إن الإجابة عن هذا التساؤل، أكبر من أن يجاب عليه بكلمة نعم أو لا. لأن الموضوع متشابك ومتداخل بين المفهومين إلى حد كبير، ومن هنا لا يمكن إختصار الجواب بجملة واحدة، ولكي نفهم الأمر كما يجب وبشكل صحيح، فلا بد لنا أن ندرس العلاقة المتداخلة بين الحرية من جهة، والإستقلال من ناحية إخرى. ومن ثم يمكن لنا الحكم على العلاقة بينهما، والإجابة على التساؤل المطروح أمامنا.
برأي يمكن تشبيه حالة الإستقلال والحرية والديمقراطية والعلاقة بينهما، بالعلاقة بين جسد الإنسان والروح والعقل بالضبط. فالإستقلال من وجهة نظري يجسد جسم الإنسان في هذه الحالة، والجسد من دون الروح لا يمكن له أن يحيا، ولهذا عندما يسلم المرء روحه أي يموت نستعجل بدفنه، لأننا لو لم نفعل ذلك، لتحلل الجسد وتسبب بأمراض وروائح كريهة. ومن هنا يمكن القول، بأن الحرية هي الروح الذي تحيا به كيان الدولة المستقلة، ومن دون الحرية يبقى الإستقلال مجرد جسد هامد، لا حياة فيه ولا نفع منه.
وفي المقابل إذا كان لدينا جسدٌ بروح وليس له عقل، أي من دون دماغ سليم يعمل بشكل طبيعي، ويحكم على الإمور بالمنطق، كحال المريض الذي قد دخل الكومة، وراحة في ثباتٍ طويل. أي أنه يعيش على الأجهزة الطبية، وبمجرد سحب الأجهزة منه يفقد حياته. هناك بعض المرضى الذين يستيقظون من الكومة، هذا إذا كانت خفيفة، ومع ذلك يحتاج المريض بعدها، إلى زمن لإستعادة كامل نشاطه ووعيه، وذلك بسبب تلف قسم كبير من أنسجة الدماغ. إذآ الديمقراطية مهمة للدولة المستقلة كأهمية العقل لجسد الإنسان، كي تعمل وتكون منتجة ومفيدة وقابلة للحياة.
وإذا طبقنا هذا التشخيص على كثير من الدول “المستقلة” في منطقتنا، أي منطقة الشرق الأوسط، لإكتشفنا بأن الكثير من هذه الدول، هي مجرد أجساد هامدة، والقسم الأخر هي عبارة عن مرضى يعيشون على الأجهزة الطبية، كمرضى الكومة. وهذا يذكرني بحالة اريل شارون رئيس وزراء اسرائيل السابق، الذي دخل في في غيبوبة ولم يفيق منها بعدها، مما إضطر أهله لسحب الأجهزة الطبية منه بعد أكثر من سنتين ويقومون بدفنه.
إنظروا معي إلى حال كل من سوريا والعراق وتركيا، التي “إستقلت” معآ، بعد الحرب العالمية الإولى وإنهيار الإمبراطورية العثمانية، وظهور قوى إستعمارية جديدة حلت محلها، وتحديدآ بريطانيا وفرنسا. فهذه الدول منذ نشأتها قبل مئة عام تقريبآ، تعيش حالة المريض، الذي ينتابه سكرات الموت بسبب غياب الحرية والديمقراطية فيها. وكل هذه المشاكل والمأسي والمعاناة والعفونة التي تعيشها، هي بسبب غياب هذين العنصرين الرئيسيين لي حيوية أي دولة بشكل طبيعي كبقية الدول مثل بريطانيا وفرنسا وهولندا. وسيستمر وضع هذه الدول هكذا ما لم، ما لم تقوم شعوب هذه الدول ومعهم الشعوب الإيرانية، بثورة تعيد الروح لهذه الأجساد المية، وتنشيط دماغهما، حتى تعمل عقولها ويحيينا بشكل طبيعي كما فعل التونسيين في بلادهم قبل عدة أعوام خلت.
إن تجارب جميع الدول المستقلة، تؤكد حقيقة واحدة هي:”لا إستقلال من دون الحرية والديمقراطية. فالإستقلال من دونهما جسد بلا روح وبلا عقل. كما إن الإستقلال يعني الحرية للشعب والديمقراطية أساس للحكم. ولكن ماذا نعني بالحرية والديمقراطية في أرض الواقع؟
الحرية، نعني بها خمسة أشياء أساسية، أولآ حرية الرأي، وثانيآ حرية العبادة، وثالثآ الحرية الإقتصادية أي التحرر من العوذ، ورابعآ التحرر من الخوف، وخامسآ حرية التنقل والإقامة داخل البلد الواحد.
أما الديمقراطية، فنعني بها دولة المواطنة والحقوق، أي حقوق الأفراد والمجموعات العرقية والدينية، والمساواة بين المواطنين إناثآ وذكور، ودولة تحكمها المؤسسات والقانون. وبالإضافة لذلك وجود نظام مدني يفصل بين الدين والدولة. دولة لا تتدخل في حياة الناس الشخصية وخيارتهم، وتقوم على خدمتهم وحمايتهم ورفاهيتهم.
الحرية والديمقراطية لا يتحققان بمجرد حصول الشعوب على إستقلالها، فلو أخذنا الجزائر ومصر وسوريا والعراق وتونس وليبيا واليمن وباكستان، كأمثلة على ذلك، سنجد بأن شعوب هذه الدول، عانوا وما يزالون يعانون من الحرمان والظلم في ظل أنظمة “وطنية” مستبدة.
الحرية لا تعطى وإنما تأخذ، حالها حال الإستقلال تنجز عن طريق النضال. ومن واجب كل إنسان النضال في سبيلها بكل السبل وأولوهما الوعي السياسي والفكري، وبالحقوق. فكلما ارتقى وعي الإنسان، أصبح قادرآ على خوض معركة الحرية بشكل كفؤ وأفضل. ومع اكتساب المرء المزيد من الوعي، تتسع مجالات حريته ونطاقها، وبالتالي تصبح حريته أكثر شمولية.
الإستقلال النسبي الذي حصل عليه الشعب الكردي في جنوب كردستان، وبدرجة أقل في غرب كردستان لم يجلب معه الحرية لأبناء الإقليمين ولا الديمقراطية ولا الرفاعية الإقتصادية، كما كان يأمل الكرد من ذلك، وخاصة بعد كل تلك التضحيات الجسيمة، التي قدموها على مر السنين في سبيل الإستقلال. ففي جنوب كردستان بسطت عائلة البرزاني نفوذها على ثلثي الإقليم، وتركت السليمانية لعائلة الطالباني المنافس التقليدي لهم على النفوذ والمال والحكم. وأخذ البرزاني وحاشيته يتحكمون باقتصاد الإقليم وكافة مراكز القرار المالي والأمني والعسكري والإعلامي، ولم يعد أحد يتجرأ على نقد حكم العائلة، وإن فعل فمصيره الموت والغياب القصري، كما حدث مع العديد من الصحفيين والنشطاء المدنيين. ومع الأيام تحول الإقليم إلى نسخة كربونية من سوريا في ظل عائلة الأسد الإجرامية – المافيوية. ولولا الضغوط الغربية، لإنفجر الوضع في الإقليم منذ أمدٍ بعيد، وشهدنا حربآ أهلية جديدة بين الأطراف الكردية، على غرار ما حدث في تسعينات القرن الماضي وبل أسوأ.
خلاصة القول، لا يمكن فصل معركة الإستقلال عن معركة الحرية والديمقراطية بأي شكل من الأشكال. ويخطئ من يظن بأن مهمته تنتهي بمجرد تحقيق الإستقلال. فالإستقلال لا يعني بالضرورة، إقامة نظام ديمقراطي وتحقيق الحرية، والكرامة الإنسانية، التي يبحث عنها كل فرد سوي وسليم منا.
*****

