التمييز العنصري مرض إجتماعي متجذر في نفوس البشر، وهو من الأمراض التي يصعب معالجته. حيث لا يمكن إنتاج مركب كيماوي لمعالجته كما هو الحال مع بقية الأمراض، ولا يمكن إستئصاله بعملية جراحية. لأن هذا المرض يعشعش في ثنايا الدماغ والأحاسيس والمشاعر والقلوب، ويحتل كامل مساحة تفكير المرء. يتشرب الطفل هذا الفكر البغيض المدمر من صغره ويتربى عليه ويتعصب له ويؤمن به بشكل أعمى، ويصبح جزءً من هويته الشخصية، وقد يكون هذا التمييز “طبقي، قومي، ثقافي، ديني، جنسي، لوني، مذهبي، لغوي، معتقدي، عمري، معاقي، أو حتى مناطقي“. وجميع المجتمعات البشرية تعاني من هذا المرض الخبيث وإن بدرجات مختلفة وللتمييز أشكال ومستويات مختلفة.
العنصرية:
بالمختصر هي التمييز بين الناس (أفراد، جماعات) في المعاملات على أساس القومية، اللون، الدين، الجنس، الطبقة الإجتماعية، المذهب. ومنبع هذا الإعتقاد والفكر المتعالي، هو إحساس فرد ما أو جماعة معينة بتفوقهم على الأخرين إعتقادآ منهم أن جيناتهم أكثر تطورآ ورقيآ عن جينات الأخرين، وبناءً على ذلك الأخرين أدنى منهم، ولا يستحقون نفس المعاملة والحقوق والمكانة. وبناءً عليه يبررون معاملتهم المهينة والسيئة بحق الأخرين وحتى العنيفة في الكثير من الأحيان.
وفي الحياة اليومية نشاهد الكثير من هذه الممارسات بحق الأفراد أو المجموعات البشرية المختلفة إن كان ذلك في سوق العمل، المناصب، الزواج، أماكن السكن، أماكن الدفن، النوادي الرياضية، العلاقات الإجتماعية، السينما، الإقتصاد، … إلخ.
ما الذي يدفع بالمرء إلى تبني الفكر العنصري؟
برأي التربية، ثم السعي لإحتلال موقع إجتماعي مرموق، مرض نفسي، الغرور، التكبر، النسب، الثراء، الجهل، الإستغلال، الجشع والموروثات الثقافية. وكل ذلك ليس له أصل لا علمي ولا منطقي، هذا مجرد وهم وشعور كاذب. كافة الناس ومن كل الأجناس سواسية تحت الجلد ولا فرق واحد بينهم، الفوارق قد تكون جسدية، نمط الحياة، نسبة الذكاء، وهذا يختلف من شخص لأخر داخل المجتمع الواحد. وقصة الدم الأزرق مجرد هراء وكلام سخيف أشاعه العائلات المالكة في أوروبا، لكي تعطي نفسها مكانة من الأخرين، ورفضوا دفن موتاهم في القبور مع بقية الناس.
أشكال التمييز:
هناك نوعين من أشكال التميز هما:
1- التمييز المباشر:
ويكون في شكل التعامل مع شخص معين بطريقة دونية، وتفضيل شخص آخر عليه إما لعرقه أو لونه، أو لجنسه أو دينه، أو … إلخ. مثلآ تكليف عامل محلي بالمهام السهلة في العمل، وتكليف العامل الأجنبي بالأعمال الصعبة وحصولهم على نفس الأجر.
التمييز غير المباشر:
تكون العنصرية هنا عبر إصدار قوانين دون ذكر أسباب واضحة، وتكون هذه الشروط في صالح فئة معينة على حساب فئة أخرى. وهناك قرارات سرية أو أعراف تمارس بشكل سري ضد فئة معينة من المجتمع. مثلآ لا يوظف أي مواطن كردي في الأجهزة الأمنية السورية، ولا حتى في السلك الدبلوماسي السوري، ولا في الطيران الحربي أو المدني، علمآ لا يوجد قرار رسمي معلن بذلك ومعلل!!!!
الآثار السلبية للتمييز العنصري:
هناك أثار سلبية عديدة للتمييز منها:
1/ تولد الكراهية بين أفراد المجتمع الواحد.
2/ إنغلاق الفرد الممارس بحق العنصرية على نفسه، وإحدث فجوة بينه وبين المجتمع.
3/ إنعدام الثقة بين الطرفين العنصري والمُعنصر.
4/ زيادة التوتر والخوف من الأخر.
5/ زيادة أعمال العنف والإضطربات.
6/ تمزق المجتمع إلى مجموعات متقوقعة على نفسها ومتربصة ببعضها البعض.
7/ إشتعال حروب داخلية مدمرة لجميع الأطراف.
كان لا بد من هذا الشرح الموجز عن التمييز وأسبابه ومنابعه وأثاره قبل الدخول في الحديث عن الحدث الذي دفعنا إلى كتابة هذا المقال المقتضب. لا شك أنكم جميعآ سمعتم أو قرأتم خبر إنفصال الأمير البريطاني: “هاري وزوجته ميغان ماركل” عن العائلة المالكة البريطانية وتخليم عن واجباتهم الملكية. طبعآ العائلة والإعلام والحكومة البريطانية سوقوا أكاذيب كثيرة لا أول لها ولا أخر عن أسباب إنفصال الزوجين عن العائلة، وإنتقالهما إلى أمريكا والعيش هناك. لكن الزوجين فضحوا كل المستور في لقاء تلفزيوني مع مقدمة البرامج المشهورة ” أوبرا وينفري” قبل أشهر وإتضح كما متوقعآ رفض العائلة لزوجة هاري لثلاثة أسباب:
أولآ، سبب عرقي كونها سيدة سوداء. ثانيآ، إنها إمرأة غير بريطانية. ثالثآ، من عائلة متواضعة وفقيرة. وهذا أكثر من كافي ليرفضها عائلة “ويندسور” واسمها الأصلي (ساكس كوبرغ غوتا) ألمانية الأصل، التي تعتبر نفسها فوق كل البشر.
ولم يفاجئني حديثه (عائلة ويندسور) عن لون بشرة طفل هاري وميغن نهائيآ، لأنني شخصيآ عشت مثل هذه التجربة المقية والمؤلمة والغير إنسانية. وحدث معي أكثر من هذا، حيث عدة مرات كلما كنت أصافح أهل صديقة من صديقاتي بشبابي، يهرعون ويغسلون أياديهم بالصابون والماء الساخن بعد مصافحتي، وهذا قبل ظهور وباء كورونا بسنوات طويلة.
فمن يظن أن العائلآت المالكة في أوروبا أو في أي مكان، سيقبلون أن يتساوون ببقية الناس فهو ساذج وجاهل ولا يعلم بطبيعة البشر ولا بتاريخ الملكيات. لا يمكن أن تصبح ملكآ أو سلطانآ إذا تساويت مع بقية البشر، فهذا ضد طبيعة الأشياء. والعائلة المالكة البريطانية ليست إستثناءً وتنظر بنظرة دونية حتى الإنكليز الذين هم شعبها، فما بالك بالمهاجرين والملونيين الذين كانوا يتاجرون بهم كعبيد إلى سبعين سنة مضت؟؟ لقد قتلوا ديانا والدة الأمير هاري نفسه، لأنها أرادت الإرتباط بشخص عربي ومسلم، وهذا من المحرمات، وفي مفهومهم “مؤسسة العائلة الملكة” والحكم فوق جميع الأفراد والإعتبارات بما فيه الحب والمشاعر، وتشاطرهم الحكومة وكل الطبقة السياسية البريطانية، فالملكة أو الملك شبه إله لمن لا يعرف.
لهذا لم يفاجئني طلاق الفتاة الكردية “حنا جاف” من قريب الملكة إليزابيت الثانية ملكة بريطانيا، السير “هنري روبير كورسون” البالغ من العمر 34 عامآ. مجتمع اللوردات والطبقة المخملية وأثرياء بريطانيا وما يسمونهم النبلاء، لا يمكن لهم قبول دخيل بينهم. إذا كان (دودي الفايد) ابن ملياردير رفضوه فكيف سيقبلون بفتاة كردية معدمة في صفوفهم وليس لها وطن ولاجئة؟؟ على ما يبدو الفتاة كان طموحها عالي بعض الشيئ.
أن لست متعجبآ نهائيآ، من تصرف هذه الطبقة العفنة والإستغلالية، وشبيهها موجود عندنا نحن الكرد، فلماذا تلومون الأخرين؟؟ هل يقبل مسعود البرزاني بتزويج بنته من مواطن كردي عادي وحتى من أتباعه وحزبه؟؟ الجواب لا. هل الأغوات والبكوات والأثرياء الكرد يقبلون بتزويج بناتهم من أبناء الطبقة الفقيرة؟؟؟ الجواب لا. أليس هناك عنصرية من قبل منطقة سوران تجاه منطقة بهدينان؟؟ نعم هناك ومن يدعي غير ذلك كذاب.
هل يقبل الكردي المسلم تزويج بنته من شاب كردي إيزيدي أو كردي علوي أو كردي مسيحي أو كردي زاردشتي؟؟؟ الجواب لا. والعكس أيضآ صحيح. أليس هناك عنصرية ضد المرأة الكردية؟؟ الجواب نعم. من هنا يجب النظر إلى موضوع طلاق السيدة “جاف” من الدوق بنوع من العقلانية. فالتميز موجود في مكان، كي لا نخدع أنفسنا وما علينا سوى محاربته أولآ في أنفسنا.
أنا واثق أن الست “حنا جاف”، لن تعد تقبل بشخص كردي عادي مثلآ، لماذا؟ لأنها كانت زوجة قريب الملكة البريطانية وهذا وحده كافي لشخص غير سوي أن يعتقد أنه بات فوق الأخرين. برأي مريضة مثلها مثل الطبقة التي إرتبطت بها لفترىة سنتين أو أقل لربما. المال والسلطة والجاه والمنصب، تجعل من الكثيرين من البشر أن ينسوا أنفسهم، ويصابون بأمراض نفسية خبيثة وتضخم في ذات الأنا، وتغير كبير في نفسياتهم وللأسف الشديد نحو الأسوء. ليس كل إنسان قادر أن يقف على قدميه ويتصرف بشكل طبيعي، إذا ما إستلم السلطة أو إمتلك مالآ أو أصبح نجمآ غنائيآ أو سينمائيآ أو كاتبآ مرموقآ أو شاعرآ ذا صيت.
كيف يمكن معالجة ظاهرة العنصرية؟
برأي الشخصي الأمر ليس عصي على العلاج، ولكن علاجه 100% غير ممكن وبل مستحيل. يمكن التقليل من هذا المرض والحد منه بنسب معينة، وهذا يتطلب جهداً كبيراً، وتعاونآ بين الأفراد والمجتمع والسلطات معاً. إضافة إلى ذلك نحن بحاجة هذا إلى إتخاذ بعض الإجراءات الضرورية منها:
1/ إتباع إسلوب تربوي أخر يساوي بين جميع الناس من قبل الأهالي وعدم التميز بين الصبيان والفتيات.
2/ البرامج التعليمية يجب أن تشمل هذا الجانب المهم من حايتنا، وفي جميع المراحل الدراسية وعدم الفصل بين الطلاب والطالبات لا على أساس الجنس ولا أساس الدين ولا العرق.
3/ على الإعلام بجميع أشكاله لعب دور إيجابي ويشارك في حملة التوعية.
4/ إصدار قوانين وتشريعات تجرم جميع أنواع التميز وفرض عقوبات قاسية ضد كل من يمارس مثل هذه الأفعال الشنيعة بشكل علني أو متستر.
5/ فرض كوتة على كافة الإدارات والوزارة والشركات والمعامل، توظيف الجنسين ومن كل مكونات وشرائح المجتمع بما فيهم المعاقين وكبار السن.
6/ إنشاء دائرة مهمتها مراقبة هذا الأمر وتلقي الشكاوي من المواطنيين، وفضح الجهات التي تقوم بذلك في الإعلام، وتغريمها غرامات مالية كبيرة وفي حال تكرار الأمر تقديم الجهة المعنية للمحاكمة، هذا إضافة إلى منعها الإستفادة من أي عقود تعرضها الدولة.
وفي الختام، محاربة التمييز العنصري يحتاج إلى نفس طويل وتوعية بشكل مستمر، ولا نخدع أنفسنا بأنه يمكن محوه من الوجد هذا غير ممكن. هل يمكن محو الفساد بشكل نهائي؟ الجواب لا. وهل يمكن إلغاء البغاء من الوجود؟؟ الجواب. هل يمكن محو التحايل والنصب على الأخرين؟؟ الجواب لا. لكن يمكن للمجتمعات الإنسانية التقليل من هذه الأفات ودفعها إلى حدودها الدنيا. إذا ما شارك الجميع في محاربتها وبدأ كل واحد منا بنفسه وتخلص من الغرور والتكبر ومن ثم بدأ بعائلته الصغيرة، هكذا يمكن للجميع أن يساهموا بمحاربة التمييز، هذا المرض الخبيث والمؤذي لصاحبه ذاته، ومعه المجتع الذي يعيش فيه.
11 – 07 – 2021

