الفساد اصبح ثقافة مجتمع، فدخل المؤسسة الصحية، والتعليمية، والأمنية، والاقتصادية في الدولة العراقية، فلا نستغرب أن وجدنا طبيب فاسد، او معلم مرتشي، أو ضابط يتعامل مع أحدى الجهات الخارجة عن القانون، أو بنك مرابي.
لماذا نعيش إلى اليوم التراجع والترهل والعشوائية المقصودة في مؤسسات الدولة؟
لماذا نسمع عن فتح ملفات الفساد ولكن لا نسمع عن نتائج التحقيقات ولا عن العقوبات شيء يذكر؟
المجاميع المتورطة أو الأفراد في ملفات الفساد بعد مدة وجيزة نراهم في مناصب أو أماكن يستحقها غير الفاسدين من الكفاءات.
تتكون الهيكلية الإدارية في المؤسسات الحكومية من المدير ونائب المدير ورؤساء الأقسام والتفرعات الصغيرة الأخرى حسب طبيعة كل دائرة حكومية، لو حصل الفساد في أحد هذه الاقسام أو في الدائرة جميعها، وخرج من هذه البؤرة شخص نزيه يحمل هموم الوطن وهاجس الاصلاح، تبنى كشف ملفات الفساد، بالأدلة والبراهين، التساؤل هل تتحقق العدالة؟
للإجابة عن التساؤلات: حتى نعرف منشاء قوة هذا الفساد ومدى تغلغله في هذه المؤسسة، أوجدت تقسيم يبين البداية والنهاية للفساد بالنسبة للأماكن التي يبدأ منها وينتهي عندها، وجعلته ثلاث مستويات، وكل مستوى يحدد قوة الابتزاز ومدى تأثيره على المصلحين.
الأول: المركزي، يبدأ وينتهي في المسؤول الأول عن المؤسسة الحكومية وهذا أقوى أنواع الفساد، ومحاربته من داخل المؤسسة أشبه بالمستحيل كون الجميع تحت رحمة هذا المدير، وأي شعور له بالخطر يستخدم اقصى أنواع الابتزاز الإداري، من خلال تلفيق التهم، أو الأبعاد القسري عن المؤسسة، بطريقة النقل، أو إنهاء الخدمات.
الثاني: المستقيم، يبدأ من أعلى نقطة كأن تكون مدير المؤسسة أو مسؤول القسم وينتهي بأقل عنوان وظيفي في هذه المؤسسة كأن يكون عامل الخدمات، أو السائق، او الحارس، وهذا النوع من الفساد يمكن السيطرة عليه ومحاربته من خلال اللجان المختصة، في حالة البداية لم تكن من مدير المؤسسة بل أدنى من ذلك، كمسؤولين الاقسام، أو نائب المدير، وهنا يكون الابتزاز أقل حدة وتأثير من الأول.
الثالث: الشعاعي، هذا النوع كالفايروس في جسم الإنسان، لا يمكن السيطرة عليه، لأنه منتشر في الجسد بشكل عام إذ يشكل مستعمرة تنخر جسد المؤسسة، وتحارب كل شخص يشعر بالانتماء للوطن يحاول أن يصلح من موقعه، وهنا سيتعرض الشخص إلى أقوى أنواع الابتزاز كون المؤسسة جميعها ستقف ضده وتحاول أن تثنيه وتؤذيه بشكل كبير جدا.
بين الفساد المركزي، المستقيم، والشعاعي، يبقى الابتزاز الإداري وسيلة محبذة لإيقاف كل من يساهم في صد هؤلاء المفسدين، ويحاول إيقافهم أو القضاء عليهم، لذلك يعد من النادر تحقيق العدالة في هذه الملفات، كون الأغلب متورط في الفساد، أو لهؤلاء الاشخاص ارتباطات مع عصابات أو مافيات لها السطوة واليد الطويلة في المؤسسات، (كالأحزاب، والرتب العسكرية العليا، ومافيات السلاح والمخدرات، وتجار العلاجات الطبية..) لذلك يبقى الابتزاز سيد الموقف، وله أشكال منها: التهديد بالقتل، المجالس التحقيقية العشوائية، النقل، قطع الراتب، الفصل من العمل.. إلخ.

