الأخلاق: المعضلة البشرية الكبرى – د. قبات شيخ نواف الجافي

 

قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين بأن مشاكل العالم الأساسية تكمن في الفقر و البطالة و الفساد و الظلم و التخلف..الخ. هذا صحيح  إلى حد كبير, ولكنني أرى بأن مشكلة الإنسانية الكبرى في الماضي و الحاضر هي مسألة الأخلاق فهما وتطبيقا. فالمشاكل التي ذكرتها للتو, أنما حدثت وتحدث بسبب غياب وتجاهل الأخلاق في شتى مناحي الحياة. ولقد كان موضوع الأخلاق حقيقة, مثار نقاش فلسفي و ديني على مر العصور و الذي أدى بدوره لاحقا إلى ظهور الأخلاق الفلسفية والأخلاق الدينية. وظلت كذلك قضايا الخير والشر و الجمال و الفضيلة والرذيلة و السعادة جوهر مباحث علم الأخلاق, ومن أسئلة الفلسفة الوجودية الرئيسية قديما وحديثا. أذا أفكار و أفعال الأنسان هي التي تجلب له التقدم و السعادة والفضيلة أو العكس تماما.

ويبحث علم الأخلاق اجمالا في معنى الخير و الشر و الجمال… وكيف ينبغي أن يتعامل الناس مع بعضهم البعض مع شرح الغاية من هذا التعامل و كيفية السبيل اليه. وبدون أدنى شك, الأخلاق هي من أحدى الركائز الأساسية في حياة الأمم و الشعوب على المستوى الفردي و الجماعي, حيث أبدع أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت***فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

وكذلك ظل الفلاسفة و المشرعيين الدينيين و رسائل الأنبياء تحث بالدعوة إلى الأخلاق الفاضلة لبناء أنسان ومجتمع سليم,  و البحث عن قيم وجودية جديدة ومعنى آخر للحياة. وموضوع الأخلاق هو موضوع متشابك و حيوي و ديناميكي بالنسبة للدين و الفلسفة, فالأثنين يدعون للفضيلة و لكن بطرق ومعاني مختلفة. ففضائل الصدق و الأحسان والكرامة و التقوى و الأصلاح و الصبر محبذة ومطلوبة في الدين و الفلسفة على حد سواء. وكذلك رذائل الكذب و الخداع و الحقد و أحتقار الغير و الكبرياء و النفاق مرفوضة ومنبوذة في الدين و الفلسفة. أذا أيهما أحسن عندما يتعلق الأمر بالأخلاق, الدين أم الفلسفة؟ هل يكملان بعضهما البعض أم يتعارضان؟ الأجوابة في هذا المضمار ليست سهلة و لا هي مطلقة وقطعية على ما يبدو.

الأخلاق الدينية

ترتكز جميع الأخلاق الدينية على مفهوم و فكرة الإيمان بأله (الله) بالدرجة الأولى. في الفكر الأخلاقي الديني, و في الديانات التوحيدية بالتحديد، يوجد كائن خارق للطبيعة له سلطة على البشر يخبرهم ما هو المثل الأعلى المقدس للحياة ويوضح لهم طرق تحقيق هذا المثل الأعلى. و هكذا تكون الأخلاق الدينية على أنها نوع من الأخلاق التي تكتسب صلاحيتها من السلطة الدينية التي لها دور مركزي في تحديد ما هو صواب أو خطأ, خير أو شر. وعلى سبيل المثال, دعا الإسلام, إلى تزكية النفس البشرية و أستقامتها وتطهيرها من الدنس و الشوائب وحذر من من أغراقها و أنهاكها في الرذائل و المعاصي. قال تعالى: (قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها). سورة: الأعلى. الآية: 14. في الدرجة الثانية, بالأضافة إلى عقيدة التوحيد في الإسلام, فأن المنظومة الأخلاقية تأتي من مصدر آخر غير الآوامر الآلهية, أنه التراث بما له و عليه. لقد قلنا ذات مرة بأن الفقه طغى على النظرية الأخلاقية في الإسلام, تلك النظرية التي يفترض بانها ستكون ثرية للغاية بفضل المساهمات و المشاركات الفلسفية و الصوفية…الخ ألا أن الأمور صارت بأتجاه آخر, و ظلت القاعدة الشرعية “الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر” هي المحور الأساسي التي تدور حولها الأخلاق الإسلامية.

ولكنني أرى بان الفقه قد نجح في نشر العبادات و الشعائر بين الناس على مر التاريخ وكذلك كيفية الألتزام الحركي الفعلي بها, ألا أنه لم ينجح بملئ الفراغ الأخلاقي الروحي الذي يعاني منه الكثير من المسلمين, فغدت عباداتهم كالنهر الذي لا ماء فيه. فأصبحت العبادات لدى الكثيرين مجرد عادة يومية روتينية بدون تقوى و ورع حقيقي. فأصبحت الصلاة مجرد حركات جسدية, و الصيام مجرد تجويع المعدة دون تقليص وتزكية النفس و الفكر, وكذلك أصبح الخطاب الدعوي الديني عند الكثيرين غوغائيا, يستفز ويستغل مشاعر و أحاسيس الملايين من البسطاء. فأحيانا تجد داعية يخطب في الشباب الحائر العاطل عن العمل والذي لا يملك أية آفاق مستقبلية عن عقيدة الصبر و التحمل و الورع و هو يحمل في يده ساعة سويسرية يفوق سعرها ألف دولار. هذا هو الأستغلال السيىئ لمشاعر الغلابة, وكذلك للدين نفسه. البطون الخاوية الجائعة لا تملئها المعنويات و الخطب الرنانة فقط, بل تحتاج إلى مقومات حياة أساسية أيضا. هذا الخلل سببه غياب الأخلاق بأبعاده العملية التطبيقية في حياة  غالبية المسلمين اليومية, و أصبحت فكرة مادام الشخص الفلاني يصلي و يصوم بأنتظام, فأنه على خلق كبير, و هذا بحد ذاته ضلال كبير. فالآيات القرآنية الدالة على المعاملات و الأخلاق أكثر بكثير من تلك المتعلقة بالعبادات, وهذا أن دل على شيئ فأنما يدل على أهميتها الكبرى في حياة الإنسان المسلم. فالعبادات كثيرا ما يتخللها النفاق الأجتماعي-المجتمعي, أما الأخلاق فلا مجال للنفاق و التظاهر فيها, فأما أن تكون كذابا أو صادقا مهما كنت حلو اللسان لأن الناس تعرف أوجه النفاق في ذلك. نقطة أخرى هامة في مجال الأخلاق الدينية في الإسلام, هوالتوجيه الأخلاقي للعقل البشري. فالله سبحانه وتعالى منحنا ميزة العقل والفكر لأستخدامه بالطرق الصحيحة, وللغايات النبيلة النافعة, وكان يمكن للفلسفة الإسلامية تقديم أطروحات ونظريات أخلاقية جميلة كما أشرنا سابقا, إلا أن أنتصار الغزالي على أبن رشد حال دون ذلك.

الأخلاق الفلسفية

يقول أنصار هذا التيار بأن الإنسان يستطيع أن يعيش بدون ديانة أو معتقد, لكنه لا يستطيع أن يعيش بدون أخلاق. على أيه حال, الأخلاق الفلسفية تستند الى أعمال العقل حين التفكيير بالأشياء من وجه نظر أخلاقية. فالأمور التي تتوافق مع منطق العقل البشري هي أمور خيرة وطيبة وصحية ومقبولة أخلاقيا بغض النظر عن وجه نظر الدين و العكس تماما, فالسلطة العليا هنا سلطة العقل و ليس الإله (الله). ولكن يجب الأشارة هنا إلى أن الأخلاق الفلسفية كثيرا ما تكون معيارية, حسب طبيعة السياق و المجتمع الذي تطبق فيه. فما يكون مقبولا أخلاقيا في مجتمع ما, ليس بالضرورة أن يكون مقبولا في المجتمعات الأخرى, كمسائل الزواج مثلا.

أجمالا, تبدوا الأمور متداخلة مع بعضها البعض في هذا الموضوع, هدف الدين من الأخلاق هو أسعاد الناس و توجيهها إلى الطريق الصحيح على أسس أيمانية عقائدية وبلوغ الحياة الأخرى بنجاح و أستقامة. في حين أن الأخلاق تريد أستجواب الدين عن هذه السعادة و عن هذا الطريق الصحيح على أسس عقلية, وبالتالي و في أغلب الأحيان، ينتهي الأمر بالاثنين وديا في المضي بنفس الطريق ولكن لغايات ومقاصد مختلفة. فالدين يهدف لحياة أخرى أبدية أزلية إلى ماوراء الطبيعة, في حين تتوقف الفلسفة في حدود هذه الحياة الدنيا مشككة في و جود حياة أخرى أصلا  كما هو معروف في العديد من تحليلاتها الوجودية.