في بلد لم يخرج فعليًا من نير الاحتلال الأمريكي ولا من عباءة النفوذ الإيراني، تعيش الدولة العراقية اليوم صراعًا وجوديًا بين مؤسساتها الرسمية والفصائل المسلحة التي فرضت نفسها كقوة أمر واقع، تتقدم على الدولة في مناطق واسعة من القرار السياسي والعسكري. وفي قلب هذا المشهد المأزوم، يظهر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لا كقائد استثنائي يُراهن عليه لإعادة العراق إلى مساره الوطني، بل كوجه إداري باهت، عاجز عن مواجهة المليشيات، وفاقد للرؤية والقدرة معًا.
جاء السوداني إلى رئاسة الحكومة بتوافق هشّ داخل ما يُعرف بـ”الإطار التنسيقي”، وهو تحالف سياسي يدين بولائه لإيران أكثر مما يرتبط بمفهوم الدولة العراقية. وبمجرد تسلمه المنصب، بدأ الرجل بترديد العبارات المألوفة حول “حصر السلاح بيد الدولة” و”فرض هيبة القانون”، لكنه لم يقدم أي مشروع إصلاحي ملموس، بل بدا كمن يسير فوق حقل ألغام سياسي، مترددًا في كل خطوة، ومرتهنًا لتوازنات لا تسمح له بتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها الفصائل منذ سنوات.
الواقع الأمني لم يتغير كثيرًا، بل ازداد تعقيدًا. فالفصائل المسلحة، التي تشكل جزءًا رسميًا من “الحشد الشعبي” وجزءًا غير معلن من مراكز النفوذ الموازية، ما تزال تستعرض قوتها في العاصمة بغداد والمدن الجنوبية، وتُصدر تهديداتها للمؤسسات دون أن تتلقى أي ردع حقيقي. بل إن الحكومة نفسها أصبحت في أحيان كثيرة مُجبرة على التنسيق معها بدل مواجهتها، ما أفقد مؤسسات الدولة معناها. وحين حاول السوداني فتح بعض ملفات الفساد داخل منظومة الحشد، كان الرد فوريًا: استعراضات مسلحة وتهديدات علنية أجبرت الحكومة على التراجع والتبرير، وكأن زمام الحكم ليس بيدها.
في هذا السياق، بدت حكومة السوداني كسلطة شكلية تحكمها تفاهمات الظل، لا إرادة وطنية مستقلة. فالرجل الذي يفتقر إلى الكاريزما والرؤية الاستراتيجية، لا يمتلك الشجاعة اللازمة لمواجهة منظومات السلاح غير الرسمي، ولا حتى الكفاءة الإدارية لمعالجة ملفات الاقتصاد المنهار، أو أزمة الكهرباء، أو العلاقات الخارجية المتذبذبة. والأسوأ من ذلك، أن السوداني، كسابقيه، يسير وفق منطق “البقاء في المنصب بأي ثمن”، حتى لو كان الثمن هو العراق نفسه.
لكن العجز الأمني لا يُفهم بمعزل عن الفساد المالي، الذي بات السمة الأبرز للحكم في عهد السوداني. ففي الوقت الذي يُرفع فيه شعار “محاربة الفساد”، تتورط أعلى الدوائر المحيطة به بفضائح مالية صادمة. فقد كشفت التحقيقات عن تورط شقيقه، عباس السوداني، في تلقي نحو نصف مليار دولار من رجل الأعمال الهارب نور زهير، أحد المتهمين الرئيسيين في فضيحة “سرقة القرن”، والتي اختفى فيها أكثر من 2.5 مليار دولار من أموال الضرائب العامة. وعلى الرغم من صدور مذكرة قبض بحقه، فقد تم تهريبه إلى تركيا، في فضيحة تُلخص العلاقة بين السلطة والعدالة.
لم يقتصر الأمر على ذلك، إذ أوكلت إلى عباس السوداني ملفات تنفيذية حساسة، أبرزها “الجهد الهندسي الحكومي”، الذي تحول إلى كيان شبه سري بعيد عن أي رقابة مؤسساتية، مع معلومات عن رواتب خيالية تصل إلى خمسة ملايين دينار شهريًا، وفضيحة عمولة بقيمة 1.2 مليار دولار ضمن مشروع “مترو بغداد”، الذي انسحبت منه الشركة المنفذة بعد اكتشاف التلاعب. لا أحد ساءل أو حاسب، في بلد تتحول فيه المشاريع إلى فرص نهب ممنهجة، والعدالة إلى شعارات انتخابية.
وفي الوقت الذي تُهدر فيه المليارات على مشاريع متعثرة أو وهمية، تُترك المحافظات الجنوبية تغرق في الظلام والتهميش. الفقر يتفشى، البطالة تتفاقم، الشباب إما ينتحرون أو يهاجرون، والخدمات في انهيار دائم. ورغم ذلك، لا تزال الحكومة تموّل حملات دعائية عبر صفحات مأجورة وكتّاب مأجورين لتجميل صورة السلطة، وتبرير الانهيار بمنطق المؤامرات الخارجية.
أما التحدي الإقليمي، فقد فاقم هشاشة الحكومة. فالعراق يُستخدم مجددًا كساحة لتصفية حسابات بين إيران وإسرائيل، بينما تقف الحكومة متفرجة، غير قادرة على لجم الفصائل المرتبطة بالخارج، والتي باتت تشكل خطرًا مباشرًا على السيادة الوطنية. وفي كل مرة يُستهدف فيها العراق، تكون ردة فعل السوداني محصورة في بيانات إنشائية لا تتجاوز حدود الإعلام.
ومع ذلك، هناك ما يلوح في الأفق من احتمالات لسيناريو مختلف. فبعض التسريبات تفيد بأن السوداني، مدفوعًا بضغوط داخلية وخارجية، قد يفكر في استغلال انشغال الفصائل الولائية بالصراع الإيراني الإسرائيلي لإعادة ترتيب البيت الأمني، وربما تنفيذ ضربة محدودة تستهدف بعض الأجنحة الأكثر تمردًا داخل تلك الفصائل. الطموح المعلن هو استعادة الهيبة، ولكن الواقع يُظهر أن أي محاولة من هذا النوع ستكون مغامرة محفوفة بالخطر، ما لم تُبنَ على إجماع سياسي داخلي ودعم دولي واضح. فالفصائل، رغم انشغالها، ما تزال قادرة على زعزعة الداخل العراقي متى ما شعرت بأن وجودها مهدد.
لقد فشل السوداني في إثبات كونه قائدًا لمرحلة حساسة. ورغم ما يحيط به من خطاب “الاعتدال”، فإن أداءه لا يعكس إلا استمرارًا لمنهج إدارة الأزمة، لا معالجتها. فالفصائل ما تزال فوق الدولة، والمال العام يُدار كغنيمة، والمؤسسات رهينة المحاصصة، والمشاريع تذهب إلى جيوب المتنفذين. والسوداني، بدلًا من أن يكون جزءًا من الحل، بات وجهًا آخر للأزمة.
العراق، في ظل هذا الواقع، يسير نحو نموذج أكثر بؤسًا من التجربة اللبنانية: دولة بلا مؤسسات، حكومة بلا سلطة، فصائل بلا مساءلة، وقيادة بلا مؤهلات. وما لم يعِ العراقيون أن المشكلة لم تعد في الفصائل وحدها، بل في قمة الهرم التنفيذي، فإن الانهيار سيتحول من أزمة إلى مصير.

