الإخفاق الكردي أسبابه ومألاته – بيار روباري

 

لم أجد تسمية أخف ثقلآ من الإخفاق كعنوان للمرحلة الراهنة التي نحياها وشهودٌ عليها ككرد. لقد تجنبت إستخدم كلمة الفشل، لأنها ذات تأثير سلبي أكبر على الإنسان، ولم أشأ الإثقال على المواطنيين الكرد من الناحية النفسية والمعنوية، حيث يكفيه مما يعاني.

طبعآ لا يمكن الحديث عن ساسة الكرد كفريق واحد، نظرآ لتقسيم كردستان سياسيآ، وخصوصية كل جزء، وإختلاف أوضاعه وأحواله عن الأجزاء الأخرى، بحكم ظروف كل بلد وتطور القضية الكردية فيه. سأركز في مقالتي هذه تحديدآ على شمال كردستان، جنوب كردستان وغربها بشكل أساسي بسبب سخونة الأوضاع فيها.

لنبدأ من شمال كرستان ونطرح السؤال التالي: لماذا أخفق حزب العمال الكردستاني في تحقيق أي إنجاز

عسكري وسياسي خلال فترة الخمس السنوات الأخيرة، رغم دخول اردوغان في عدوات مع الجميع في الداخل والخارج ما عدا روسيا مؤخرآ؟

حزب العمال منذ أن القي القبض على رئيسه عبدلله اوجلان، والحزب يتراجع عن مطالبه وأهدافه، ولم يعد يقوم بعمليات عسكرية في الداخل. ما سبب ذلك؟ سبب ذلك هو ربط مصير الحركة والشعب الكردي بمصير شخص اوجلان. واوجلان هدفه الأساسي كان هو الخروج من السجن. ولهذا تخلى عن المطالبة بدولة كردية وتوحيد الشعب، وبات يعارض ويحارب من يرفع هذا المطلب داخل تركيا وخارجها

وإبتدع السيد اوجلان فكرة “الإمة الديمقراطية”، والتي ليس لها أي معنى سياسي ولا فلسفي نهائيآ. ظن اوجلان بأنه من خلال طرح هكذا الأفكار ستشفع له عند الأتراك وسيطلقون سراحه، على أساس أنه داعي للسلام وويدعوا لإخوة الشعوب، ولكن ليسوا بوارد إطلاق صراح اوجلان نهائيآ.

هذه الفكرة من البداية للنهاية لا معنى لها، وكلام فارغ ولن تنطلي على الكرد ولا على الشعوب الأخرى كالفرس والترك والعرب. ببساطة لن يتخلى أحد عن هويته، لأن اوجلان دعى الى ذلك. وثانيآ لا يوجد إمة في العالم إسمها “الأمة الديمقراطية ولا الشعوب الديمقراطية”. هناك أنظمة حكم ديمقراطية، محكومة بالدستور ومجموعة من القوانين، وتحكمها المؤسسات، والسلطات مفصولة عن بعضها البعض، والمواطنة هي الأساس، والصحافة حرة وليست ملكآ للقوى السياسية، وهناك تداول على السلطة بشكل سلمي.

وأخطأ حزب العمال، عندما رفض السماح لحزب (ه د ب)، بالإنضمام إلى إئتلاف يضمه وحزب العدالة بعد حصول الحزب على 88 مقعدآ في البرلمان التركي في الإنتخابات البرلمانية ما قبل الأخيرة، بحجة أنه ضد تغير نظام الحكم من البرلماني الى النظام الرئاسي، مع العلم أنه كان يعلم أن ذلك سيحدث بالكرد ومن دون الكرد، ونه غير قادر على منع ذلك، ولا الحزب الشعب الجمهوري.

وفي السنوات الأخيرة هادن حزب العمال الدولة التركية، ظنآ منه بهذا النهج قد يرفع إسمه من لائحة الإرهاب الأوروبية والأمريكية، لكن ذلك لن يحصل ذلك، إلا إذا وصلت الإمور بين تركيا والغرب لحد القطيعة، ولا أظن هذه رغبة الطرفين.

ونتيجة تقوقع الحزب حول نفسه، لم يستطع إختراق تلك العزلة السياسية المفروضة عليه من قبل القوى السياسية التركية. وفي المجال العسكري، بدلآ من التوجه لتصنيع الأسلحة وخاصة الصواريخ والقاذفات التي يمكن من خلالها الدفاع عن نفسه وعن شعبه، خصص كل جهد على تعليم كوادره ما يسميه بفلسفة اوجلان! لذا فشل في تحرير حتى لو قرية واحدة. حيث يستحيل على المقاتلين مواجهة الألة العسكرية التركية الحديثة والضخمة للغاية، ببعض الروسيات وبعض القذائف الخفيفة، والإنتصار على الجيش التركي المدعوم غربيآ.

ومع تسليم النظام السوري غرب كردستان لفرعه السوري (ب ي د)، وتحكم هذا الأخير بكامل المنطقة وفرض سلطته بالقوة على بقية القوى السياسية، أخذ يستخدم هذا الجزء من كردستان كورقة في وجه تركيا. وعندما تعرضت مدن غرب كردستان كعفرين وغريه سبيه وسريه كانية للغزو التركي الوحشي لم يحرك حزب العمال وقيادة قنديل ساكنآ، رغم التهدديدات العنترية التي أطلقها مراد قريلان، الذي وعد بحرق نصف تركيا! وعلى أرض الواقع لم يدث شيئ، والمدن التركية عاشت في هناء ورواء، أثناء الغزو ودك المدن الكردية وذبح الأهالي وتهجير ملايين البشر من ديارهم؟!

هذه السياسة الغير الفاشلة والبقاء في قنديل أوصلنا إلى هذا المأذق والطريق المسدود. حزب العمال فقد فعاليته، ولم يعد هو صاحب المبادرة في تركيا. وما لم يغير هذه الإستراتيجية، لن يستطيع فعل أي شيئ سوى تنفيذ بعض العمليات هنا وهناك ضد جنود الأتراك بهدف إثبات وجوده. وهؤلاء الجنود في الأخير هم أبناء الفقراء ومجبرين على القتال، ولا يهم الطاغية اردوغان إن ماتوا أو بقوا أحياء. وإن أراد حزب العمال أن يتقدم ويتطور غرب كردستان، عليه رفع يده عنه ويترك لأبنائه أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم.

***

أما إقليم جنوب كردستان، الذ يعتبر شبه دولة مستقلة وبإمكانيات مالية ضخمة، ومع ذلك تصرف قادته بإستهتار وبمفهوم الرعية مع المواطنيين الكرد وحقوقهم السياسية والإقتصادية ومستقبل هذا الجزء من كردستان.

إنقسم الإقليم على إدارتين وشلال من الدم، والتناحر والتأمر إلى أن جرهم مادلين اولبريت الى واشنطآ جرآ وأوقفت الصراع الساخن بينهما، ولم يستطيع الطرفين العائلة البرزانية والطالبانية مرة أخرى من توحيد الإدارتين فكيف بالقوات العسكرية والمال والبترول والأراضي، التي تقاتلوا عليها وقتلوا ستة ألاف شخص من شعبهم لأجل ذلك!!

وإلى الأن الإقليم يعيش بإدارتين مستقلتين ولا يربطهما سوى هيكل شكلي تمامآ كهيكل الجامعة العربية لا أكثر. ولن يستطيعوا أن يتوحدوا ما دام هذه الطغمة تتحكم برقاب الناس وتنهب كل ما تسطييع نهبه.

ولولا الأمريكان لكان تنظيم داعش دخل هولير وألقى القبض على سعادة الملا مسعود وبقية الجوقة وقادهم الى عاصمته الموصل. السؤال هنا: أين تلك القوة التي كانوا يدعون بنائها أصحاب المشيختين؟ ولماذا لم يفكروا بصنع السلاح؟ وأين ذهبت كل تلك المليارات؟

 

دعونا من كل هذا، أين الكهرباء؟ الجميع يعلم بالوضع المأساوي الذي يعم القطاع الخدمي من طبابة ومدارس ومياه وشبكات الطرق. أزمة الكهرباء وصلت الى حد بات يهدد حياة المواطنين في هذا البرد القارص. فقد تردت أوضاع الكهرباء بحيث عجزت الحكومة عن تدبير ولو الحد الأدنى من حاجة المواطنين اليومية.

أزمة الكهرباء للإخوة من خارج الإقليم، الذين لا يعرفون الكثير من التفاصيل، تعود أزمة الكهرباء إلى عام 1993 ومستمرة لحد الأن. أي أن عمرها 30 سنة تقريبآ. أي من أيام أول حكومة شكلت في الإقليم أيام الفيفتي- فيفتي. حكومة لا تستطيع حل أزمة الكهرباء خلال ثلاثين عامآ، فكيف ستبني دولة؟ السبب هو الفساد والإفساد، والمحسوبية وتقاسم النفوذ بين المشيختين، وعدم إمتلاك مشروع حقيقي لإدارة الإقليم، رغم الإمكانيات المالية الهائلة. كيف يمكن لطبقة فاسدة ومستبدة، أن تفكر بمشروع تنموي ينهض بالإقليم وشعبها ويكون عونآ لبقية الكرد في الأجزاء الأخرى؟ الم تشاهدوا كيف تخازلوا وفرطوا بمدينة كركوك ومناطق من الأراضي الكردية كخانقين وشيخان ومندلي، بسبب خلافاتهم والصراع على المال والنفوذ؟

لقد فشل هؤلاء السياسيين الفاسقين، في بناء إقليم ناجح إقتصاديآ وصناعيآ، وبناء نظام ديمقراطي تعددي الحكم فيه للمؤسسة وليس للعائلة والفرد، وبناء مؤسسة عسكرية وأمنية ولائها للوطن وحكومة الإقليم وليس للأحزاب السياسية الكارثية، وتحرير الصحافة من قبضة الأحزاب الرئيسية الحاكمة ومنع نشوء أحزاب دينية. وبناء علاقات طبيعية سلمية مع بقية القوى الكردستانية في الأجزاء الأخرى من كردستان.

بدلآ من حفر الخنادق وخلق عدوات مفتعلة مع الأشقاء، والتحالف مع الأعداء من ترك وفرس وعرب.

كل هذا لم يحدث، وكاد الإقليم برمته يقع بيد تنظيم داعش الإرهابي، بعدما هرب عناصر قوات البرزاني من أمام التنظيم وترك أهلنا في شنكال المعذبة لمصيرهم! وبدلآ من التعاون مع (ب ي د) وقوات الحماية الذاتية ولاحقآ قوات سوريا الديمقراطية، حرض الأخ مسعود أيتامه في الأنكسة، ضد حزب الإتحاد الغير الديمقراطي، فقط لأنه على صلة وثيقة بحزب العمال، الذي يناصبه مسعود العداء بسبب مواقف اليسارية وخطه المتشدد، خوفآ من أن يزاحمه على الزعامة، وخاصة عبدالله اوجلان صاحب كريزمة وخطيب مفوه، وسعد كثيرآ عندما القي القبض على اوجلان وفرغت الساحة له.

إن إهمال الكرد لبغداد كمركز للدولة، والإنكفاء على الذات والجلوس في هولير في السنوات الأخيرة، وترك الساحة للعمائم السوداء كانت سياسة خاطئة ومضرة بالكرد. وكان يجب التشارو والإتفاق مع المركز حول الفدرالية، قبل الإقدام على الإستفتاء على مستقبل الإقليم. وهذه الخطوة الغير مدروسة رغم شرعيتها أضرت بقضية الكرد كثيرآ، بسبب تفرد شخص بالقرار كان كل هدفه هو تحقيق مجد شخصي لا أكثر. في النتيجة كان الإخفاق من نصيب الكرد وبتنا محاصرين من كافة الإتجهات نتيجة عدم الوعي وقراءة السياسات الدولية قرأة جيدة.

لكم مثالآ عن الفساد والإستهتار بمصير الناس وبعثرة أموال الشعب شمالآ ويمينآ. القانون الجديد الخاص بإصلاح الرواتب، الذي عرض على البرلمان الحالي، الذي يسيطر عليه حزب البرزاني من قبل أيضآ حكومة البرزاني: ” القانون الجديد أبقى على كل إمتيازات الدرجات العليا، كالوزراء وأعضاء البرلمان والدرجات الخاصة من دون أي تعديل! رغم الإحتجاجات الشعبية الغاضبة ضد هذه ألإمتيازات الممنوحة لأعضاء البرلمان، الذين يتقاعدون بعد أربع سنوات من عضويتهم في البرلمان ويتلقون ملايين الدنانير. مع العلم أن أن راتب عضو البرلمان في دولة مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وهي دول غنية ولا تقارن بالإقليم نهائيآ، لا يتجاوز مرتب عضو البرلمان فيها ثلاثة آلاف دولار. في حين يتقاضى عضو برلمان كردستان حوالي (6700) دولار شهريا!! تقريبآ يعادل ما يتقاضه عضو البرلمان الهولندي وهي إحدى أغنى البلدان في العالم. وإذا ما قارنا رواتب نواب الكرد برواتب المواطنيين سنجد الفرق واسعآ جدآ جدآ وهنا الكارثة.

قبل إنهاء حديثي عن جنوب كردستان، لا بد من التوقف عند أهم أوجه الإخفاق السياسي والمعاشي

والأمني، وهي أهم واجبات أي حكومة في العالم تحترم نفسها.

في المجال المعاشي: قيادة الإقليم فشلت في تأمين رواتب موظفيها، الذين يعدون بالملايين هذا إضافة إلى قوات البيشمركة والأسايش. وهذه الأزمة مستمرة إلى الأن، في المقابل إستمرت حكومة المركز في دفع رواتب موظفيها جميعآ. بالطبع بعض أبواق البرزاني والمطبلين له ولحزب جلال الطالباني سيحملون مسؤولية ذلك للحكومة العراقية. نعم في فترة ما لم تسلم بغداد مخصصات موظفي الإقليم، ولكن سؤالي أين ذهبت أموال النفط الذي تم بيعه من قبل حكومة الإقليم مباشرةً، ولم تسلم تلك الأموال للحكومة المركزية في بغداد؟ لماذا لم تدفع رواتب الموظفين الكرد والبيشمركة من هذه الأموال؟ وكيف وصلت تلك الأموال إلى حسابات خاصة بأفراد عائلة الملا مسعود وحاشيته في الخارج؟

في المجال الأمني: بعد إجراء الإستفتاء على مصير الإقليم، وفشل البرزاني في كسب التأييد العالمي لخطوته تلك، فما بالك بالدول الغاصبة لكردستان، ورفض الحكومة المركزية لتلك الخطوة؟ كلنا نعلم كيف فرضت الحكومة العراقية حصارآ جويآ وبريآ على الإقليم وهذا ما أدى الى شل الحياة في الإقليم بسبب ذلك الحصار، والذي ترافق مع حصار تركيا حليف البرزاني.

لو كان البرزاني فعلآ يفكر بمستقبل شعبه، لكان بدأ منذ سنين طويلة بتصنيع الصواريخ أرض- أرض وأرض- جو، كما فعلت حركة حماس في قطاع غزة المحصار من كل الجهات بحرآ وبرآ وجوآ، ولا يملك القطاع أية إمكانيات. لو كان مسعود يملك صوريخ متوسطة المدى (100كم و200كم و300كم) لما إستطاعت الحكومة المركزية فرض حصار جوي على الإقليم، ولا تجرأت على حشد قواتها على حدود الإقليم. ولما تجرأت كل من إيران وتركيا بقصف أراضي الإقليم كل شاؤوا وخطر على بالهم.

بدلآ من إنتاج السلاح (وخاصة سلاح الصواريخ وهو غير مكلف ماديآ وسهل الإنتاج إذا توفرت الإرادة السياسية لدة القاديين)، قام ببناء القصور لنفسه ولأبنائه وأفراد عائلته، الى جانب بناء فنادق غالية الثمن وأحياء راقية وخاصة للصوص والحرامية من حوله، الذين يطبلون ويزمرون له على مدار الساعة.

وعندما هاجم تنظيم داعش على منطقة شنكال معقل الديانة الأزدائية الكردية وموطن درويش عبدي هذا البطل الكردي، هرب مسلحي البرزاني وتركوا أهلنا فريسة لهذا التنظيم المتوحش وبقية القصة معروفة للجميع.

فشل مسلحي البرزاني، في الدفاع حتى عن عاصمته هولير، التي منحها له جذار الشعب المقبور صدام حسين. ولم يستطيع مسلحيه مقاومة داعش ساعة واحدة، وأخذ يتسول الحماية على باب دول مثل إيران وتركيا وأمريكا، لنجدته وحمايته مشيخته المتعفنة والمهترية. ومن الذي هب لنجدته؟ هم الإيرانيين أولآ وثانيآ عناصر حزب العمال الكردستاني وقوات الحماية الذاتية من غرب كردستان وأمريكا. أما حليفه التركي وشريكه في نهب أموال النفط الكردي، صفعه على وجهه ورفض تقديم أي مساعدة له. والأن يطالب حزب العمال بالخروج من قنديل ويلتزم صمت القبور تجاه الوجود التركي على أراضي الإقليم!

في المجال السياسي:

أليس هؤلاء الساسة ذاتهم (جماعة الطالباني والبرزاني) مسؤولين عن ضياع مدينة كركوك مرة أخرى،

من يد الكرد؟ بعدما إستعدناه بفضل تنظيم داعش؟ وأليس مسعود من أمر بإغلاق البرلمان ومنع رئيسه المنتخب من دخول مدينة هولير، وهو الذي على البقاء في رئاسة الإقليم عنوةً لعدة سنوات بعد إنتهاء مدة رئاسته القانوني؟ فهل هناك إخفاق وفشل وعدم المسؤولية أكثر من هذه؟ هؤلاء الساسة ليس لديهم أي إحساس بالمسؤولية الوطنية ولا يخجلون من أنفسهم. هذا ينطبق أيضآ على جماعة الطالباني بالتمام. والجماعات الإسلامية كالحزب الإسلامي والجماعة الإسلامية هم أسوأ من هؤلاء بعشرات المرات.

الخلاصة، فشلوا في حماية الإقليم أمام العدوان الخارجي، وفشلوا أيضآ في تأمين الحياة الكريمة لمواطني الإقليم، وفشلوا في بناء كيان كردي موحد قابل للحياة، ومهيأ لأن يتحول إلى دولة مستقلة في أي لحظة، وأخفقوا في أن يكونوا عامل جمع بين الأطراف الكردستانية المختلفة.

***

والأن جاء الوقت للحديث عن غرب كردستان، الذي يمر بظروف صعبة للغاية وخطرة جدآ، ويحيط به الأعداء من كل جانب. لم يكن يتصور أحد من الكرد في روزافا وخارجها، قبل عام 2011 أنه بعد عدة سنوات سيتمكن الشعب الكردي من بسط سيطرتهم على حوالي 90% من مساحة غرب كردستان وبأقل التضحيات الممكنة. والكثيرين عبر العالم لم يكونوا قد سمعوا بوجود الكرد في (سوريا)، فما بالك بأرض كردية؟

لا شك أن الظروف، التي مرت بها سوريا والنظام الأسدي، بعد إنطلاق الثورة السورية السلمية وإمتناع المعارضة المسلحة السورية محاربة تنظيم داعش الإرهابي بعد ظهوره عام 2014، كلها ساعدت الكرد لأن يخطوا خطوة عملاقة على الأرض ،وخاصة بعدما تحالفوا مع أمريكا وقوات التحالف الدولي.

حقق الشعب الكردي كل هذه القفزة النوعية في فترة وجيزة جدآ وبأقل التضحيات البشرية، ولو الإحتلال الإجرامي التركي لعفرين ومناطق الباب وجرابلس وسريه كانية وغريه سبي، لكان الكرد اليوم يبسطون سيطرتهم على كل من الباب وجرابلس وإعزاز ودار عزة وكلها أراضي كردستانية، وجزء لا يتجزء من جغرافية غرب كردستان. الإخوة في جنوب كردستان حاربوا اربعين عامآ، وقدموا مئات الألاف من الشهداء ولم ينجزوا ربع ما أنجزه إخوتهم في غرب كردستان، الى عام 1991 بعد الإنتفاضة المباركة ضد المجرم صدام حسين والهجرة المليونية، وتدخل امريكا وبريطانيا لحماية شعبنا الكردي هناك. وهذا ينطبق أيضآ على كفاح حزب العمال الكردستاني، الذي يخوض كفاح مسلح مرير ضد الدولة الطورانية منذ اربعين عامآ، ولكنه لم يحصل على أي دعم غربي بسبب عضوية تركيا في حلف الناتو ومصالح الغرب الإقتصادية والأمنية والسياسية مع انقرة، ولذا لم يستطيع إنجاز ما أنجزه الكرد في روزافا.

ولكن هذا النجاح الباهر للكرد، كان مجرد نجاحآ عسكريآ ولم يكن له غطاء سياسي سوري وطني، ولم يؤطر على شكل إتفاق موقع بين المعارضة السورية المعتدلة والإدارة الذاتية، ولهذا رفضت أمريكا وكل دول اوروبا التعامل سياسيآ مع الإدارة الذاتية التي تدير المنطقة وإكتفوا بالإستفادة فقط من ذنود المقاتلين الكرد.

كيف وقعت القيادة الكردية في غرب كردستان في هذا الخطأ الإسترتيجي الفادح؟

الخطأ الجسيم نقصد به بقائهم مظلة وطنية سورية. ، لم يكن هذا الخطأ من قبل قيادة (ب ي د)، وإنما كانت رؤية قيادة حزب العمال، المتمثلة بجميل بايق ومراد قريلان. ونقصد بذلك رفضهم لإنخراط الكرد في صفوف الثورة السورية، والعمل مع المعارضة السياسية منذ البداية وعدم ترك المجال لقوى ذات توجه إسلامي كجماعة الإخوان المسلمين، والأطراف القومجية بالسيطرة على المعارضة، وسرقة الثورة وأخذها إلى مكان أخر غير الذي كان يريده الشعب السوري بكرده وعربه. وهذا سهل على تركيا عدوة الكرد من إستمالة هذه الأطراف وإستغلالها لصالحها وإستخدامها لاحقآ ضد الشعب الكردي.

 

لا يمكن أن تفصل معارضة على مقياسك ومزاجك ووفق رؤيتك الخاصة ككردي، عليك التعامل مع هو موجود على الأرض ومن ضمنهم جماعة الإخوان المسلمين السورية. في بلد كسوريا يعيش ثورة عارمة ضد نظام طائفي وعنصري عائلي مقيت يحكم البلد منذ خمسين بالحديد والنار، لا يمكن أن تقف على الحياد، وتقول لسنا مع هذا ولا مع ذاك. وأخترنا الطريق الثالث، وحتى الأن لا ندري ما هو هذا الطريق الثالث؟ إذا كان المقصود بالطريق الثالث هو مشروع “الإمة الديمقراطية”، فهذا ليس طريقآ ثالثآ، ولا رابعآ وإنما ثرثرة وكلام فارغ لا معنى سياسي له، ويمكن تسميته بثرثرة على الفرات تيمنآ بعنوان رواية الراحل نجيب محفوظ “ثرثرة عل النيل”.

لا يمكن للشعب الكردي في غرب كردستان، من نيل حقوقه القومية والدستورية والسياسية دون التخلص من النظام الأسدي المجرم، والتافهم مع المعارضة السورية بكل علاتها وعيوبها. حتى لو تمكن الكرد من السيطرة على نصف مساحة سوريا ومن ضمنها حلب وإدلب، لا يمكن لهم تحقيق أي شيئ سياسي ودستوري، ولن يعترف بهم أحد على الصعيد الدولي والإقليمي. والنظام الأسدي لا يملك شيئ ليمنحه للكرد، ولو كان في نيته منح الكرد حقوقهم، لمنحهم منذ زمان.

 

إذا الكرد بحاجة ماسة إلى مظلة وطنية سورية، لكي يحمون أنفسهم من أنياب الذئاب التركية الشرسة.

والحصول على جزء من حقوقهم القومية والدستورية والسياسية الأساسية، والتمتع بكيان خاص بهم في إطار الدولة السورية الإتحادية، وهذا لا يمكن تحقيقه دون الجلوس مع المعارضة السورية المقبولة، والتي تعترف بوجود الشعب الكردي، وتؤمن بحقوقه كثاني قومية في سوريا.

 

لا يمكن للكرد في غرب كردستان، الركون للأمريكان ولا الرووس ولا لأي طرف دولي وإقليمي. الذي يمكن أن يحمي الكرد ويخرجهم من هذا النفق المسدود، هو التفاهم مع بقية السوريين بجميع أطيافهم وألوانهم، ما عد تلك العصابات الإجرامية والإرهابية كالنصرة والقاعدة وأبو عمشة. الم تشاهدوا كيف تفاوض الكرد في العراق مع المجرم صدام، وفي تركيا تفاوضوا حزب العمال مع المجرم اردوغان؟ فلماذا لا يتفاوض الكرد في سوريا مع المعارضة؟ أنا لست ضد التفاوض مع النظام، لو أن النظام كان جديآ في التفاوض، وقادرآ على إتخاذ خطوات عملية للإعتراف بالشعب الكردي ومستعد لتوقيع مشروع تفاهم مع الطرف الكردي على أساس سوريا دولة إتحادية (فدرالية)، وذات نظام برلماني وتغير الدستور واسم الدولة والإعتراف باللغة الكردية كثاني لغة في البلاد، والإعتراف بالتعريب الذي حصل عام 1962 في منطقة الجزيرة والإستعداد لإعادة الإمور الى ما قبل تلك الفترة، أي عودة الكرد الى ديارهم وأراضيهم وأملاكهم، وإعادة المستوطينين العرب (الغمر) إلى موطنهم الأصلي. ولكن نحن نعلم جيدآ أن النظام بتركيبته الحالية وعقليته الإجرامية، من المستحيل أن يقبل بذلك.

 

ومن أجل المحافظة على ما تبقى بيد الكرد من أرض ومكاسب سياسية، على الأخوة في (ب ي د) قطع علاقتهم التنظيمية مع حزب العمال الكردستاني، والعمل كحزب كردي سوري، والعمل على أجندة تخدم غرب كردستان وأبنائها، مع الحفاظ على أفضل العلاقات الأخوية مع حزب العمال وبقية الأحزاب الكردية. ومن الضروري رفع العلم الكردستاني الذي يتوسطه الشمس وعلم إستقلال سوريا على الحدود وكافة الدوائر والمؤسسات الرسمية. ومن حق كل حزب رفع علمه على مكاتبه بجانب العلم الكردستاني.

بذلك يستطيعون جمع الكرد والعرب الشرفاء والوطنيين تحت هذه المظلة. ورفع الشعار التالي: نطالب بسوريا إتحادية ذات نظام برلماني بغرفتين، يتمتع الشعب الكردي فيها بإقليمه الخاص.

وللخروج من هذا المأذق الذي يعاني منه الكرد وجميع أطياف المعارضة السورية، بعدما خسروا الحرب مع النظام، أدعو قيادة قوات “قسد”، متمثلة بشخص رئيسها الأخ مظلوم عبدي إلى إطلاق مبادرة وطنية لجمع كافة أطياف المعارضة السورية في غرب كردستان، لمناقشة مستقبل سوريا وكيفية الخروج من المأذق الذي وصلوا اليه جميعآ، ومن ضمنها مناقشة حل القضية الكردية في سوريا بالحوار والتفاهم بين الطرفين الكردي والعربي.

وفي ختام مقالتي أود  القول: لا يمكن للشعب الكردي في هذه الأجزاء الثلاثة الخروج من مأذقه مالم ترحل وتختفي هذه الطبقة السياسية الفاشلة، ويحل محلهم جيل غير مؤدلج ولا يعبد الأصنام ويؤمن بقضية شعبه، ويكون خادمآ عنده وليس راكبآ على ظهره. وأنا لستُ متفائلآ في الواقع فيما يخص الوضع في جنوب كردستان وشمالها بسبب عقلية القائمين على أمر الكرد. وبخصوص غرب كردستان الوضع غير مستقر ومعرض للتغير في أي لحظة، لأن اللاعيبن كثر والقرار ليس فقط بيد الكرد للأسف الشديد وهم أضعف حلقة بين جميع القوى.

 

18 – 01 – 2020

 

 

One Comment on “الإخفاق الكردي أسبابه ومألاته – بيار روباري”

  1. Silavên mehrebanî û xweşî bo bira Beyar Rûbarî, ev gotarek kurtasî ye li ser rewşa sêyasî (pîlanzanî) li hunder civata kurdî, û hêja ye bo xwendinê û raman gihandinê.

    Tev rêz û silav, û demên we xweşî bin.

Comments are closed.