كلنا يعلم أن دستور الحياة جلي لنا ، فمنذ نعومة اظفارنا ومنذ كنا اطفالاَ ، كنا نحلم أن ننمو في القامة والمعرفة ، وكانت لنا احلام الطفولة ، فقمنا بالكثير من الأعمال في سبيل الوصول إلى مبتغانا ، فندمنا لخطوات واعمال لم نقم بها ، وندمنا أيضاً لإعمالٍ قمنا بها ولم نفلح ، ولما أصبحنا يافعين ووصلنا إلى البلوغ ، صادفتنا معوقات حالت بين اهدافنا ورغباتنا ، فكنا احياناً شبه مسيّرين ، فلا تهتموا ، فلا نستطيع إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء .
والآن نرى اصحابنا قد تغيّرت ملامحهم ، فالبعض يتمتع بصحة جيدة وافضل منا وقسم ليس كذلك ، ويمشي ببطء وبصعوبة وقد إنحنى ظهره ، وشاب شعره ، وقسم رحل من هذه الدينا تاركاً ذكراه بحلوها ومرّها ، فماذا نفعل ؟
في الحقيقة : الصحة ( تاج على رؤوس الأصحاء ) كما يقال ، فهي افضل من الكنوز والأرصدة البنكية ، ولكن ! إعمل الممكن وتمتع بيومك ، فليس هناك ضمان ، أترك أثراً طيباً لدى أقربائك ومحبيك ومعارفك ، سافر ما إستطعت إلى ذلك سبيلاً .
أخرج إلى الحقول والبساتين وتمتع بزرقة البحر وهيبة السماء ، تأمل الطبيعة .
وقد تنسى بعض اسماء الأشخاص والأماكن فلا بأس بذلك ، فكثرة الفايلات في المخيّلة كثيرة ومتشعبة ، حاول أن تمرّن الذاكرة ببعض الألعاب والقراءة والتكرار
للمعلومات وربطها ببعض الأشياء التي تعينك على التذكر ، وقد تميل إلى الهدوء والسكينة وقيلولة الظهر ، فهذا طبيعي في هذا العمر ، وقد تغفو أمام التلفزيون اوعندما تقرأ كتاباً .
أنت الآن تحب الأغاني القديمة والأفلام القديمة ، وتميل إلى قلة الكلام وإبداء الرأي بإختصار شديد ، وتشتاق لرؤية الآصدقاء القدامى .
لديك الآن الكثير من المقتنيات التي تعتز بها ، كالملابس والتحف واللوحات وغيرها ، ولكن لا تحزن فنثرها وتوزيعها قد يفرح الكثيرين ، وقد لا تأتي الفرصة لإستعمالها كلها .
وزبدة الكلام : تمتع بيومك وساعتك وحتى لحظتك ، لإنه لا ضمان كما أسلفنا ، والربع الأخير من العمر جميل إذا إستطعنا أن نستغله بحكمة ، إلى كل ما يسعدنا ويفرح الآخرين ويترك بصمة في محيطنا وعند الناس من حولنا.
وأختمها بأشعار المتنبي في الحكمة :
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسامُ
ما كلّ ما يتمنى المرءُ يدركهُ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُفنُ
وفي النفسِ حاجاتٌ وفيك فطانةٌ سكوتي بيانٌ عندها وخطابُ

