سياسة اللاسلم واللاحرب مع تركيا غير مجدية- بيار روباري

 

 

سنين طويلة وحزب العمال الكردستاني يتبع سياسة اللاسلم واللاحرب مع الدولة التركية المحتلة لجزء كبير من أرض كردستان والتي شاركت في تقسيم الجزء الباقي لثلاثة أجزاء، وهو فقط يدافع عن نفسه عندما يتعرض لهجوم عسكري في قواعده داخل إقليم جنوب كردستان. يمكن القول تقريبآ كل عملياته العسكرية باتت محصروة داخل أراضي الإقليم ضد القواعد العسكرية التركية في منطقة بهدينان، وهذا ما جلب له عداء مستفحل من طرف المشيخة البرازنية المتحالفة تاريخيآ مع الدولة العثمانية – التركية.

 

من دون شك إن الشعب الكردي يرغب في السلام، ولم يرفع السلاح إلا إضطرارآ لحماية نفسه، من ألة القتل التركية الإجرامية، التي فتكت به على مدى أكثر من مئة عام. وبالتأكيد إن المفاوضات السلمية هي أفضل سبيل لحل كافة المشاكل والقضايا في العالم، ولكن السلام دومآ بحاجة إلى طرفين، وإرادة سياسية قوية وصادقة لتحقيق ذلك، وهذا ينطبق أيضآ على الشعب الكردي والدولة التركية اللذان يخوضان حربآ مسلحة في شمال كردستان منذ سنين طويلة.

 

أطلق الزعيم الكردي عبدالله اوجلان قبل خطفه وسجنه، عدة مبادارت سلمية ومن طرف واحد، ولكن الدولة التركية ولا مرة أخذت تلك المبادرات على محمل الجد، وإعتبرته نقطة ضعف وأضارت ظهرها لها، وإستمرت في حربها الإجرامية ضد الشعب الكردي.

ومنذ ذلك الوقت قلت ومازلت أقول، يجب أن تأتي مبادرات السلام من الطرف القوي وفي حالتنا يعني تركيا، وليس من الطرف الضعيف (الضحية) أي الطرف الكردي. وكتبت حينها وأكتب الأن بأن الدولة التركية ليست جادة في تحقيق السلام مع الشعب الكردي، لأن ذلك ليس في مصلحتها. ولو أن تركيا فعلآ جادة في السلام، لما تنكرت لوجود الشعب الكردي أصلآ.

 

كيف يمكن الحديث عن السلام بين طرفين، وأحد الأطراف لا يعترف بوجود الطرف الثاني من الأساس. فأولى خطوات السلام تبدأ بالإعتراف الرسمي بالشعب الكردي من قبل الدولة التركية، ثم إطلاق سراح كافة السجناء السياسيين الكرد، وثالثآ وقف الحملات الإعلامية القذرة المعادية للشعب الكردي، ووقف حرب الإبادة ضده لبناء الثقة، وإظهار جدية الدولة التركية ونيتها الصادقة في تحقيق السلام مع الشعب الكردي، وإحقاق حقوقه القومية والدستورية والسياسية المشروعة، ومن ثم الدخول في مفاواضات ندية وعلى أرض محايدة وبوجود طرف ثالث نزيه، وكل طرف يتحدث بلغته أثناء الحوارات، ويرفع علمه على طاولة المفاوضات، ويدون كل شيئ، ويكون عدد المتفاوضين متساوين.

 

تركيا ترفض للأن الإعتراف الدستوري بوجود الشعب الكردي، لأنها تعلم هكذا إعتراف يترتب عليه نتائج قانونية، وبالتالي يجب منح الكرد حقوقهم القومية والسياسية. القيادات التركية تعتقد أن منح الكرد حقوقهم، يعني إنقسام تركيا إلى دولتين وهذا غير صحيح.

كل عاقل يدرك إن تحقيق السلام أولآ، لا بد أن يتم الإعتراف المتبادل، ومن دون توفر هذا الشرط، لا يمكن الحديث عن السلام والدخول في مفاوضات فما بالك بحل القضية الكردية في شمال كردستان. فكل ما أقدمت تركيا عليه إلى اليوم هو إقرارها بوجود مواطنين أكراد في تركيا وهذا غير كافي لأن مسألة المواطنة محلولة بتركيا. وهذا الموقف يشكل عقبة أساسية في وجه أي إجراء مفاواضات حقيقية وجدية. الأتراك يكذبون عندما يتحدثون عن السلام مثلهم مثل الإسرائليين، ويستخدمون ذلك كمخدر للكرد ليس إلا، وخضعوا الكرد به أثناء المفاوضات بين حزب العمال وحكومة اردوغان قبل سنوات في اوروبا.

 

وفي مقابل تلك السياسة المخادعة، والمماطلة التي إتبعتها الحكومة التركية خلال الفترة الماضية مع الكرد، لم يوفق حزب العمال الكردستاني في إتباع سياسة حصيفة لمواجهة تلك السياسة الخبيثة، ووقع في أخطاء كثيرة غير مبررة من وجهة نظري ومن هذه الأخطاء:

أولآ، وثوق الإخوة في قيادة حزب العمال بوعود الأتراك الشفوية.

ثانيآ، الطلب من قوات الغريلا الخروج من شمال كردستان، وهذا ليس من حق أحد بما فيهم اوجلان.

ثالثآ، التفاوض مع المخابرات التركية بدلآ مع وزارة الخارجية، كون القضية الكردية قضية شعب وليست قضية أمنية.

رابعآ، التفاوض بشكل ثنائي بعيدآ عن مشاركة الأمم المتحدة، وهذا ليس في صالح الطرف الكردي الضعيف بالتأكيد.

خامسآ، تفرد عبدالله اوجلان بالقرار الكردي.

سادسآ، التذبذب في مواقف حزب العمال الكردستاني وعدم ثباته على مطالب محددة. في البدء كان يطالب باستقلال كردستان، ويعتبر كل من لا يوافقه ذات الرأي، خائن وعميل. واليوم يعتبر كل من يطالب باستقلال كردستان أو الفيدرالية للكرد عدوآ للشعب الكردي ورجعي!!

في العمل السياسي لا يمكن التعامل مع التعهدات الشفهية، وخاصة إذا كانت صادرة عن عدو غدار كالعدو التركي، وذات خبرات طويلة في التحايل، أي شيئ يجب أن يكون موقعآ وموثقآ وتحت إشراف دولي، وليس بشكل منفرد كما فعل السيد اوجلان وحزبه.

 

كان لا بد من هذا التقديم، حتى نستطيع الولوج في صلب موضوعنا ألا وهو سياسة اللاسلام واللاحرب ا

التي يتبعها حزب العمال منذ ما يقارب العقد.

من خلال ما تقدم، يتضح لنا ولكل ذي بصيرة، أن الأتراك كدولة ليسوا بوارد حل القضية، ولا يوجد لديهم هذا التوجه على الإطلاق، رغم مرور أكثر من أربعين عامآ من العمارك ومقتل خمسين الف شخص من الطرفين، والتكاليف المادية الباهظة لهذه الطاحنة. فكيف يمكن لسياسي أن يتوهم ويعتقد أن الدولة التركية ستقدم على حل سلمي، إكرامآ لعيون قادة قنديل وتحل القضية الكردية حلآ سلميآ في تركيا حلآ سلميآ؟؟!!

قد يخرج علينا قيادي من حزب العمال ويقول، نحن لا نتعقد ذلك ولا نثق بتركيا. إذا كان الوضع فعلآ كذلك، فما معنى حالة اللاحرب واللاسلام مع الدولة التركية منذ عشرة سنوات إذآ؟

أعتقد أن أسباب هذا التحول في سياسة حزب العمال حيال تركيا يمكن تلخيصها في نقطتين وهما:

النقطة الأولى:

رغبة حزب العمال في الخروج من لائحة الإرهاب الدولية، هكذا توهم أو خدع من قبل الذين وشوشو في أذن قيادات قنديل وبروكسل.

النقطة الثانية:

هو تقديم الخاص على العام الكردي من قبل شخص اوجلان، إعتقادآ منه أن ذلك قد يحرره من قيد السجن وهذا مجرد وهم وسراب. الدولة التركية الطورانية لن تفرج عنه وهذا ما قلته لبعض قيادات حزب العمال التي إلتقيتهم حينذاك أي بعد القاء القبض على اوجلان ونقله إلى تركيا، ولم يصدقوا وسخروا من كلامي. وها قد مر أكثر من عشرين عامآ سجنه والحراسة عليه تزداد يومآ بعد يوم.

 

ونتيجة هذه الساسة الخاطئة أو اللاسياسة بالأحرى، فكل قيادات حزب (ه د ب) في السجون التركية، ومناطق البرزاني بجنوب كردستان تحولت إلى معسكر للجيش التركي، وحولي أربعين 40% من مساحة أراضي غرب كردستان يحتلها الأتراك، وضع اوجلان أسوء، الوضع في شمال كردستان ليس أفضل حالآ من حال عفرين تحت الإحتلال. فهل هناك فشل أكثر وأوضح من هذا؟؟

وعندما تستمتع الى القيادي البارز في حزب العمال “مراد قريلان”، تظن رئيس هيئة الأركان الأمريكية يتحدث وهو يهدد الدولة بالويلات، وتظن سوف يحرر كردستان من أقصاها لأقصاها من المحتلين الفرس والعرب والأتراك في غضون أيام أو أصابيع.

 

إن حالة اللاسلام واللاحرب الحالية لا تخدم القضية في تركيا ولا في باقي الأجزاء من كردستان وتحديدآ في غرب كردستان، الذي وضع حزب العمال يده عليه. إن كان حزب العمال يريد أن ينجز شيئ فعلي على الأرض، فعليه:

أولآ، التخلي عن خرافة «الإمة الديمقراطية»، التي لا أساس علمي ولا فلسفي لها وهي مجرد هرطقة.

ثانيآ، رفع شعار “الدولة الفيدرالية للشعبين الكردي والتركي”.

ثالثآ، الإنفتاح على بقية القوى السياسية، ورفع يده عن حزب الشعوب الديمقراطي (ه د ب).

رابعآ، النزول من الجبال إلى المدن والعمل من داخل المجتمع الكردي والإلتحام معه. وتوجيه الكوادر إلى تصنيع السلاح وخاصة الصواريخ ومضادات الدبابات والمصفحات والقنابل.

خامسآ، نقل المعركة العسكرية الرئيسية إلى المدن التركية، ولديه ثمانية ملايين كردي يعيشون في المدن الغربية مثل أنقرة، اسطنبول، أزمير، بورصة، قونية وأقصرا.

 

وفي الختام، أو أن أختتم مقالتي هذه بالتلي: أيها في شمال كردستان لا تنخدعوا فالطغمة الحاكمة والدولة التركية من حكومة، عسكر، أجهزة أمنية، لوبي السلاح، الدولة العميقة، دوائر المال، الغرب، ايران، لا يريدون أن يتحقق السلام بين الشعب الكردي والشعب التركي، السلام الذي يعني حل القضية الكردية حلآ عادلآ، والذي يمكن أن يكون على شكل نظام فيدرالي ويجمع بين الشعبين. وبرأي لا يمكن الوصول لهذا الحل، إلا إذا واكب المفاوضات العمل المسلح، كما فعل الفيتناميين أثناء مفاوضتهم مع الأمريكان في باريس. وعلينا أخذ العبرة من مسلسل المفاوضات الفلسطينية -الإسرائيلية على مدى عليها 28 عام دون تحقيق أي شيئ.

وإستفيدوا أيضآ من تجربة “حزب الله” العسكرية في لبنان و”حركة حماس” في قطاع غزة. تصوروا لو كنتم تمتلكون صواريخ قصيرة المدى (100كم – 200كم) ومتوسطة المدى (200 كم – 500كم) وأكثر،

كيف كان سيكون الحال عليه في تركيا اليوم؟ وموقعكم في المعادلة التركية والإقليمية معآ؟ ولإستطعتم ضرب كل المطارات العسكرية التركية الموجودة في شمال كردستان والقواعد العسكرية في غرب تركيا أيضآ، وتهديد كل المدن التركية، وحركة الملاحة الجوية فوق سماء تركيا بأملها. وهذا كافي لأن ترضخ تركيا وتجلس مع الكرد على طاولة المفاوضات، وتقر بحقوق الشعب الكردي القومية والسياسية رسميآ وفي الدستور، وبناء دولة فيدرالية للشعبين الكردي والتركي. عند إمتلاككم لمثل هذه القوة بإمكانكم أن تفاوضوا الدولة التركية ومن موقع القوة والند.

24 – 05 – 2021