وداعاً ابو ناصر !  ـ1ـ 2-  د. مهندالبراك

 

                                                                                                                                                              ahmedlada@gmx.net

 

                   حملت لنا الانباء مع اعياد الميلاد و بدء العام الجديد عدداً من الأخبار الأليمة كان في مقدمتها خبر وفاة المناضل الصلب المعروف ” ابو ناصر ” طه صفوك العلكاوي، الذي كان خسارة كبيرة للقوى الديمقراطية و اليسارية .  .

                   منذ اواخر الستينات و حين كنّا طلاّباً و نشطاء في “اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية” ، كان المكان شبه الوحيد لعقد الموسعات و السفرات الطلابية هو بستان عائلة ابو ناصر في ” جديدة الشط ” العائدة لمحافظة ديالى، حين كان الشاب ابو ناصر الكادر الطلابي و العضو النشيط في سكرتارية الاتحاد آنذاك و التي ضمّت المناضلين : محمد النهر، هناء ادور، يحيى علوان، حميد برتو و آخرين .  . و كان لولب عائلته الثورية و اخوانه حين كان مستعداً على الدوام لتوفير المكان و بحماية عائلته، في وقت تكّلف فيه بمهام سرية متنوعة لنشاط الحزب الشيوعي العراقي في مواجهة السلطات الدكتاتورية.

                   و رغم اننا التقينا صدفة حين اضطررت للاختفاء في كردستان في قرية برسرين بتوجيه حزبي اثر الضربة القاسية للمنظمات اليسارية و خاصة الحزب الشيوعي عام 1971 .  . التقينا صدفة اثناء قيامي بتلقيح الانصار ضد الكوليرا حين كان كادراً سرياً ملتحقاً بالانصار و كان مسؤولاً سياسياً لإحدى الفصائل الانصارية الشجاعة في برزيوة ـ واركون عند سفوح جبل هندرين .  .

                   و بعد مرور سنوات سمعت الكثير عنه و عن مناقبه في التضحية و التحدي في العمل السري في بغداد و في محافظات المنطقة الوسطى ( ديالى، الانبار، صلاح الدين، واسط .  .  ) حتى صار مسؤول محلية ديالى للحزب في اواخر السبعينات في وقت كانت فيه حملات القمع تتصاعد، فيما استمرت فيه روح الشهامة و الكرم و روح النكته و الفكاهة في احاديثه و التي لم تفارقه .  .

                   لتتواصل و تتطور الاحاديث عن نشاطه في لبنان في صفوف المقاومة الفلسطينية و اللبنانية اثر الهجمة الوحشية لدكتاتورية صدام على الحزب الشيوعي و القوى و الشخصيات الديمقراطية و اليسارية و تسببت باستشهاد و ضياع اخبار و تشريد عشرات الالاف من المناضلين و المناضلات و من الشباب الواعد، و في زمان الاجتياح الاسرائيلي للبنان.

                   التقيته فعلاً للمرة الاولى في القاعدة المنظّمة الاولى لأنصار الحزب الشيوعي في نوزنك عام 1980 مع مجموعة من الشباب المتحمسين للنشاط في صفوف الانصار قادمين من لبنان منهم الشهيد لاحقاً النصير البطل ” ابو فيروز ” معاون آمر سرية رواندوز، و كان ابو ناصر مسؤولهم، و شكّل مجيئه مع المجموعة الشابة الاولى من الخارج دعماً معنوياً عالياً للانصار هناك و شعروا للمرة اولى بأنهم برعاية الحزب و ان الحزب لم ينساهم.

ليكون مسؤول احد الفصائل السبعة هناك، الفصيل الذي كان عامراً بانواع النشاطات و التدريبات ثم العمليات الانصارية، و تدرج بالمهام حتى صار المسؤول السياسي لفوج مقر القيادة في نوكان وبدأ بنسج شبكة التنظيمات السرية في مناطق محافظة ديالى و انتقل لقيادتها الى مقر قاطع بهدنان ثم الى عضوية قاطع السليمانية .

                   كان ابو ناصر من الكوادر المتأنية و رغم انواع المخاطرات الاّ انه لم يكن مغامراً و كان يجهد في الحفاظ على وحدة الرفاق و الانصار و الحفاظ على ارواحهم، في وقت كان يبدي استعداده الدائم لمساعدة و خدمة المحتاجين منهم .  . منه تعلّمت الطبخ في خفارات الخدمة الرفاقية و تعلّمت منه غسل الملابس سواء بوجود صابون او بدونه، اضافة الى النكات مع الفقيد ابوعادل الشايب التي كانت تصعّد المعنويات في تلك الحياة القاسية ولاتزال في الذهن نكات ” قطقوطي ” الاسم الذي اطلق على جرو صغير حينها، و ” اخ اخ اخ انشلع كلبي ” التي كان يرددها رفيق غرفته تعبيراً عن معاناته و ” اللي قلمهم يذبح الطير ” و غيرها (يتبع)

 

28 / 12 / 2018 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) الشهيد جمال عاكف حمودي ابن العائلة الثورية المناضلة المعروفة .     


وداعاً ابو ناصر !

     ـ2ـ

                                                                                                                                                                             د. مهندالبراك

                                                                                                                                                              ahmedlada@gmx.net

 

و قد تميّز الفقيد ابو ناصر بروحه الاممية و مواقفه البارزة ضد التمييز بين الرفاق و الناشطين سواء كان على اساس قومي او مناطقي او موقعا حزبياً في قضايا الزمالات و العلاج و الراحة .  .  الخ في ذلك الزمان، و امتلك حاسة شم قويّة في ذلك .  .

و من خلال احاديثه، كان نموذجه، القائد و المناضل العمالي الصلب عبد الامير عباس ابو شلال مرشح اللجنة المركزية لسنوات طويلة، ابو شلال الذي واجه انواع الصعوبات التي وصلت حد العقوبات الداخلية بسبب مواقفه المبدئية في زمان (الجبهة) مع البعث، ولابد من القول ان ابو شلال كان احد الرواد الاوائل في اعادة بناء تنظيمات الحزب التي هشّمها انقلاب شباط الاسود عام 1963 حين كان يتخفىّ في بيت عائلة ابو ناصر في جديدة الشط و حين كان الشاب الصغير طه ساعده الايمن .  .

                   و قد اجاد ابو ناصر الجمع بين الدفاع عن مواقف الحزب و بين بث آرائه المخالفة او المغايرة فيما كان يجري حين اهملها التنظيم .  . محافظاً على سلامة وحدة التنظيم و النشاط، و في وقت اجاد فيه العمل السري في ظروف الانصار حين كانت الامور تجري على المكشوف و كان من الصعب اخفاء الاسرار فيها في ظروف المجابهات المسلحة العلنية القاسية آنذاك.

                   و قد حملت الانباء في الثمانينات ان نشاط الشبكة التي كان يقودها في مناطق ديالى و في الخالص و جديدة الشط تحديداً، قد تكللت بنجاحات نادرة بين ابناء المنطقة آنذاك و خاصة بين الشباب من رافضي الحرب هناك التي بدى و كأنها نجحت في تكوين قاعدة مسلحة متقدمة هناك قرب بغداد العاصمة و قامت بعدة نشاطات سرية سياسية و عسكرية ضد ازلام الدكتاتورية .  .

بعد شهور شمّت اجهزة الامن الصدامية رائحة تلك النشاطات وكونها منظّمة و لكن لم تحدد مصادرها، و بعد محاولاتها الفاشلة المتكررة بايقاف تلك النشاطات، شنّت القوات الخاصة المشتركة بحدود اواسط عام 1984 هجوماً كثيفاً على المنطقة و على رافضي الحرب و واجهت مقاومة نادرة في قرية جديدة الشط التي كانت قلب تلك النشاطات، مقاومة شاركت فيها نواة تلك القاعدة و عائلة ابو ناصر الكبيرة و تسببت باسقاط طائرة عمودية عسكرية و بقتل و جرح ماقارب العشرين عسكريا فيما استشهد و جرح ابطال تلك النواة الستة، ومن ابناء جديدة الشط و عائلة ابو ناصر الكبيرة.    

                   و لنشاطاته المتنوعة اختير ابو ناصر عضوا في اللجنة المركزية للحزب اثر المؤتمر الرابع عام 1985 مصعّداً نشاطاته المتنوعة و بروحه المرحة النشيطة .  . حتى ساهم مساهمة فعّالة في انتفاضة ربيع 1991 في كردستان و سقط مغشياً عليه فيها بسبب جلطة قلبية كما ورد آنذاك، و خرج الى الخارج للعلاج و الاقامة .

                   و قد استمرت لقاءاتنا و المكالمات التلفونية و النقاشات بيننا و هو على تلك الروح الوثابة و المتفائلة .  .  حتى غادرنا بشكل مفاجئ مؤلم بسبب مرض عضال لم يمهله طويلاً و لم يصدق احد غياب تلك القامة الكبيرة عنّا بغضون ايام فقط .

المجد كل المجد للقائد ابو ناصر و لرفاقه الاماجد !

(انتهى)

 

30 / 12 / 2018 ، مهند البراك