للكرد تاريخآ مرير مع هذا المبدأ اللعين السيئ الصيت، الذي إسمه “فيفتي – فيفتي” وهو من نتاج أفكار الجهابذة جلال ومسعود قدس سرهم. ورغم كل ما عانه شعبنا في جنوب كردستان بفضل تبني هذا المبدأ من قبل الإقطاعيتين السياسيتين، إلا أن القيادات الكردية في غرب كردستان، لم تتعلم أي شيئ من تلك التجربة المريرة، ولم تجد سواها للإقتداء بها!! سنعود إلى غرب كردستان ومفاوضات الأطراف الكردية
هناك، ولكن دعونا نمر ولو بشكل سريع على تجربة الإخوة في جنوب كردستان مع هذا المبدأ، وما وعانوه منه.
ما أن سحب المقبور صدام حسين، موظفيه وأجهزة أمنه من إقليم جنوب كردستان في تسعينات القرن الماضي، عادة قيادة الحزب “الديمقراطي” والإتحاد “الوطني” للإقليم وإستلموا ضفة الحكم، ولكنهم فشلوا في وضع دستور عصري للإقليم وقواعد للعبة الديمقراطية، أي قبول الخسارة والنجاح في الإنتخابات. وبدلآ من ذلك لجأوا إلى مبدأ مقيت سمي “فيفتي – فيفتي”، وقسموا كعكة الحكم مناصفة فيما بينهم، وبهذا الشكل المعيب حكموا الإقليم. وبسبب فقدان الثقة بينهم وعدم إيمانهم بالديمقراطية، والتي تعني التداول السلمي على السلطة، أي وجود أحزاب حاكمة وأخرى في المعارضة، وعدم قدرة البرزاني والطالباني التعايش وحل خلافاتهم بشكل سلمي لجأوا الى السلاح، وقتلوا من بعضهم البعض، حوالي ستة ألاف مواطن كردي بريئ، وتدمير مئات القرى وتهجير عشرات ألاف المواطنين الكرد من قراهم وبلداتهم ومدنهم، في تسعينات القرن الماضي.
وهذا المبدأ التعيس الذي لم يجلب سوى الكوارث والويلات للإقليم وسكانه الأبرياء، الذين لم يكن لهم ناقة ولا جمل في هذا الصراع العائلي الدموي، الدائر منذ أكثر من أربعين عامآ وأكثر حول السلطة والمال والزعامة والنفوذ. وهذا المبدأ عرقل مسيرة الديمقراطية في الإقليم بل قضى عليها نهائيآ، وكرس نفوذ عائلة البرزاني والطالباني، ومع الوقت تحولت العائلتين إلى عصابات حقيقية، كل همهما البقاء بالسلطة والحفاظ على مصالحها المالية والإقتصادية على حساب الشعب الكردي المعتر.
ورغم ظهور قوى سياسية جديدة على الساحة الكردية مثل “حركة التغير” و “الجيل الجديد” والأحزاب الإسلامية، إلا أن هذه القوى لم تكن أقل سوءً عن الأحزاب الحاكمة. فهدف القوى القوى الإسلامية العفنة كانو الوصول للحكم بهدف تطبيق الشريعة الإسلامية الشريرة، وتغير النشيد الوطني الكردي “أي رقيب“. أما حركة التغير والجيل الجديد، لم يستطيعا تشكيل بديل حقيقي للقوى الحاكمة لأسباب كثير، منها ما هو ذاتي ومنها ما موضوعي ويطول شرحها.
ولليوم الإقليم يعاني من أثار الإنقسام ومبدأ المحصاصة، ولن يتخلص من هذه الأثار والإنقسامات، إلا بإزاحة اولئك المستبدين واللصوص من عن الحكم بشكل نهائي، بمعنى أخر القيام بثورة شعبية منظمة وسلمية، يشارك فيها جميع أبناء الإقليم ومناطقه.
التوافق السياسي بمعنى تشكيل حكومة وحدة وطنية، أثناء الأزمات ووجود خطر خارجي يهدد البلد، موضوع أخر ومختلف كليآ. أو في حال تساوات نتائج الإنتخابات البرلمانية بين أكبر حزبين فائزين ويصعب على أحدهم تشكيل حكومة لوحده، فيطر لتشكيل إئتلاف حكومي واسع بعد الإتفاق على برنامج حكومي يلبي مطالب كل طرف بشكل جزئي. فمثلآ في إسرائيل تم اللجوء إلى التوافق السياسي عدة مرات عندما كانت إسرائيل تعيش حالة حرب فإضطروا لتشكيل حكومة وحدة وطنية بهدف جمع الناس حول الحكومة وسياستها، في مثل هذا الظرف الذي قد يحتاج إلى إعلان حالة الطوارئ، وغير ذلك من القوانين والقرارات المؤقتة الغير شعبية.
ولكن في الدول الديمقراطية، هناك أساس راسخ للحكم وإتفاق بين المكونات وعقد إجتماعي مقبول من قبل الجميع، ولا يجري التنافس حول الدستور والقضايا المفصلية نهائيآ، فهي خارج دائرة اللعبة الإنتخابية تمامآ. المنافسة تجري على البرامج الإقتصادية، التنموية، وكيفية تأمين السكن للطبقات ذوي الدخل المحدود وبأسعار معقولة، خلق الوظائف، تحسين البنية التحتية للبلاد، تطوير التعليم والقطاع الصحي، تأمين الخدمات للناس، وجلب الإستثمارات، …. إلخ.
مثلآ، في الدول الديمقراطية لا أحد يتحدث عن حرية الصحافة والإعلام، ولا الحريات الفردي، والجيش وقوى الأمن والشرطة تابعة للحكومة، وليس لحزب أو عائلة أو شخص.
رأينا وشاهدنا كيف مبدأ الفيفتي – الفيفتي، كان نكسة حقيقة وجلب الكارثة لجنوب كردستان، وستكون وبالآ على غرب كردستان إن مضوا فيه، ولم يتراجعوا عن حماقتهم. المرجعية الكردية لا تتألف من بعض أصحابي الدكاكين والمصالح الشخصية والعائلية. المرجعية لا توزع بنسب بين بعض تجار القضية، وإنما تشكل من جميع فئات الشعب الكردي من مثقفين، ومجتمع مدني وحقوقي، ومناطقي
(كل مناطق التواجد الكردي داخل وخارج الإقليم والمهجر)، إضافة للأحزاب والقوى السياسية الفاعلة وليست اللافتات.
نحن في غرب كردستان بحاجة، إلى جبهة كردية تضم جميع الفئات وبنسبة 60% للمثقفين والحقوقيين والمجتمع المدني وكرد المهجر و40% للأحزاب السياسية، وشريطة أن يقود شخص غير متحزب هذه الجبهة ويكون ذو ثقافة عالية. أما ما قام به المتفاوضون من الطرفين وهما عمليآ حزبين فقط وغير مستقلين، هو تقسيم الكعة فيما بينهم لا أكثر، ولم يتعزوا الدرس من تجربة جنوب كردستان، وكأنك يا زيد ما غزيت!!!!
إن خطورة التوافق السياسي في أي بلد، يكمن في خطرها على أهم عنصر من عناصر الديمقراطية، ألا وهو وجود الصوت المعارض والصحافة الحرة. ولهذا أصر البرزاني وحزبه على التوافق السياسي بدلآ من وجود نظام ديمقراطي وإعلام حر. وإستطاع من خلاله تكبيل الجميع، ومنع قيام أي معارضة حقيقية تقف في وجه، وتطالبه بالرحيل عن السلطة هو وزمرته.
التوافق عادة يتم بين مكونات المجتمع على قواعد اللعبة السياسية وإصولها، وليس على شيئ أخر. في الحياة السياسية البرلمانية، نحن دومآ بحاجة إلى معارضة قوية ونشطة، تؤدي دورآ فاعلآ وتقدم البرامج والقوانين بديلآ عما تقدمه الحكومة، وتنقتدها إن أخطأت أو إنحرفت، وتقوم بمحاسبتها في البرلمان على ذلك، والسعي لإسقاطها إن دعت الضرورة.
أنا أفهم سعي الحزب الفائز في الإنتخابات، إلى التحالف مع حزب أخر صغير لتشكيل إئتلاف حكومي
إن كان ينقصه بعض الأصوات، ولكن لا يمكن فهم مشاركة جميع الأحزاب في الحكم. في بعض الأحيان يمكن تشكيل حكومة وحدة وطنية كما ذكرنا سابقآ، وهذا مرتبط بحالات الحرب والكوارث لا أكثر. وإلا لا داعي للإنتخابات من الأصل، إذا كان الكل سيشارك في الحكم أو نفس الأحزاب خلال ربع قرن من الزمان.
الإنتخابات تجرى لتجديد البرامج والوجوه والأحزاب، وليس لإستمرار نفس الأفراد. أتسأل ماذا تغير في برامج الأحزاب الحاكمة في جنوب كردستان، وما هي الوجوه التي تغيرت خلال ثلاثين عامآ، سوى الذين دعاهم عزرائيل ليكونوا بمعيته؟؟
حسب رأي لا سبيل أمام الشعب الكردي بجنوب كردستان، إن أراد فعلآ التخلص من تلك الطغمة الفاسدة الحاكمة، إلا أن يرفع صوته عاليآ، ويخرج للشوارع والميادين، ويطالب بإنهاء هذه المأساة والمهزلة، التي تنتهجها العائلتين الحاكمتين. وأنا على قناعة تامة بعدم جدية أي حزب كردي، في تغير هذا الواقع العفن الحالي.
وأفضل حل برأي، هو مغادرة العائلة البرزانية والطالبانية الساحة السياسية دون رجعة، وفتح المجال لكل من يجد في نفسه إمكانية، لقيادة الإقليم أن يترشح للإنتخابات والناس تختار من تشاء، وبحيث لا يتم إنتخابه أكثر من مرتين ولو خرب الكون. والأمر الأخر هو أن يحكم الحزب الفائز في الإنتخابات والأخرين عليهم الجلوس في مقاعد المعارضة. ومن الضروري أيضآ، أن يسن البرلمان قانونآ، يمنع سيطرة عائلة على الحكم أو التحكم في محافظة بعينها وإعتبار ذلك ملكآ خاصآ لها.
وبعد كل الذي حدث في جنوب كردستان، جراء تلك التجربة الأليمة والقاسية، التي منها ومازال الويلات كيف لعاقل وأمين وصادق مع شعبه، أن يلجأ إلى إتباع ذات النهج والمبدأ والسياسة؟ برأي لا يلجأ إلى ذلك سوى صنفين من البشر، سوى الحمقى أو الكذابين، الذين يبحثون عن مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة والمضرة بمصالح شعبنا ضررآ عظيمآ. ومن هنا أطالب أبناء شعبنا الكردي برفض مبدأ “الفيفتي – فيتي”، الذي أعتمدته (تف-دم والأنكسة)، ووفقه تقاسموا الكعكة فيما بيهم وأقصوا كل أبناء روزأفا بالداخل والخارج إضافة إلى حزبي الوحدة والتقدمي.
08 – 10 – 2020

