الدين نقيض الحب- بيار روباري

 

قد يبدو عنوان الموضوع غريبآ للبعض، ومستفذآ للبعض الأخر منكم، ولكن أرجو من الجميع أن لا يستعجل بالحكم، وأن يقرأ الموضوع لنهايته، وبعيدآ عن أي تصورات وأراء مسبقة. إن الهدف من التطرق لهذا الموضوع، هو إجلاء الحقيقة وتنوير العقول لا أكثر.

ولمن يرغب في معرفة تعريف الحب ومراحله وأسمائه، أحيله مقالتي التي تحمل: “الحب – العشق – الهيام”.

الحُب بالأساس مبني على الإقدام، ولايقر بالحواجز الدينية، العرقية، العمرية والطبقية، ودافعه الإقتراب من الأخر والإلتحام معه جسديآ. والحب بين والرجل والإمرأة، إيجابي الشحنة، والأطراف فيه متساوية في المقام والحقوق. وهدف الحب هنا هو التواصل، المتعة، النماء والإنجاب، وبالتالي الحفاظ على النسل البشري. ويطلق على هذا الحب تسمية الماترياركي أي (الإمومة).

 

والحب بين الرجل والمرأة له مستويين:

المستوى الأول:

سفلي أي بمعنى حيواني والمقصود بذلك ممارسة الجنس، وهو ضروري وحيوي في أي علاقة في كلا المرحلتين مرحلة والعشق. ولكن في مرحلة تتراجعة دور الجنس الى الخلف كثيرآ.

 

المستوى الثاني:

علوي أو سماوي والمقصود به الجانب الروحي أي الشغف بالأخر. وهو أيضآ مهم للغاية في أي علاقة إنسانية تربط بين رجل وإمرأة. وإذا حاولنا أن نترجم هذه التعابير إلى مفردات بسيطة، نعني بذلك وجود الأخر بجانبنا، الإشتياق الشديد له، رغبتنا في ملامة الأخر، القبلات، النظرات، كلمات الود، الخوف على الأخر، الإحتضان، … الخ.

وشخصيآ أختلف كليآ مع اولئك الذين يحسرون الحب والعشق في الجانب الجسدي فقط من العلاقة.

أنا من المؤمنيين بأنه لا يوجد حُب من ميل عاطفي ومشاعر جياشة وإرتباط روحي.

وبدليل هناك أناس يمارسون الجنس من الرجال والنساء، مع أشخاص أخرين لا يحبونهم على الإطلاق. وكما هناك أناس يتزوجون من بعضهم من دون حب. ولكن في كلا الحالتين لا نسميهم أحبة/حبائب أو عشاق. الحب حالة شعورية روحانية مختلفة كليآ عن ممارسة الجماع.

 

قد يقول قائل: ماذا عن حب الإله؟

 

إجابتي على هذا التساؤل كالتالي، إن حُب الإله مختلف كليآ عن حب الرجل للمرأة أو بالعكس. فحب الإله مبني على الخوف من الإله ذاته، أو الخوف من الموت وعذاب القبر لدى الأديان التي تؤمن بذلك.

وهو بالتالي هو حُب سلبي ومن طرف واحد، وليس فيه تواصل. لأن العنصر فيه هو الإنسان والإله خارج الموضوع، وإن كان يحب فهو يحب كل البشر ولا يستطيع فقط حب شخصآ معينآ بذاته، لأن هذا يتنافي مع وظيفته كإله للعالم أجمع، كما تعرفه الموحدة وهي التالية “الزاردشتية، المسيحية والإسلام“.

قد يتساءل البعض وهل نسيت اليهودية؟ لا، لم أنسى.

اليهودية ليست ديانة توحيدية بمعنى لا توحد الإله. هي ديانية وحدانية، بمعنى أن أتباعها يعبدون إله واحدآ وهو إله الأله وهو (يهوا). ويطلق على هذا الحب تسمية البترياركي أي “الأبوي”.

 

مهمة المتنورين (المثقفين) من البشر، هو رفع ثوب القداسة عن المعتقدات والأشخاص والأشياء، كي نستطيع نحن البشر من دراسة كل معتقد ودين ونظرية سيرة كل فرد مهما على شأنه دراسة علمية ونقدية بعيدة عن أي ميول وأهواء شخصية، كي نصل في النهاية إلى حقيقة الأشياء والأشخاص. وإلا لا يمكن لنا نحن أبناء المشرق والكرد ضمنهم، كونهم من شعوب المنطقة، أن نتقدم خطوة للأمام، ونلتحق بركب الحضارة، هذا إن إستطعنا اللحاق بهم.

 

وفي هذا المجال أقول لإولئك الذين، يطلقون صفة القداسة على هذا المعتقد أو ذاك، أو هذا الشخص أو ذاك، لا يوجد شيئ أو شخص في الكون مقدس لذاته نهائيآ. القداسة شعورٌ داخلي تجاه معتقد ما أو شخص معين، ويرفع من مستواه ويعلي من شأنه، عن طريق إطلاق هالة القداسة، ويعتبره فوق النقد والشبهات والنواقص.

وما تراه أنت مقدس يراه الأخر شيئ عادي تمامآ وبل من عادي. المسلم يرى الكعبة مقدسة، لكن لا البوذي لا يراها كذلك. الإيزيدي يرى معبد لالش مكان مقدس، ولكن المسيحي لا يراه كذلك. المسيحي يعتبر كنيسة المهد مقدسة، لكن لا اليهود لا يرونها كذلك. ويمكن سرد مئات الأمثلة التي تتعلق بالأمكنة والأشخاص والأشياء والرموز.

 

وبرأي إذا كان ولا بد من مقدس في حياتنا، فهي حرية الإنسان وكرامته وحرمة جسده فقط. وما عدا ذلك لا قدسية له على الإطلاق.

 

في ختام مقالتي هذه، أريد أن أوكد مرة أخرى على أن الحُب (علاقة الرجل بالمرأة)، هي نقيض الدين لأسباب موضوعية بحتة، مثلما الدين هو نقيض الديمقراطية. ولنا حديث في هذا بقادم الأيام.

 

22 – 03 – 2020

———————————————————————————————-

المراجع:

 

1- كتاب: فقه الحب.

الكاتب: الدكتور يوسف زيدان.

الطبعة الأولى – عام 2015.

دار النشر: الرواق – إمبابة / الجيزة – مصر.

 

2- كتاب: تاريخ الأديان.

المؤلف: د. خزعل الماجدي.

الطبعة الأولى – عام 2016.

الناشر: مؤمنون بلا حدود – بيروت/ لبنان.

3- مقالتي بعنوان: هل مِن مُقدَّس لذاته دون تقديسنا له نحن البشر؟ – بيار روباري

هل مِن مُقدَّس لذاته دون تقديسنا له نحن البشر؟- بيار روباري

 

4- كتاب: الإنسان والمقدس.

المؤلف: روجيه كايوا – عالم اجتماع وأنثروبولوجي وناقد أدبي فرنسي.

الترجمة عن الفرنسية: سمير ريشا.

الطبعة الأولى: عام 2010 – بيروت – لبنان.

 

5- كتاب: الأشكال الأساسية للحياة الدينية.

الكاتب: إميل دوركهايم – فرنسي

Les Formes élémentaires de la vie religieuse

ترجمة: رندة بعث

الطبعة الأولى عام 2019.

الناشر: المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية. الدوحة – قطر.