في الحقبة التاريخية ما قبل عام 1960، العام الذي اقرت فيه الامم المتحدة حق الشعوب في تقرير المصير. في تلك الحقبة كانت حركات التحرر الوطنية تتعاظم وتتوسع مع اصوات تعالت مدوية في كل بقاع العالم منددة ومستنكرة الهيمنة الغربية واستحواذها على ثروات وموارد الشعوب الطبيعية. وكانت المصطلحات كالامبرياليزم والكابتاليزم وغيرها من مصطلحات الهيمنة اللااخلاقية هي السائدة في النشاطات الثورية للشعوب المستضعفة.
وبعد تحرر الكثير من البلدان النامية ونيلها الاستقلال السياسي، نجد ان القوى الاستعمارية عادت الى الظهورمن خلال هراوة يلوح بها ترامب بوجه الشعوب دون استثناء، وتصريحات عشوائية فارغة ( تراجع عنها لاحقا ) معتقدا بانه سوبرمان زمانه كما كان عليه دون كيشوت المشهور. قصة الاحمق الذي ظن نفسه في مهمة مقدسة، وكان يحارب بسيف من خشب، وقد انتهى به هذا الهوس الشديد بالفروسية حتى فقدانه الصواب جامعا بين أوهامه والواقع.
كان ترامب متخبطا في تنقلاته الكثيرة بين الكبوات والانتصارات محاولا تجميل صورة العائلة. ولد ترمب سنة 1946 في حي كوينز بنيويورك من عائلة مهاجرة من ألمانيا. اما الوالدة ماريا فهي مهاجرة من اسكتلندا بعمر لايتجاوز 17 عاما لتعمل خادمة في البيوت الامريكية. والشائع عن ترامب، كصبي، انه كان يقوم بتوصيل اللحوم لدى جزار، وبائع جرائد، ويقال إنه درس السباكة والبناء والأسلاك الكهربائية من خلال دورات المراسلة. علما ان جده فريدريش ترامب قد هاجر الى الولايات الامريكية وعمره 16 عاما ومعه 50 دولار ليعمل في المطاعم حتى امتلاكه مطعما وفندقا. المفارقة ان ترامب يدعو الى طرد المهاجرين من امريكا وينسى اصل انه من عاائلة مهاجدرة ايضا.
ان الابن على سر ابيه، وهو مثل شعبي شائع. فإيمانه بان جمع المال هو الطريق الذي يمهد أن يكون من نخبة المجتمع ومن ثم الطريق الى السلطة. وبشعاراته الشعبوية وعلمه بحب العامة لجيوبهم تمكن من كسب الجماهير العاشق للبطل الشعبوي الذي يتمتع بالجرأة والشجاعة والمغامرة.
ان توليه الرئاسة للمرة الثانية جعلته يندفع بشدة نحو تفكيك المعادلات الدولية الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية فقرر: الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ بهدف استعمال الفحم الحجري، وتوسيع إنتاج النفط والغاز. والانسحاب من منظمة الصحة العالمية. واوقف برامج المساعدات الأميركية الخارجية. وطالب حلفاءه في الناتو الى رفع مساهمة كل دولة فيه إلى ما لا يقل عن خمسة في المائة من ناتج ناتجها القومي مقابل الدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان خارجي. ثم قام بفرض رسوماً جمركية عالية على كل واردات بلاده من الخارج، وبخاصة من دول الاتحاد الأوروبي والمكسيك والصين وتايوان وكندا لتعديل ميزان التبادل التجاري كي تصب في مصلحة الولايات المتحدة الامريكية.
أن هذا التوجه التجاري والنهج الاقتصادي لتراتمب هو بمثابة إعلان حرب اقتصادية عالمية واسعة، والذي سينطوي على ردود فعل داخلية وخارجية لذلك التوجه، وستكون لها آثار سلبية على المستهلك، إذ سترفع الأسعار وتسبب تضخماً كبير. فهذا التوجه غير العقلاني لايؤدي إلا الى ارباك الاقتصاد العالمي وبالاخص أن أميركا لا تستطيع أن تكتفي ذاتياً، ولاتنتج كل احتياجاتها، سواء في التصنيع العسكري أو في المنتجات الاستهلاكية. فنسبة مساهمة الولايات المتحدة الأميركية في الاقتصاد العالمي حاليا لا تزيد على 16% ، في حين سنة 1945 بعد الحرب العالمية الثانية كانت بنسبة 45%. هذه النسبة العالية بعد الحرب العالمية الثانية مكَّنت أميركا من فرض قاعدة بريتون وودز (الذهب مقابل الدولار)، وهيمنة الدولار الأميركي على المعاملات التجارية الدولية وفرضه كعملة عالمية. في هذا السياق لايمكن اعتبار نهج ترمب الاقتصادي وفلسفته التجارية المذكورة إلا ترسيخا لسياسة ترامبريالية جديدة (امبريالية الجديدة) وفرض الهيمنة التامة على المقدرات والامكانيات الاقتصادية لدول العالم.
الترامبريالية وجنون العظمة
عشية اليوم الثاني من توليه الرئاسة “الثانية” اصدر اكثر من مائة قرار ومنها عزل اسماء الموظفين الموالين لبايدن، وأخرى تعيين شخصيات ولائية غير كفوءة ودون خبرة بهدف إخاضعهم لارادته ولاهدافه الجهنمية الخارجة عن القوانين الدولية دون اي اعتراض. كما أنه استخدم في كل قراراته وسلوكه السياسي نظرية «الرجل المجنون» الخارج عن السيطرة ليذهب في الأمور إلى أقصاها معتقدا أنه سيدفع الجميع إلى الذهاب بخيارات مجنونة كي يصل إلى حلول تتوافق مع نزواته اللامنطقية.
ان مايذهب اليه ترامب في دخوله في مشاحنات مع اقرب الدول الحليفة وتغريداته الجوفاء الواهية بفرض الضرائب على دول تخضع لمنظمة التجارة الدولية وقوانينها، واطماعه في ضم كندا وبنما وجزيرة كرينلاد دون حق، ليس إلا خيارا دونكيشوتيا من شأنه زعزعة اسس الاقتصاد العالمي وتهديدا للامن والسلام الدوليين..
كما نعلم ان مايدور في عقل ترمب هو تعلقه بالنظريات الخاصة بالنظام الماركتنتالي المنصب على التجارة وتراكم الاموال والاستخواذ على الممتلكات واراضي الآخر، ومن خلال شعار “امريكا اولا” واهما نفسه أنه قد يحقق احلامه المريضة وإن كان ذلك على حساب سعادة البشرية وارباك الاقتصاد العالمي الذي بدأ بالانهيار منذ استلامه الرئاسة الثانية.
اسرائيل والشأن الفلسطيني
الاخطر في عنجهية الخطاب الترامبريالي هو اعلانه عن مشروع تهجير قطاع غزة من سكانها وترحيلهم لمصر والاردن، وتحويل ارض غزة الى ريفييرا كساحة جاذبة لمشروع استثماري ومن ثم اهداء هذه الارض للحكم الصهيوني كما خطط لذلك منذ وعد بلفور لغاية يومنا. فقد ذكر الكثير من المحللين والكتاب العرب عن اشكالية القضية الفلسطينية ومنهم السيد جمال الكشكي العامل في مؤسسة الاهرام حيث يقول: “نحن نعلم أن هذا المخطط تم تنفيذه عام 1947 قبل إعلان الدولة الإسرائيلية على جزء من أرض فلسطين عام 1948، وجميع الزعماء الصهاينة وضعوا خطوطه العريضة بلا مواربة، بدءاً من تيودور هيرتزل وزئيف جابوتنسكي، وديفيد بن غوريون، وغولدا مائير، ومناحيم بيغن، وإسحاق شامير، وصولاً إلى بنيامين نتنياهو، وجميعهم أو معظمهم من أصول أوروبية”.
وهنا لايسعنا إلا التذكير بأن قرارات الامم المتحدة بالشأن الفلسطيني وجب تطبيقها كالقرار 181 لعام 1947 الخاص بتقسيم فلسطين الى كيانين عربي ويهودي، والقرار194 والخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ارضهم، كما جاءت قرارات عدة تتعلق بانسحاب اسرائيل من الاراضي التي اغتصبتها اسرائيل عام 1967. ورغم التوقيع على اتفاقات سلام بين مصر والاردن وفلسطين مع اسرائيل ودعوات الكثير من دول العالم، من ضمنهم اعضاء الجامعة العربية ومبادرة السلام العربية عام 2002 التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت العربية، إلا ان اسرائيل ومن وراءها الولايات المتحدة الامريكية لم تبالي مطلقا بتلك القرارات الاقليمية والدىولية.
المفارقة ايضا هو ان ترامب لم يناور باحاديثه كباقي رؤساء امريكا او النخب الحاكمة، وانما يكشف عن مخططاته ونواياه بشكل واضح وسافر كاشقا الغطرسة والمكابرة التي هو عليها. الامر الذي يتطلب انتباها عميقا ويقظة تامه بابعاد الطروحات والتصورات الخطيرة للولايات المتحدة واسرائيل. فتصفية القضية الفلسطينية والتهجير القسري لإهلنا في غزة لاتمس المستقبل السياسي للدول العربية فحسب، وانما الامن القومي العربي وسيادتها الوطنية. كما نحذر ترمب من أن قراراته العشوائية بشأن التهجير الطوعي او القسري لن تمر دون رد فعل عربي واسلامي. وان صناعة الازمات، وتحديدا الاقتصادية، لن تحقق الاماني والاهداف الصهيونية. فرسالة مصر والسعودية، وقد تتبعها الجزائر والصين وكوريا الشمالية وروسيا، جلية وحاسمة بأن شعوبنا لن تسمح بتمرير هذا المخطط الترامبريالي مهما كان الثمن.

