في سابقة كشفت عن قدرة تكتيكية لكنها مكشوفة، أظهر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب قدرا من استثمار الأدوات الدبلوماسية والعسكرية لإدارة صراع معقّد مع إيران دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ففي البداية، اراد ترامب خداع ايران بمفاوضات ظاهرها السلام، وباطنها تمهيد لحرب مفاجئة استمرت 12 يومًا، اعتقد أنها ستؤدي إلى إسقاط النظام السياسي في ايران.
لكن نتائج تلك الحرب لم تسر وفق ما خُطط لها، فلم تُسقط النظام في طهران، بل كشفت عن متانة الردع الإيراني.
صواريخ إيران طالت إسرائيل وألحقت بها أضرارًا مباشرة، فسارع ترامب إلى تبديل قناعه من رجل الحرب إلى “حمامة سلام” حرصًا على احتواء الورطة وحماية الحليف الأبرز في المنطقة.
وأمام الرد الإيراني الصلب، وخاصة الضربة التي استهدفت قاعدة “العديد”، تعمّق لدى ترامب أن استمرار الحرب لم يعد مجديًا، بل قد يكلّف واشنطن وحلفاءها أثمانًا جسيمة، فسارع للتوسل من اجل ايقاف سريع للحرب ووجه انتقادات لاذعة لإسرائيل.
وبعد ان توقفت الحرب، ولأن امريكا واسرائيل لم يتراجعا عن هدفهما المعلن في تحجيم دور ايران او تفكيكها، تفتّق ذهن ترامب عن خطة جديدة تقوم على تزويد إسرائيل بأسلحة الردع التي لطالما احتكرتها أميركا، وفي مقدمتها طائرات B-2، القادرة على حمل نحو 18 طنًا من المقذوفات العملاقة، بهدف إنشاء حالة “ضرب بالنيابة”.
هذه الخطة التي يُناقشها الكونغرس حاليًا، تتأسس على فرضية مفادها: طالما أن إسرائيل هي من توجه الضربة باستخدام هذه الطائرات، فلا مبرر لإيران لاستهداف المصالح والقواعد الأميركية مباشرة، وهو منطق يحاول ترامب ترسيخه كغطاء سياسي لحماية المصالح الحيوية الأميركية في المنطقة.
غير أن طهران، بحسب قراءتها للمشهد، لا تفصل بين اليد الأميركية والأصابع الإسرائيلية. فالمعركة من منظورها ليست مع “من نفذ الضربة”، بل مع من خطط ومول ومكّن.
لذلك، فإن الرد الإيراني المحتمل لن يأخذ بعين الاعتبار الرايات، بل الجهة الحقيقية التي تقف خلف المسرح.
وقد لا يطول صمت طهران أمام ما تعتبره لعبة مكشوفة تستهدف إحراجها أو تطويق ردّها عبر تفويض “إسرائيل” بالمهمة.
فالقيادة الإيرانية، المتشبعة بثقافة الردع، تنظر إلى التورط الأميركي – سواء كان مباشرًا أو عبر الوكلاء – بصفته سببًا كافيًا لضرب المصالح الأميركية في المنطقة دون تردد.
فالقواعد الأميركية في الخليج والعراق وسوريا، وشبكة المصالح الاقتصادية في مضيق هرمز، تبقى أهدافًا محتملة في حسابات الرد.
الرد الإيراني، بحسب قراءات متعددة، قد لا يكون متسرعًا أو عاطفيًا، بل مدروسًا كما كان الحال في استهداف قاعدة “العديد”.
وأي محاولة لتقسيم أدوار العدوان لن تُعفي الشريك الأميركي من تبعاته. فطهران تدرك أن طائرات امريكا العملاقة لا تُقلع من فراغ، بل من غطاء سياسي وتمويل لوجستي يحمل بصمات واشنطن قبل تل أبيب.
وما يظهر أنه دهاء استراتيجي لترامب قد يتحوّل إلى بذرة فوضى إقليمية تتجاوز قدرة واشنطن وتل أبيب على احتوائها.
فحين تُختزل الحروب في تكتيك المفاجآت والتفويضات، وتُغفل حسابات الكرامة الوطنية وردّ الفعل الوجودي، يصبح كل شيء عرضة للاشتعال.

