لا يختلف اثنان ان بغداد دخلت التاريخ من اوسع ابوابه ولعل ما كانت تزخر بها ولا تزال من صفحات مشرقة هو خير دليل على الرغم من كل الاهوال التي مرت بها و الكوارث التي عاشتها فكان غزو المغول الذين احرقوا الحرث و النسل واطفاء تلك الحقبة المشرقة من تاريخ العباسيين التي عاشتها بغداد ثم جاء الاحتلال المتوالي لتصبح بغداد ساحة صراع بين فوهتي مدفعين في اعوام الغزو المتبادل في سنوات 1508 و 1534 و 1623 و 1638 لتقبع بغداد تحت احتلال عثماني استمر لاربعة قرون راح ضحيته الكثير من سكان بغداد يرافقه طاعون في عام 1831 و عام 1835 لينزل ضرية مؤامة و قاسية بسكان بغداد وقواه الانتاجية حتى يقال ان نفوس سكان بغداد قبل اجتياح الطاعون لها مائة وخمسون الف نسمه لم يسلم منها سوى عشرين الف ثم جاء الاحتلال البريطاني بعد الاحتلال العثماني المدمر لكنها ورغم كل هذه الاعاصير السوداء ظلت صامدة تدافع عن تراثها و امجادها ضد الغزاة الطامعين مستمدة ذلك الدفاع كونها مصدر اشعاع حضاري بدا قبل اكثر من ستة الاف سنة ، بغداد التي وصفوها بانها حالة خاصة وهذا يدل على اهميتها يكمن اثرها بقدرتها على التاثير في سائر بقاع الارض فهي ارض سلالات و تحولات دينية وسياسية ومتغيرات ليس لها شبيه ، لهذا فانها ستبقى محط انظار البشر وهدفا للاطماع والسيطرة لانها ارض ولادة لعقول وخلاقة لافكار جعل الشعراء و الادباء يتنافسون للوفود اليها والفوز بنوال خلفاءها وعطاياهم الذي خلق بابا كبيرا للمنافسة كان له تاثيره الايجابي في نهضة الادب و العلوم الاخرى و تترك الاثر في نفوس زائريها رغم ابتلاءها بحكام لم يعرفوا و يدركوا اهمية بغداد اذ لم يكلفوا انفسهم جهدا لتطويرها واعادة اشراقاتها العلمية و الادبية فكان الحكم الملكي الذي تاسس في عام 1921 واستمر حتى عام 1958 لم يولي اهتمام لبغداد ثم جاء الانقلاب العسكري في عام 1958 لتصبح بغداد ساحة للمناكفات السياسية و الصراعات المذهبية لتتحول بغداد من سيء الى اسوء بعد انقلاب الثامن من شباط الذي ملاء بغداد حمامات من دم فكان الاعدام و القتل و التشريد لسكان بغداد ليتبعه انقلاب 18 تشرين ، وقد عاشت بغداد فترة هدوء نسبي بين عامي 1966 و 1968 لتعود زمر الارهاب و تسيطر على بغداد مجددا ليحكموها بلغة النار و الحديد وبناء دوائر للاجهزة القمعية دون ان يولوا اي اهتمام لبناء المراكز العلمية و التربوية ليدب الرعب في كل مكان ويمنع الشعراء و الادباء من التفوه بكلمة واحدة تتعارض و سياسة النظام القمعي مما حدى بالكثير منهم ان يغادروا البلاد وفي طليعتهم شاعر العرب الاكبر ” محمد مهدي الجواهري ” الذي مات ودفن في بلاد الغربة وكان من نتاج سياستهم الحمقاء هو ادخال العراق في اتون حربين قاسيتين لم يجني منها النظام سوى الخيبة خسر فيها الشعب المليارات من ثرواته اضافة الى زهق ارواح الالاف من ابناء الشعب الذي كان اضخم اسمال للبلاد هذه الاموال و هذه الجهود البشرية التي راحت سدى كانت ستبني بغداد ومعها كل المدن العراقية لتبدأ بعدها فترة حصار اقتصادي القت بظلالها السلبية على المدارس و المعاهد وسائر المؤسسات العلمية و التربوية وبسقوط النظام في سنه 2003 تنفس العراقيون الصعداء بان عهدا جديدا من الازدهار و التقدم وان تشهد بغداد تطورا علميا و عمرانيا يعيد اليها القها وزهوها وقد سمعوا وعودا وعهودا ظهرت انها جوفاء لا بل ان يد التخريب طالت الكثير من معالمها و ساحاتها وحدائقها التي اضرت كثيرا بتصميمها الاساس رغم تخصيص المليارات التي ذهبت جميعها الى جيوب الفاسدين وسراق المال العام حيث ازيلت بساتين كثيرة وتحولت مساحاتها الخضراء الى مباني و هياكل كونكريتية بخلاف كل الانظمة التي تحافظ على البيئة وتنظيم حياة السكان فتعرضت نخيلها و اشجارها المكثفة و الجميلة و المثمرة الى مجزرة رهيبة كما ان عجز الدولة عن توفير الكهرباء ادى الى انتشار المولدات التي تقدر اعدادها بالالاف لتقذف الغازات السامة في سماء العاصمة كما ادى الاستيراد العشوائي للسيارات ان تمتلا شوارعها و دروبها و ازقتها الى مرائب للسيارات حيث يقدر عدد السيارات الموجودة في بغداد فقط باكثر من ثلاثة ملايين سيارة بعد ان كان عدد السيارات فيها اقل من نصف مليون سيارة و التي تفرز اطنانا من غاز ثاني اوكسيد الكاربون السامة مع غزو مستمر لعربات ” التكتك ” و ” الستوته ” و التي جعلت بغداد الغنية بتراثها و تقاليدها اشبه بعواصم الصومال و ارتيريا وغيرها من المدن التي ينتشر بها الفقراء و المعوزين الذين لا قدرة لهم على ركوب السيارات فهل يعقل ان يحصل لبغداد كما حصل لها الان انها قضية تبعث على الاسى و الاسف ان تكون بغداد التي ملاءت كتب الاسفار و التاريخ على هذا الحال بعد ان كانت تزهو بقبابها الصفراء و مناراتها السامقه ، بغداد الف ليله وليله وشهرزاد محطة انظار وقبلة زوار القادمين من اقصى بقاع العالم يتمتعون بليالي الكاظمية و الاعظمية و السمك المسكوف على شواطئ دجلة وكازينوهات ابو نؤاس وسوق الغزل و السراي بغداد التي قال عنها احد الشعراء ما مثل بغداد في الدنيا .. نعم هكذا كانت بغداد من ” عز باذخ ” الى” مجد باذخ ” تقول لزورها على الرحب تقدمون وبالخير تنعمون كانت مالئة الدنيا وشاغلة الناس اصبحت اليوم اشبه بطفلة يتيمة تبكي ليلها و نهارها فلا ام تحنوا عليها ولا أب يعطف عليها وسط افراح رفيقاتها ينعمن بالحب و الحنان .. لقد ذهبت عنها الخيلاء التي كانت تزهو بها و الكبرياء التي كانت تمتطيها على صهوة جوادها و التي انطلقت منها خيول الفتح الباب العالي و السد المنيع عروسة البلدان وغرة العواصم بغداد حاضرة الدنيا وما عداها باديه .. بغداد كلاستاذ في العباد اصبحت اليوم موحشة قفراء متوشحة بالسواد بعد ان كانت تزهو بحلتها القشيبة على الدوام .. انها تستصرخ هل من منقذ يخرجني من هذا الجحيم ؟ .. انها تنادي وتناشد احبابها ان يمدوا لها العون للنجاة من هذا الواقع المؤلم ليعيدوا لها زهوها ومجدها وعنفوانها كما كانت في سالف الايام اا

