قصة: حوار ماسي- بيار روباري

 

كان العصر قد ترك المدينة خلفه، وأخذ المساء رويدآ رويدآ يفرد جناحيه عليها، بينما كان صاحب المقهى “أبو عبدو” يتحدث مع شغيلته في المطبخ، ولكن عينه الثاقبة كانت على الصالة والطاولات المرصوفة على الرصيف أمام المقهى.

ومن مكانه هذا، لاحظ قدوم زبون ذات ملامح غريبة وجلس على إحدى الطاولات الموضوعة على الرصيف، ويرتدي ملابس أنيقة وكرافته، ويضع نظارة ملونة تميل للسواد، وله شارب داكن وذو شعر كثيف يكاد أن يكون أجعدآ.

أول ما بادر إلى ذهن “أبو عبدو”، أن يكون من جهاز المراقبة أو الأمن أو لربما من علية القوم. حك أبو عبدو رأسه ورفع بنطاله، وعدل من ياقة قميصه وقال لشغيلته:

– إسمعوا يا ولاد. هذا الرجل الأنيق والوسيم لا بد أنه شخص مهم، لذا سأهذب إليه بنفسي، وسأحاول أجس نبضه ومعرفة من يكون وماذاء جاء ليفعل هنا.

الشغيل “حميدو” ذو الخبرة الطويلة بالمصلحة قال لمعلمه:

معلم! كلامك صحيح مية بالمية وعين العقل. علينا الإعتناء به وتكريمه في كل الأحوال. فإن كان من جهاز التفتيش والضرائب، إكتسبناه إلى جانبنا، وإن كان من أجهزة المخابرات تفادينا شره. وإن كان من علية القوم يمكننا الإستفادة منه شي يوم”.

المعلم أبو عبدو:

يا عيني عليك يا حميدو، أنت عليك دماغ ولا الفليسوف. والله حرام إنك لم تكمل تعليمك يا إبني.

حميدو:

الحاجة يا معلم، هي التي أجبرتني على ترك تعليمي.

هز أبو عبدو رأسه وقال: الحاجة صعبة الله لا يحيج أحد، لأني عانيت من الحاجة والعوز قبلك. طيب أنا ذاهب لرؤية هذا الزبون قبل أن ينادينا.

حميدو: ماشي معلم.

أسرع أبو عبدو الخطى باتجاه الزبون الطائر. ومع وصوله حياه قائلآ:

يسعد مساك إستاذ وحلت علينا البركة، هي أول بتشرفنا فيها كما أظن.

رد الزبون قائلآ:

ومساك أيضآ، نعم هذه أول مرة أزور مقهاكم. بماذا ينادونك؟

أبو عبدو إستاذ.

كيف الحال معك يا أبو عبدو؟

الحمد الله إستاذ، وحضرتك من الحارة أم زائر؟

زائر أبو عبدو.

واضح عليك أنك إبن أكابر إستاذ.

في هذه اللحظة رفع الزبون النظارة الداكنة عن عينيه ووضعها على الطاولة، لأن الشمس إختفتخلف الأبنية العالية. وعلى الفور بدا وجه الرجل مألوفآ لأبو عبدو وخاطبه قائلآ:

إستاذ أنا شفتك قبل هذه المرة، وجهك مش غريب علي، ولكن لا أدري أين شفتك. أكيد شفت صورك في الجرائد أو إني رأيت حضرتك بالتفلزيون.

مش حضرتك عضو في مجلس الشعب؟

أنا؟

نعم أنت إستاذ.

علق الزبون على كلام صاحب المقهى قائلآ:

لربما إلتقينا في جلسة ما من الجلسات أبو عبدو …..

قال مندهشآ أبو عبدو:

لكني لم أكن يومآ عضوآ في مجلس الشعب يا إستاذ.

رد الزبون وهو يبتسم:

لماذا لا؟ ألا تتقن التصفيق؟

أجاب أبو عبدو ضاحكآ كيف لا أتقن التصفيق يا إستاذ؟ طول اليوم أنا أصفق في المقهى.

وتابع أبو عبدو كلامه قائلآ:

وهل التصفيق وحده يكفي حتى يصبح الشخص عضوآ في مجلس الشعب يا إستاذ؟

قهقه الزبون بصوتٍ عال وثم عاود الحديث قائلآ:

هذه هي الشهادة الوحيدة المطلوبة، يا أبو عبدو في عضو مجلس الشعب.

إستغرب أبو عبدو من كلام الزبون وأخذ نفسآ عميقآ وحك رأسه، وراحذ يفكر ليرد  على الإستاذ ..

في هذه اللحظة أخرج الزبون علبة سجائر أجنبية وقال:

تفضل أبو عبدو خذلك سيكارة ودخنها.

أخذ أبو عبدو سيكارة وأشعل سيكارة الضيف أولآ، ثم سيغارته وسحب منها نفسآ عميقآ ونفث الدخان من إنفه وكأنها مدخنة …

عاد أبو عبدو وسأل الضيف:

ماذا تشرب يا إستاذ؟

قهوة بن زيادة وسكر وسط مع قدح ماء أبو عبدو.

أبو عبدو نادى حميدو بصوت عال قائلآ:

واحد قهوة بن زيادة وسكر وسط وقدح ماء للإستاذ.

ثم سأل أبو عبدو الضيف هائلآ:

وهل رواتبكم جيدة وتكفيكم؟

أجابه الإستاذ قائلآ:

هل تظن عضو مجلس الشعب يعيش من راتبه يا أبو عبدو؟

من ماذا يعيش إذا يا إستاذ؟

من المعاملات التي يمشيها للناس يا أبو عبدوا وفهمك كفاية.

أبو عبدو:

أيوا الأن فهمت.

أجابه الإستاذ وهو يضحك بصوت عال:

بما أنك بدأت تفهم، فلم تعد تصلح لأن تكون عضوآ في مجلس الشعب ….

وأخذ الأثنان يضحكان وبقية الزبائن ينظرون اليهم دون أن يعرفوا السبب.

 

نهاية القصة.