نعم يا صاحبي لم اعد أبالي للأرقام في بلد ضاعت فيه الكثير من الأرقام، فقوانين لحضارات مذهلة اندثرت، واخلاق لشعب مدرسة على مستوى الشعوب تشرذمت، واديان اصبحت زبد طافي على منابر وكلمات على اللسن بغياب التطبيق، ودولة ورقية اصبحت اخاف عليها من زخات المطر، اذ ضاعت فيها ارقام فلكية من الموازنات، وفيها اعداد مهولة من المسؤولين الفاسدين الجاثمين على ثروات الشعب لسرقته.
فتعددت الاحزاب والخراب واحد، لم أرى رقما مفرحاً بحياتي، حتى النجاح في هذا البلد مقيد ومكبل بأصفاد المحسوبيات والقرابات والانتماءات، لم أعد ارغب برؤية الأرقام لأنني اعتبرها مشنقة الأمل في بلدي،_ يا سيدي ارغب أن أخذك بجولة في إحدى الجامعات_، أستاذ جامعي مراهق يعطي الارقام العالية للطالبات المرتبطات به، ويعاقب مجتهداً لأنه اعترض على التفاوت الواضح بينه وبين الطالبة الكسلانة، وعميداً حزبيا متواطئاً يفتخر بعدد الطلاب الذين فصلهم لأنه لا يستطيع أحد الوقوف بوجهه أياً كان موقعه إله “الله”.
_لندخل إحدى المحافظات الجنوبية لترى أرقام الخراب_، فكم تاجر مخدرات وكم متعاطي، وكم مغتصب وكم متحرش، وكم من يتيم بسبب الحروب، وكم أرملة تعتاش على القمامة، وكم مطلقة بسبب الوضع الاجتماعي والاقتصادي السيء، وكم مقاول فاسد وكم مهندس مرتشي، وكم مشروع بنى تحتية متوقفة بسبب الفساد، وكم شهادة مزورة وكم مسؤول فاشل، وكم حالة اصابة بمرض السرطان وكم شخص لا يستطيع تحمل تكاليف العلاج، وكم فقير انحرف الى طرق مظلمة بسبب العوز، وكم مريض مات بسبب الفقر الصحي للمؤسسات الصحية، وكم قاضي مرتشي حكم على بريء بالسجن وانهى حياته وحطم أحلامه، وكم من مجرم خرج على يده بحجة رأفة بشبابه، _ نعم يا عزيزي لا تستغرب ذلك_، فبعض القصص تتقرح الحروف لها وتنزف حبراً لتغير شكلها ومعناها خجلاً وألم ورهبة من هول القضية، لذلك لم أعد احترم الأرقام في بلدي.

