السورية بسبب علاقتها القديمة مع نظام الأسد الأب، وفصل الكرد عن المكون العربي السوري، وتبني نهج قريب للنظام منه للمعارضة وسمته “بالطريق الثالث” وهو عبارة عن كلام لا معنى له. ولاحقآ سمته بثورة روز-أفا وهذا أغرب ما سمعته طوال الأزمة السورية. وهذه السياسة الخاطئة أدت إلى كشف ظهر الكرد وطنيآ (سوريآ)، وتركتهم دون غطاء سياسي، وأحدث شرخآ كبيرآ بينهم وبين العرب السوريين وخاصة السنة منهم.

الخطأ الثاني:

تفرد حزب العمال الكردستاني بحكم غرب كردستان وإقصاء بقية القوى السياسية، التي لها تاريخ نضالي طويل، والبدء بفرض أفكاره الشمولية على الكرد عبر المناهج التربوية الدارسية، وتبني أفكار لا تمت للشعب الكردي بشيئ، كمفهوم “نظرية الإمة الديمقراطية” وهو مجرد كلام فارغ لا أساس علمي له، والتهرب من الحديث صراحة عن حقوق الشعب الكردي، وعدم إستخدام تسمية غرب كردستان في أدبيياته، وإمتناعه عن رفع العلم الكردي  (أحمر، أبيض، أخضر) ويتوسطه الشمس الزرادشتيه، وإلى جانبه علم الثورة السورية. وهذا حرمهم من الغطاء الكردي وجعل ظهر الإدارة الذاتية مكشوفآ للعدو التركي تمامآ.

 

إن بروز المارد الكردي بقوة في جنوب وغرب كردستان وبتلك السرعة المخيفة، أفزعت تركيا وأخذت تعمل بشكل حثيث وبكل قوة، لإحتواء هذا المارد، ومن ثم شن هجوم معاكس لتضع حد له، قبل أن يفوتها القطار، ويتمكن الكرد من عزلها على العالم العربي، ويعكس هذا كله بشكل إيجابي على كردها، الذين يتخطى عددهم الثلاثين مليون مواطن كردي. وبسبب ذلك دخل الثعلب اردوغان في خلافات سياسية مع أمريكا والغرب، من أجل وقف دعمها العسكري للكرد في غرب كردستان.

 

وعندما فشل في ذلك لجأ الى روسيا بوتين وعقد تحالفآ معها شملت عدة نقاط، من أهمها توقف تركيا عن دعمها للمتطرفين السوريين والأجانب مقابل إطلاق يدها ضد الكرد في الشمال السوري وبناءً على ذلك تم السماح لها بوضع يدها على مدينتي جرابلس والباب، مقابل إخراج المتطرفين الإسلاميين المتحالفين معها من حلب وتسليمها للنظام على طبق من فضة، وهذا بالضبط ما فعلته.

 

وهذه الخطوة التركية الإحتلالية المرضية عنها روسيآ وإيرانيآ وأسديآ وأمريكيآ ومعارضيآ سوريآ شجعتها في الإقدام على خطوة مماثلة، فإتفقت مع روسيا مجددآ على أن تسحب الأخيرة شرطتها العسكرية من عفرين، والسماح لها بإحتلال عفرين مقابل تخلي تركيا عن مسلحي الغوطة الشرقية المرتبطين  بها. وهذا ما حدث فعلآ على الأرض، وبهاتين الخطوتين إستطاعت تركيا منع الكرد من توحيد وحدتهم الترابية وبالتالي إنهاء حلم الفدرالية على الأقل في المدى المنظور.

ولكن تركيا تدرك مثل غيرها، إن بقاء مناطق الجزيرة ومدينة منبج ومناطق الشهباء تحت سيطرة الكرد، يعني قيام كيان كردي قابل للحياة والتوسيع في المستقبل، بحكم وجود موارد غذائية ومائية ونفطية، تمكن الإقليم الوقوف على قدميه، كما هو الحال مع إقليم جنوب كردستان. وزد على ذلك الإقليمان يملكان حدود مشتركة.

 

ومنذ إحتلال منطقة عفرين، أخذت تركيا وعلى أعلى المستويات، تهدد بغزو شرق الفرات ما لم ينسحب منها مسلحي الكرد، وتسلمها للجماعات المتطرفة التابعة لها. وأخذت تتهيآ الفرص للتنفيذ خططها، ولكن بسبب وجود القوات الأمريكية في المنطقة، تريثت واليوم جاءتها الفرصة الذهبية للإنقضاض على الكرد، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي عن نيته في بدء سحب قوات بلده من شرق الفرات. وعقب تصريح ترامب، أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار: إن المسلحين الكرد شرقي الفرات سيدفنون في خنادقهم في الوقت المناسب”.

 

وما أن أعلن ترامب عن قراره الغير صائب برأي، بدأ حلفاء دوليين سلسلة اتصالات مكثفة مع المسؤولين الأميركيين للتريث في تنفيذ هذا القرار، وجدولة الخروج لعدة أشهر لإعطاء الفرصة لبقية الفرقاء لبحث ترتيبات ملء الفراغ الذي سينجم عن الانسحاب الأميركي وبحث إحتمالية إبقاء الحظر الجوي. ولا شك أن قرار الرئيس الأمريكي فتح بابآ واسعآ للصراع على مناطق التي يسيطر عليها الكرد شرق الفرات، والتي تشكل 30% بالمئة من مساحة سوريا الكلية، وتضم نحو حوالي 90% من النفط والغاز والمياه. ويتنافس على المنطقة كل من النظام السوري وتركيا.

 

تركيا تهدف لبسط سيطرتها على الشريط الحدودي مع سوريا بالكامل، ودفع المقاتلين الكرد نحو الجنوب، وإقامة منطقة عازلة هناك، بالتفاهم مع الروس والنظام السوري. لكن السؤال: هل ستقبل روسيا ومعها النظام بذلك؟ بتصوري من الصعب أن يقبل النظام بذلك ولا روسيا. والكرد أيضآ لن يقبلون بذلك، ويفضلون دخول النظام على الإحتلال التركي.

والسؤال هنا ما هي الصيغة التي يمكن وفقها التفاهم مع النظام حول عودته للمنطقة الكردية وضمن أي شروط. بالطبع النظام يريد أن يرفع الكرد الراية البيضاء، بمعنى تخليهم عن سلاحهم والعودة إلى حظيرة النظام كما كان الحال سابقآ، ولا أظن أن الكرد سيقبلون بذلك، ويعودون إلى بيوتهم بخفي حنين.

 

أما لماذا لم أتطرق لأسباب هذه الخطوة الترامبية ومدى صوابيتها، لأنني أعتقد لم يعد من المفيد كثيرآ التوقف عندها، لأن الواقع تجواز ذلك، وعلينا أن نركز على ما بعد تلك الخطوة، ولهذا لم أناقش هذا الأمر، وثانيآ أعتقد أن القاصي والداني يعرف تلك الأسباب جيدآ. وللمرة الألف أقول

لا خلاص للكرد إلا بوحدتهم القومية، التي تحدث عنها أحمد خاني قبل مئتي عام من الأن.

 

وفي الختام بقيا أن نطرح سؤال هو: كيف ستتعامل قيادة (ب ي د) مع هذا الواقع الجديد؟ دوعنا ننتظر ونرى.