دعوة للقاء- بيار روباري

 

إتصلت صاحبتي بي صباحآ هاتفيآ وقالت:

هل بإمكاني الحديث أم أنك مشغولٌ كعادتك بالكتابة والقراءة وغيرها من الأشياء؟؟

قلت لها:

تفضلي بالحديث وأنا في سماعك يا حسناء.

أجابت:

متى تريد أن نلتقي؟

قلت:

وهل من ضرورة؟

أجابت بنوع من الغضب والحدة:

إشتقت إليك يا رجلآ ألم تشتاق إلي؟

قلت:

بلا …………….

أجابت:

في أي ساعة تريدنا أن نلتقي اليوم عندي في البيت؟

قلت لها:

الثانية بعد الظهر، إن لم يكن لديك إعتراض على ذلك.

قالت:

وهو كذلك.

قلت لها:

لم تخبريني كيف حالك يا جميلة أجمل من مارلين مونرو.

قهقهت … ثم قالت:

ما هذا الإطراء والغنج الذي هبط عليك فجأةً؟

قلت:

من وحي صوتك الغناء

قالت:

جميل هذا الدهاء. أنا في إنتظارك وإلى اللقاء.

إنقطع صوتها وأحسست بأن الغرفة خلت من الهواء، وزادت ضربات قلبي واللهفة للقاء.

…………………………………………………………………………………………………….

…………………………………………………………………………………………………….

 

إرتديت ملابس أنيقة بعد أن أخذت حمامآ ساخنآ، ووضعت هاتفي وبعض الأوراق والأقلام ودفتر صغير وزجاجة ماء في حقيبتي اليدوية، وخرجت من البيت حوالي الساعة الواحدة ظهرآ. وقبل أن أستقل “المترو” أي قطار الأنفاق بإتجاه بيت صاحبتي، مررت على دكان المشروبات وإشتريت زجاجة نبيذٍ حمراء معتقة، وطلبت من البائعة لف الزجاجة بشكل أنيق، ووضعها في حقيبة صغيرة جميلة تليق بالجميل، وفعلآ فعلت الصبية مثل ما طلبت منها، ثم حاسبتها وخرجت من عندها إلى كشك الزهور المجاور لمتجرها. فإخترت باقة وردٍ من بين الزهور والورد الكثيرة والرائعة والمصطفات بشل حلو، متنوعة الأشكال والألوان، كما تحب صاحبة الجلالة ذات الذوق الرفيق والروح النبيلة.

 

ثم إتجهت إلى محطة المترو القريبة من الدكاكين، ومن هناك إستقليت المترو وتحرك بنا صاحبنا تارةً تحت الأرض وتارة فوق الأرض، إلى أن وصل بنا إلى المحطة الأخيرة حيث تسكن صاحبة الدعوة.

ترجلت من “المترو” وأخذت حقيبتي وباقة الورد، وتوجهت مشيآ على الأقدام بإتجاه البيت، وكان الطقس أكثر من جميل، الشمس ساطعة والحرارة قاربت (25) درجة مئوية، والناس في كل إتجاهٍ تسير وتميل والأطفال الصغار يلعبون ويركضون بحضور الإمهات.

وكان معي بعض الوقت فتمشيت بمحاذة البحيرة التي يطل بيت صديقتي عليها، وهي بحيرة جميلة ليست بكبيرة وإنما رائعة ويحدها أشجار عالية من ثلاثة جهات. والرصيف المخصص للمشاة عريض ويعلوه صفين من الشجر وكأنهما مظلة تظلله، وأسفل الرصيف مكان مخصصٌ للسباحة والتمشي على الرمال الناعمة ولعب الأطفال.

 

وأردت أخلي ذهني من كل تلك الشوائب التي علقت به خلال الأيام الماضية، من خلال النظر لهذا المنظر البديع والتمتع به وتلك البيوت الجميلة وهذا الحي الجديد والفصيح والراقي. لن تجد يا عزيزي في هذا الحي أمثالي من ذوي الدخل المحدود يسكن هذا الحي.

جلست على الكرسي مقابيل بيتها، حوالي ما يقارب الربع ساعة، والساعة كانت تشير إلى الثانية إلا بضع دقائق، وفجأةً رن الهاتف وإذ هي المتصل.

إستقبلت المكالمة وقلت لها:

نعم يا مولاتي ماذا هناك؟ هل تراجعت عن دعوتك؟

قالت:

لا أبدآ …. بالعكس خفت أنك أنت غيرت رأيك.

قلت: لماذا؟

أجابت:

ليس من عادتك أن تتأخر عن مواعيدك،. والساعة شارفت على الثانية ولم تحضر بعد!!

قلت لها:

إخرج إلى البرندة وستجيديني أجلس على الكرسي الذي يقابل البيت على الرصيف. فعلآ خرجت ورأتني ولوحت لها بيدي ونهضت من مكاني متجهآ نحو البيت.

في هذا الأثناء قالت:

طيب سأنزل أفتح لك الباب وأغلقت الهاتف.

تلاقينا عند باب الدار وهو عبارة عن منزل من طابقين بلون أبيض مطعم ببعض الشرائط البنية.

تعانقنا وقبلتها وقبلتني ويا لها من قُبل كل واحدة منها تعادل عُمر.

ثم قدمت لها الحقيبة الصغيرة (زجاجة النبيذ) مع باقة الورد … ودخلنا إلى البيت وصعدنا إلى الطابق الأول بعد خلعت حذائي بالأسفل.

قالت:

أهلآ بك وسعيدة برؤيتك وتبدو أنيقآ كالعادة ..

أجبتها:

شكرآ مولاتي على هذا الإطراء اللطيف وأنا أسعد بلقياك.

…………………………………………………………………………………………………….

…………………………………………………………………………………………………….

 

قالت ونحن نصعد الدرج:

جهزة القعدة على البرندة، في هذا الجو الجميل من غير المعقول أن نجلس في الصالون.

عقبت على كلامها قائلآ:

معك حق، الجو رائع والأروع من ذلك شياكة وبهاء سيدتي …..

أعجبها الإطراء ومقابها كانت تلك الإبتسامة والميلان علي ……

وضعت الورد في مزهرية ووضعتها على طاولة الجلوس في الصالون كي لا تضربها أشعة الشمس في البرندة.

وفتحت زجاجة النبيذ وسكبت قدحين منها وشربنا نخبة صحتنا، وكانت المائدة عامرة بكل ما طاب ولذ.

وكل شيئ كان مرتبآ بشكل جميلٍ أنيقٍ والنظافة في كل مكان.

نظرت إليّ نظرة لئيمة وقالت:

ألا تمل من تلك الخرباشات وما هي أخبارها؟

ضحكت ضحكة عالية وقلت لها:

أن تسمينها خرباشات، ولكن نحن الذين نعمل في هذا الحقل نسميه أدبآ وإبداعآ، وما تفعلونه أنتم أصحاب الشركات ومن يعملون في المال والتجارة إحتيالآ.

قالت:

غلبتني يا مولاي.

قلت:

لسنا في حلبة المصارعة كي أغلبك وتغلبينني.

علقت قائلة:

كنت أمزح معك وأردت أن أستفزك بعض الشيئ، لأن تلك الخرباشات تأخذك مني.

قلت:

إذآ هي قصة غيرة؟

قالت: نعم.

سألتها:

ما أخبار العمل؟

أجابت:

أكثر من الهم، ولا أجد راحة إلا معك. فلا تشغل بالي بالعمل لو سمحت. العطلة الإسبوعية هي ملكِ ويكفي أني طوال الإسبوع ملك العمل.

قلت:

أتفهم موقفك وهو ليس بجديد علي.

طالت الجلسة وأخذنا الكلام إلى أن سألتني وقالت:

هل بإمكانك أن تشرح لي، موضوع “الحرام والحلال” الذي يتحدث عنه بعض الأجانب عندنا وتحديدآ المسلمين المقيمين في هذا البلد ولو بشكلٍ مختصر؟

قلت:

بالمختصر المفيد ودون أي تعقيد: مفهوم “الحلال والحرام” يعبر عنه في القانون المدني: “المسموح والممنوع”.

علقت قائلة:

وهل من فرق بينهما؟

قلت:

من حيث المبدأ لا.

ولكن هناك تضارب بينهما، حيث المتديين يعتقدون أن “الحلال والحرام” هو كلام رباني ويعلو على ما عداه من القوانين.

سألتني جليستي:

أين يكمن التضارب بينهما؟

قلت:

في حالات كثيرة، منها على سبيل المثال في هذا البلد وفق القانون من حق الإنسان أن يتناول الكحول إن بلغ الثمانية عشر من عمره ويمارس الجنس مع من يشاء، ويتزوج بمن يشاء، لكن الأديان وخاصة

اليهودية والمسيحية والإسلام يحرمون (يمنعون) ذلك. في أوروبا دور الدين ونفوذه تراجع ولهذا الشاب والشابة هم من يقررون شكل حياتهم، ولكن في البلدان الإسلامية مازال الوضع ممسوك من قبل رجال الدين.

هزتها رأسها وقالت فهمت عليك، وأنت ما رأيك “بالحلال والحرام”؟

أجبتها قائلآ:

أنا شخص غير متدين، وحلالي وحرامي بيدي. أحلل ما أراه مناسبآ لي وأمتنع عن ما لا يناسبني. وكما تشاهدين أشرب الكحول ولو قليلآ، وأتناول لحم الخنزير، وأدخل في علاقات مع النساء خارج ما يطلق عليه مؤسسة الزواج، وكل هذا مخالف لمبادئ الأديان أو كما يسمونه “حرام” وفق شرائع تلك الأديان وفي مقدمتهم الدين اليهودي والإسلامي.

ضحكت وقالت:

معنى ذلك ما نفعله أنا وأنت (حرام) أي ممنوع؟

قلت:

وفق تلك الأديان وشرائعها نعم ما نفعل حرام، ويعتبر عمل غير سليم وغير أخلاقي!! ولكن لم يقولوا لنا من الذي يحدد الأخلاق؟ ولكن في نظري هو أجمل حلال وليس هناك أجمل منه ودلال.

قالت:

هذا منطق غريب ومرفوض ومن حق الإنسان أن يعيش كما يشاء ويرغب. وأنا سعيدة كوني لا أعيش في هكذا مجتمعات.

علقت على كلامها قائلآ:

أوفقك الرأي جميلتي، وأنا أيضآ سعيد بأنني أعيش في هذا البلد المنفتح والمتسامح، حيث يمكن للمرء أن يختار نمط حياته وفق رغبته، ويا ليتك تتحدثين في أمر أخر بدلآ من هذا الموضوع المعت.

قالت ما رأيك بسماع خوليو؟

قلت لها:

عين الصواب، ويا ليتك تسكبين لي كأسآ من شراب النبيذ، فيحلو طعمه في فمي ويسكرُ من يد الأحباب وستكسبين الف الف صواب …..!

 

11 – 04 – 2021