بعيدآ عما يحدث الأن في أفغانستان و السيطرة على كابول من قبل جحافل حركة طالبان الإرهابية والقادمة من القرون الوسطى مثل شقيقتها داعش الهمجية. وبالمناسبة لم يفاجئني فشل أمريكا في لبنان والصومال والعراق وجنوب كردستان وأفغانستان، وكنت أعلم مسبقآ بأنها ستفشل في هذه الدول لمعرفتي الجيدة بطبيعة تلك القبائل والعشائر والطوائف.
بإعتقادي دراسة تجربة نجاح أمريكا في كل من اليابان والمانيا وكوريا الجنوبية وفشلها كل من أفغنستان وجنوب كردستان والعراق يستحق التوقف عندها والتعمق فيها. إن فهم كلا التجربتين مهمين لنا نحن الكرد تحديدآ، ولفهم ذلك لا بد من البحث عن إجابات صحيحة وموضوعية بعيدآ عن الكلام الغوغائي والتنظير. ولن أناقش في مقالتي هذه، أسباب دخول أمريكا إلى هذه الدول وإحتلالها ومدى شرعية ذلك، ولا كم صرفت من أموال، ولا مناقشة التكاليف البشرية الباهظة لها، لأنها معروفة وليست موضوع نقاشنا.
أمريكا قصفت اليابان بالأسلحة الذرية، وفرضت عليها إستسلامآ مذلآ، وقيدتها من الناحية العسكرية ووضعت دستورآ جديدآ لها، وأخذت منها توقيع على معاهدة يسمح لها بتواجد أمريكي عسكري على أراضيها لسنوات طويلة جدآ، وحرمت عليها الدخول في حروب عسكرية خارج أراضيها وعدم إمتلاك جيش كبير. ونفس الشيئ فعلت مع المانيا بعد الإنتصار عليهما في الحرب العالمية الثانية ما عدا إستخدام الأسلحة النووية، وبدلآ عن ذلك قسمت أمريكا المانيا بالإتفاق مع الإتحاد السوفيتي إلى دولتين شرقية وغربية. المانيا تم تدميرها بشكل شبه كامل تقريبآ، أي أضعاف اليابان ولأسباب معروفة. ولليوم تحتفظ أمريكا بقواعد عسكرية ضخمة لها في كلا البلدين، ولا أحد يتحدث عن السيادة رغم أن اليابان ليست عضوة في حلف شمال الأطلسي.
رغم كل ذلك نهض البلدين من تحت الأنقاض والركام ودفنت المانيا الماضي النازي تحت التراب وقامت اليابان بدفن فكرة التفوق العنصري تحت مياه المحيط، وإستطاع الشعبين التغلب على المهانة التي لحقت بهم نتيجة هزيمتهما أمام دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وقطعوا مع الماضي والفكر التوسعي وإنكفؤا على أنفسهم وركزوا كل جهودهم على النمو الإقتصادي والصناعي وبناء مجتمع متعلم ومبدع. وفعآ خلال فترة زمنية قصيرة نسبيآ تحولت اليابان إلى ثاني أكبر إقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وغزت بمنتجاتها كل دول العالم بما في ذلك أسواق أمريكا ذاتها دون أن تطلق رصاصة واحدة. وألمانيا المنهكة والجائعة تحولت إلى رابع أقوى إقتصاد في العالم والأولى في القارة الأوروبية، وتصالحت مع جميع جيرانها واليوم تربطها بفرنسا أفضل العلاقات السياسية في إطار الإتحاد الأوروبي والتنسيق بينهما على أعلى مستوى وفي جميع المجالات.
وتنعم الدولتين اليوم المانيا واليابان بنظام ديمقراطي برلماني ويتم التداول فيهما على السلطة بطريقة ديمقراطية وسلمية ويحظيان بإستقرار سياسي وإزدهار إقتصادي يحسدهما الكثير من الدول حول العالم. ورغم كل ذلك تشهد علاقتهما مع الولايات المتحدة الأمريكية بين الحين والأخر صعودآ وهبوطآ وهذا أمر طبيعي، ولكن يتم معالجة تلك الخلافات بالحوار والنقاش الهادئ وليس عبر المفخخات وقتل الجنود الأمريكيين المتواجدين على أراضيهما ومهاجمة السفارات الأمريكية، كما كان يفعل المليشيات الشيعية العراقية الإرهابية، وزعران حركة طالبان وتنظيم القاعدة الإرهابي السني.
في المقابل فشلت الولايات المتحدة الأمريكية، تحقيق ذات النتائج الإيجابية المحترمة في العراق ومعه جنوب كردستان وأفغانستان، فما هي الأسباب يا ترى؟ وهل فعلآ السبب في الثقافة الأمريكية وعدم قدرتها في فهم المجتماعات الشرق الأوسطية، كما يدعي البعض من المناهضين لأمريكا والغرب؟
أنا أختلف مع أصحابي الرأي السطحي القائل “بأن العلة في الثقافة الأمريكية الغير قادرة على فهم ثقافة المسلمين” ورغبة أمريكا في فرض الديمقراطية بالقوة على الأخرين. برأي السبب لا يكمن في ذلك ولم تفرض أمريكا الديمقراطية بالقوة على أحد. الديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية هي مطلب جميع الشعوب بغض النظر عن ثقافتها. برأي أسباب فشل أمريكا في العراق وأفغانستان يعود إلى عدة عوامل رئيسية منها:
1/ هذه (الدول) ما لم تبلغ بعد مفهوم الدولة الحديثة الموجودة في الغرب ومن ضمنها المانيا ومعهم اليابان. ولا تعرف مفهوم المواطنة ولا الشعب. فالعراقيين هم مجموعة طوائف وقوميات ومذاهب وعشائر وإقطاعيات عائلية متناحرة. ولليوم القبيلة والعشيرة والمذهب والطائفة والمناطقية تتقدم على الدولة. الدولة بالنسبة لهم كانت ولا زالت كيان غريب عنهم، وبعيدة عن هموهم ومشاكلهم وقضاياهم الحياتية وبالنسبة للكرد كانت تعني القمع والقتل والسجن والتهجير والجوع والحرمان والتمييز القومي. ولهذا لم تتبلور دولة المواطنة وحكم المؤسسات، التي مبرر وجودها أصلآ قائم على خدمة الناس فقط
أي المواطنيين ودون أي تمييز.
على مدى مئة عام خلت لم يكن هناك شيئ إسمة دولة العراق سوى على الورق، ولم يُجمع العراقيين في أي مرحلة من المراحل على عقد إجتماعي كان، البريطانيين والفرنسيين هم من شكلوا هذا الكيان اللقيط وفق مصالحهم الإستعمارية، وليس هناك أي رابط يجمع مكونات هذا البلد على الإطلاق. وبالتالي كان هذا أحد أهم عوامل الفشل في بناء نظام ديمقراطي في العراق بعد إسقاط نظام المجرم صدام حسين عام 2003. فالديمقراطية تحتاج أولآ وقبل كل شيئ إلى وجود مجتمع متجانس ومتصالح مع نفسه، وهذا غائب إلى يومنا هذا، ولكن يكون كذلك في المستقبل أيضآ لأسباب كثيرة لا مجال لشرحها هنا، وليس بسبب حل الجيش العراقي كما روج له البعض من الذين فقدوا مصالحهم. لأنه لم يكن هناك جيش عراقي بل جيش صدام والمنتفعين فقط، والدليل إنفراط عقدة هذا الجيش في ثوان بعد زوال الخوف من بطش نظام صدام.
في جنوب كردستان الأمر لا يختلف كثيرآ عن بقية العراق. حيث لديك نفوذ العشيرة والقبيلة طاغ ويغذى من قبل حكام الإقليم للأن وتحديدآ من قبل عائلة (البرزاني والطالباني)، هذا إلى جانب التناحر القومي بين الكرد وما يسمون أنفسهم بالأثوريين وبقياتا التتر (التركمان) عملاء تركيا، والأديان المختلفة والمذاهب والطوائف المتعددة، والمناطقية المقيتة (سوران، بهدينان)، والتخلف الإجتماعي المخيف، فلا يمكن في ظل كل هذا بناء مجتمع مدني ونظام يمقراطي كما كان يتمناه الأمريكان. إذا كان لحد اليوم في جنوب كردستان المرأة تسعر (المهر)، وتخضع لعمليات الختان من قبل فئة كبيرة من المجتمع الكردي ومن ضمنه فئات متعلمة، ويقتل سنويآ المئات من النساء بحجة الشرف ويسكت عن كل ذلك السلطات الكردية العفنة!!!!!
وفي أفغانستان الوضع مشابه تمامآ للوضع العراقي، حيث هناك قومية مسيطرة (البشتو)، وبجانبها يوجد عدد كبير من القوميات المختلفة، ومذاهب متعددة ولم يكن يومآ هناك مجتمعآ متجانسآ في هذا البلد المصطنع حاله حال العراق وسوريا وتركيا وإيران. ويستحيل إقامة مجتمع مدني متجانس في هذا البلد لألف سبب وسبب.
2/ عدم حل القضايا القومية حلآ عادلآ على مدى مئات الأعوام، ودخول هذه القوميات في حروب داخلية فيما بينها لسنين طويلة، مما زادت الشرخ بينها وفقدان الثقة بينهما ورغبة بعضها في الإستقلال كسبيل لنيل حقوقها وحريتها.
3/ غياب حكم المؤسسات والعدالة والقانون وحالة التميز القومي والجنسي وغياب الأفق.
4/ عدم فصل الدين عن الدولة أو فصل الدولة عن الدين إن شئت.
هذه العوامل الرئيسية الأربعة، إلى جانب عوامل أخرى برأي هي التي أدت إلى فشل الولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان، هذا إذا صحة مقولة “فشل أمريكا”. أنا لست مع هذه التسمية أو المقولة لأن الذي فشل ليس فشلآ أمريكيآ، وإنما هو فشل القيادات العراقيية والأفغانية والكردية في إقليم جنوب كردستان في بناء مجتمعات مدنية وإقامة أنظمة ديمقراطية ودولة المواطنة. السياسيين في منطقتنا عودونا على الكذب وتحميل فشلهم دومآ على الأخرين، لأنها أسهل طريقة للتهرب من المسؤولية أمام شعوبهم والقانون.
القيادات الشيعية التى تولت دفة الحكم في العراق من بعد سقوط نظام الطاغية صدام، لم تفعل شيئ على الإطلاق سوى خلق فتنة طائفية مع السنة، وخلق أجواء مشحونة بالحقد والكراهية ضد الشعب الكردي الشيئ الذي لم يفعله نظام صدام حسين رغم وحشيته وإجرامه ضد كل من عارضه وطالب باسقاطه. والشيئ الثاني الذي قامت به هذه القيادات الخسيسة، هو نهب قوة وأموال الشعب العراقي وهربته للخارج وأفسدوا المجتمع برمته وعلى كل الأصعدة، وفتحوا الباب للتجارة الجنسية وتحديدآ داخل المجتمع الشيعي تحت شعار “زواج المتعة”. وثالثآ ألغوا كيان الدولة على علاته، وأحلوا محله المليشيات الطائفية الإجرامية. رابعآ، باعوا أنفسهم لملالي طهران بحجة المذهب الواحد. ونفس الشيئ فعلت القيادات الكردية في جنوب كردستان، التي لا تقل خساسة ووضاعة عن القيادات الشيعية الحاكمة، وتوزعت ولاءاتها بين تركيا وايران ومصالحها الشخصية والعائلية.
15 – 08 – 2021


** من ألأخر …{١: الفرق ان شعوب الدولتين ومعهم كوريا الجنوبية وكمبوديا وفيتنام لديهم رواح مواطنة واحدة وليس روح عنصرية حاقدة وفاشلة ؟ …٢: مشكلة الافغان كمشكلة العراق ولبنان وغيرها من الدول المستعربة يريدون من الامريكان حمايتهم والصرف عليهم والقتال نيابة عنهم ، والمصيبة أن الكثير من القوات الافغانية في النهار حكومة وفي الليل طالبان ، والانكى ان الامركان في نظرهم مجرد كفار أو أهل ذمة حلال نهبهم وسرقتهم ، ولهذا لاينفع مع شعوب هذه الدول الخير والمعروف ٣: واخيرا …رغم ماساة الافغان بعد سقوطها بيد طالبان الا أنها ستكون خير درس لمن يريد الضحك على دول الغرب ، فالذي تأكله النعجة تزوعه عند الجزار ، وهذا ايضا تحذير لقادة الكورد اللاعبين عبى كل الحبال ، سلام ؟
إن عدم تجانس المجتمعات التي حشرت حشراً في كيانات سياسية مسخة هو السبب الرئيسي لفشل قيام دول ناجحة فيها. وهنالك إضافة الى الدول الفاشلة التي وردت في المقالة, كيانات فاشلة اُخرى اُقيمت في قلب اوربا مثل (يوغسلافيا الإتحادية) لأسباب سياسية عسكرية بعد الحرب العالمية الاولى بهدف تشكيل حزام أمني حول (لمانيا الخاسرة) لحماية دول غرب اوربا وبالخصوص فرنسا من أي هجوم الماني مباغت على اراضيها من قبل المانيا في المستقبل. كما أقاموا كيانا غير متجانس (جيك و سلوفاك) على الحدود مع المانيا لنفس الغرض. النتيجة هي ان هذان الكيانان سرعان ما إنفرط شملهما في اول فرصة أتيحت لهما. يوغسلافيا كانت منخورة من الداخل على الرغم من ظهورها أمام انظار العالم بأنها دولة إشتراكية متماسكة يقودها حاكم قوي مثل (تيتو). هذه التجارب الفاشلة في هذه الكيانات غير المتجانسة تدل على أن شعارات المواطنة التي رُفعت فيها من قبل القوميات الكبيرة لترسيخ حكمها على القوميات والاثنيات الاصغر منها أثبتت عدم جدواها, فالكوردي مثلا سيبقى منتميا الى كورديته بدلا من الإنتماء القسري للدول المحتلة لوطنه, وهذا شئ طبيعيّ لا يحتاج الى جدال.