كيف يتحول العنف إلى ثقافة عامة في المجتمع؟- بيار روباري

 

 

قبل الحديث عن تحول العنف إلى ثقافة عامة في المجتمع، لا بد لنا التوقف عند تعريف مقتضب للثقافة والعنف كلآ على حدى، كخلفية للموضوع الذي نحن بصدد مناقشته.

الثقافة:

باختصار هي عبارة عن مجموعة من القيم والعقائد والقواعد، التي يتشارك فيها أفراد المجتمع الواحد ويمتثلون لها، وهي التي تصيغ إسلوب ونمط حياتهم، وتشكل إرثهم المشترك من الذكريات والعادات والمفاهيم العامة. والثقافة هي التي تحدد لأفراد المجتمع تصوراتهم عن أنفسهم والعالم من حولهم، وكما تتحكم فيما يكرهونه و يحبونه من أشياء: كالموسيقى، والغناء، الألعاب، الطعام، الملابس، الإحتفالات والأعياد، الرموز التاريخية، العلاقات الإجتماعية، وعلاقة الرجل بالمرأة وبالعكس.

العنف:

هو سلوك عدواني عمدي صادر عن شخص أو مجموعة  أشخاص معينين، موجه ضد شخص أو مجموعة بشرية إخرى، أحيانآ يكون هذا العنف لفظيآ وأحيانآ يكون جسديآ، وفي بعض المرات يكون الأثنان معآ.

والعنف شيئ غريزي في الإنسان، وليس حالة طارئة أو شيئ مصطنع، بل هو جزء أساسي من تكوينه النفسي. فالإنسان بطبعه كائن عنيف وعدواني وشرير، لأنه يتملك أهواء وغرائز فطرية تحتم عليه القيام بسلوكيات ذات نزعة تدميرية، بقصد إشباع تلك الغرائز والأهواء.

ورغم إن الإنسان يملك عقلآ يفكر به، إلا أنه في كثير من الأحيان، لا يستطيع كبح جماح تلك النزعة العدوانية، الأمر الذي يستوجب استخدام كل الوسائل، من أجل التخفيف أو الحد من تلك النزعات التدميرية، التي تهدد المجتمع والحضارة البشرية. وللعنف أربعة مصادر في النفس البشرية هي: التنافس، التملك، الحذر، والكبرياء.

وأشكال العنف تتنوع بين الإعتداء (المعنوي، الجنسي، الجسدي) ثم إنتقالآ إلى الاستغلال بجميع أشكاله، ومرورآ بالاستعمار والعبودية، وإقتتال الأفراد والجماعات فيما بينهم، ولكن الحروب تبقى أبرز أشكال العنف وأعنفها.

وقد لعب العنف في التاريخ أدوارآ حاسمة، على مستوى تنظيم العلاقات بين الدول وبعضها وبين أفراد المجتمع الواحد، وتحديد الأدوار وتوزيع الخيرات، ويظهر هذا بشكل واضح في المجال الاقتصادي، والمكانة التي يتمتع بها كل دولة من الدول، أو كل فرد من أفراد المجتمع. وهذا ما نسميه بالعنف “الرمزي” ويقصد به كل أشكال العنف غير الفيزيائي، وهي فاعلة ومؤثرة في الحياة الاقتصادية، الثقافية والاجتماعية ، وفي كل أشكال السلوك الإنساني. وفي العصر الحديث شُرع إستخدم العنف وسمح به فقط من قبل الدولة، بشكل قانوني وضمن سياقات محددة وفي ظروف معينة، وليس كما يفعل المجرم بشار بالشعب السوري منذ عشرة سنوات.

إن البحث في أسباب تنامي ظاهرة العنف يستوجب منا،  دراسة العوامل المساهمة في تشكيلها وتفعيلها. فالبنية الاجتماعية لأي مجتمع يتشارك فيها الخطاب الثقافي، السياسي، الديني، العلاقات الإقتصادية والإنتاجية والجنسية بين أفراد المجتمع من جهة، وبين المجتمع والسلطة من جهة إخرى.

إن تحول العنف من تصرف فردي إلى ثقافة عامة في المجتمع، مرتبط بخطاب وسلوك النظام السياسي الحاكم في كل مجتمع، سواءً أكانت سلطة دينية أو سياسية، وهي المسؤولة مسؤولية مباشرة عن تفشي ظاهرة العنف داخل المجتمع وتحولها إلى ثقافة عامة، يمارسها كل طرف ضد الطرف الأضعف منه، وذلك لسببين رئيسيين:

السبب الأول:

هو ممارسة السلطة القائمة العنف ضد أفراد المجتمع أو قسمآ منهم، بشكل مفرط وخارج إطار القانون والمسموح به، وهذا يولد ردة فعل عنيفة من قبل الذين تعرضوا للعنف على يد السلطة، ويبدأون هم أيضآ بدورهم ممارسة العنف، كردة فعل لدرء الخطر عن أنفسهم. ولكن إذا إستمرت السلطة في ممارسة العنف ضد أفراد ومكونات المجتمع المختلفة، وردت هذه المكونات بالمثل، فمع الزمن تترسخ ثقافة العنف في أذهان الناس وتتحول إلى ثقافة عامة، ويأخذ كل طرف يمارسه للحصول على حقوقه والحفاظ على نفوذه والحصول على نسبة معينة من الأموال.

السبب الثاني:

هو تغاضي السلطة عن بروز جماعات ذات أفكار عنصرية ومتطرفة، تقوم بالتحريض ضد مجموعات إخرى من السكان المحليين، أو تمارس العنف المباشر ضدهم. وهذا يستدعي الرد من الجانب الأخر للدفاع عن نفسه، وبالتالي يتوسع العنف ويشمل المجتمع برمته.

وأحيآ أفراد المجتمع أو بعض مكوناته، يلجأون للعنف بسبب تجاهل السلطة لمطالبهم السياسية والقومية

أو الإقتصادية أو الثقافية، وإحساسهم بالظلم والغبن والإقصاء. إن غياب العدالة الإجتماعية والمساواة بين البشر كأفراد ومجموعات عرقية مختلفة، وغياب الحرية الفردية، والكبت الذي تمارسه السلطة بحق شعبها ومكونات مجتمعها، لها الدور الأبرز في تفشي ظاهرة العنف، وتحولها إلى ثقافة عامة في المجتمع، والطرف الأضعف يدفع ثمن هذا العنف وخاصة النساء والأطفال والفقراء. وفي السنوات العشرين الأخيرة، ظهرت إلى السطح ظاهرة عنف الحركات الإسلامية المتشددة بشكل قوي وواسع.

إن جميع أشكال العنف مرفوضة ومدانة، من أية جهة صدرت وتحت أي عنوان. هناك جهات عديدة تمارس العنف تجاه الفرقاء السياسين الأخرين، بحجة إن الوطن والمجتمع في خطر!! إن الذي يحمي الوطن والمجتمع هو الإنسان الحر، وليس الشخص المكبوت والمسلوب إرادته. ولهذا على جميع أفراد المجتمع ومكوناته القومية والدينية، أن يقفوا ضد العنف أينما كان شكله وكيفما كان نوعه.

ولمحاربة العنف نحن بحاجة إلى خطاب ثقافي وسياسي وديني أخر، يحض على التسامح وقبول الأخر والحوار، وينبذ العنف والكراهية والإقتتال. وهذا يحتاج إلى تكاتف جميع الناس والهيئات لتجاوز حالة العنف الشديدة المستشرية في المنطقة، وبناء مجتماعات متصالحة مع نفسها، ويسودها الحرية والعدالة الإجتماعية والكرامة الإنسانية، ويتمتع كل فرد وجماعة قومية ودينية بخصوصيتها الثقافية.

ولكن في بعض الحالات الإستثنائية، لابد من إستخدام العنف كعلاج للعنف، على سبيل المثال: إستخدام العنف مع الجماعات الإرهابية والتكفيرية، لأنهم يرفضون الحوار والإمتثال للقانون والمنطق، ويحاولون إخضاع الأخرين لمشيئتهم بالقوة. فإما أن تدحرهم أو تضغط عليهم عسكريآ، حتى يفهموا، بأن لا مجال لهم لفرض إرادتهم بالقوة على بقية المجتمع، وبالتالي دفعهم للعدول عن غلوهم والإندماج في المجتمع وممارسة حقوقها بالطرق السلمية والشرعية.

وختامآ، لابد من تقييد إستخدام العنف من قبل الدولة، بقوانيين صارمة للغاية، وحصرها في نطاق ضيق جدآ، لأن الأصل هو أن تقوم الدولة بحماية الناس والمجتمع وليس تعنيفه، كما هو حاصل الأن في إيران وسوريا وتركيا والعراق ومصر والجزائر وباكستان وجنوب كردستان دول إخرى عديدة.

 

 

*********

One Comment on “كيف يتحول العنف إلى ثقافة عامة في المجتمع؟- بيار روباري”

  1. ** من ألاخر

    ١: الثقافة بالاضافة الى ماذكرت ، هى نضوج الوعي وسموه الادراك والاخلاق من خلال شلالات المعرفة ، وهى التي تؤدي الى زوال المكنونات الفاسدة والمتعفنة المتراكمة والمترسبة في الذات البشرية ، وأولى شلالات المعرفة هى البيئة (العادات والتقاليد) والدين ، ولما كانت مياه الشلالين أصلا فاسدة ومتعفنه ، فعلى المغتسلين بها السلام ؟

    فهل يرتجي من الشوك عنب أو العوسج تين ، فما يزرعه الكبار يأكله ويستثمره الصغار ، سلام ؟

Comments are closed.