أرسل بيرياندر طاغية حكم إحدى المناطق في الإغريق القديمة الى “هيرودوتس” أحد الحكام الطغاة هو الآخر في الجهة الثانية في “كورنث” بمبعوث يسأل الاخير فيه عن الطريقة المثلى للسيطرة على الشعب وإحكام القبضة عليه .
اخذ هيرودوتس ضيفه خارج المدينة وإلى حقل محصول القمح او الذرة وبدأ بقطع رؤوس بذور القمح البارزة و العالية واحدة تلو الاخرى و استمر في سؤال الضيف عن سبب مجيئه من حاكم ولايته دون أن يبدي له اية مشورة خلال عدة ساعات و ارجع بالضيف الى قصره و طلب منه الانصراف..
عندما وصل المراسل الى سيده ساله الاخير كيف رأيت هيرودوتس ؟
فقال لم أر منه شيئا .. رجل لا يتكلم .. غريب و عجيب .. لم يعطني أية استشارة انقلها لك .. كان في مجمل الوقت مشغولا بقطع كل رأس بذرة جيدة و اسقاطها في الأرض..
ابتسم بيرياندر في وجه المبعوث وقال له شكرا على حسن المشورة بامكانك الانصراف.. فهم من المبعوث ان الاول يقصد التخلص من كل من لديه قوة او سمعة او كفاءة و الاعتماد على المرتزقة و المشترين.
ذكرت قصة بيرياندر -هيرودوتس في عمل أرسطو Politics (Aristotle) Politics (Greek: Πολιτικά, Politiká , ثم اعقبه في التراث السياسي الانكليزي بعقود عدة تسمية مرادفة الخشخاش المرتفع أو الطويل Tall poppy syndrome اي التخلص من الناس البارزين خدمة لبقاء السلطان ..
في الرواية المحلية الكوردية البهدينانية تذهب القصة الى ان مستشار سياسة الحاكم ” عيسى ده لا” ايضا لوحظ هو الاخر انه كان يرمي كل كرة بطيخ ناضجة و صحية في الصخر فيما كان يبقي على المتعفنة و المريضة منها لنقل رسالة للحاكم ان ما آل إليه حكمه من تشرذم وفوضى هو بسبب:
إقصاء الجيد و الإبقاء على الرديء ..الرواية الكوردية كالعادة عاطفية مختلفة مع الواقع في العالم الآخر..
عندما جاءت احزاب باشور الى السلطة بطريقة الصدفة و الحظ ..
الصدفة لأنهم لم يكونوا على علم بمجريات الأحداث وكانوا مبعثرين شبه فاقدين الامل بعد ١٩٨٨, و الحظ لان صدام استمر في غبائه في الهجوم على الكورد بعد الانتفاضة .. اتوا للساحة بشكل هواة ولا محترفين , أشباه موتى ضاحكين غير منظمين , لكن خبيثوا النوايا ولا مخلصين, سراق باعوا البلدوزرات الوحيدة في المنطقة و بقى الشعب من دون واحدة تجرف الثلج من أمام الطرق و تعثرت المواصلات من امام طرق دفن الموتى و الوصول للمستشفيات ..
كانوا ولا زالوا فقراء بمفهوم الفقر الكبير, فقر الجيب و فقر الرؤية و فقر في الفهم و انتهوا في فقر في النتيجة بعد الاستفتاء اليائس اللاموعود
.. النكسة التي ارجعت الكورد نصف قرن الى الخلف بأقل تقدير وبهلاهيل من كانوا يصورون أنفسهم فهماء في السياسة و التقدير ..
استقبلهم الشعب المشتاق للحرية من المحتل العربي في الاحضان و سهلوا لهم جميع الأمور غير مدركين انهم بذلك يزرعون نواة طغاة محليين على أنفسهم .. طغاة الافلاس الى التخمة في اقل من عقدين , وبدأت مرحلة قطع رؤوس الخشخاش الاصلي و تخلصوا من منتقديهم و المخالفين تباعا عن طريق بعض من الموالين العاديين والبسطاء الذين سيصبحون امراء على الشعب لاحقا ..
الإبقاء على الحزب الواحد يجب أن يكون بقطع الرؤوس العالية من المعارضين بالمفهوم أعلاه .. مفهوم حقل ارسطو ..
هؤلاء المأمورين البسطاء امثال موظفي محافظتي دهوك و اربيل ارتفعوا في الأجور والأمور الى أن تصوروا انهم ربما سيكونون يوما ندا للسلطان .. اي ان الخشخاش المصطنع يكسب نوعا من المهارة الحرفية و الديمومة .. لكن هيهات من سطوة الحاكم الغاشم و دافع الأجور الفقير في الأصل , ستصبحون اليوم علكة سياسية لديهم باسم محاربة الفساد للحكومة الجديدة ..
المهم هو أنه سيستمر لكم دفع الأجور وستبقوا ممنونين !!.
تبديل الادوار والشخصيات الثانوية في المسلسل ذاته و بنفس الاخراج والانتاج والتوزيع سوف لن يغير الكثير و لن يعطي للمشاهد انطباعا مختلفا .
تغيير محافظ ومحافظ ومدير وغيرها من الترهات لن يغير شيئا في رؤية الشعب الواعي ..عليكم بالتغيير الجدي ..
تغيير المدراء ومجالس المحافظات وبعض الأسماء ما هي إلا إجراءات تجميلية و روتوش خارجي لتغطية بؤرة داخلية فاسدة رئيسها في أعلى الهرم السياسي في الإقليم منذ ١٩٩١ .
معظم الشعوب المنكوبة رأت في وقت ما رجالا مخلصين دأبوا على الوصول بشعوبهم نحو مطاف الخلاص إلا شعبنا في باشور ابتلاه الزمن و القسمة بأفراد زادوا من نكبتهم و محنتهم نكبات ومحنات و خيانات..

