ماذا على إقليم كردستان أن يفعل لتجاوز أزماته وتعزيز مكانته الدولية والداخلية؟ الاقليم في خطر جدي!!

يعيش إقليم كردستان مرحلة حاسمة من مراحل تاريخه الحديث، تتجلى فيها تراكمات أزمات سياسية وأمنية واقتصادية خانقة، تهدد ليس فقط استقراره الداخلي، بل أيضاً موقعه الاستراتيجي داخل المعادلة العراقية والإقليمية. وفي ظل تصاعد التحديات، وقرب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية، يبدو أن الإقليم قد دخل مرحلة حرجة تتطلب خطوات جريئة ورؤية واضحة لإعادة ترتيب الأوراق.

الأزمة الاقتصادية: الخناق يزداد ضغطاً على المواطنين

لا يخفى على أحد أن الإقليم يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، تتجلى في تأخر رواتب الموظفين، وتدهور الخدمات الأساسية، وتفشي البطالة، وانعدام فرص العمل، خاصة بين الشباب. ورغم أن بعض هذه الأزمات يعود إلى الظروف الخارجية، مثل تراجع أسعار النفط وتأثيرات الجائحة، إلا أن السبب الرئيسي يكمن في سوء الإدارة المالية، وعدم وجود سياسة اقتصادية واضحة، وغياب الشفافية في توزيع الموارد .

وهذا الواقع أدى إلى تذمر شعبي واسع النطاق، وفقدان الثقة بين المواطن والحكومة ، ما يهدد باحتمال اندلاع احتجاجات جديدة إذا لم تُتخذ خطوات عملية لتحسين الوضع المعيشي.

الملف الأمني: فشل في مواجهة التحديات المتزايدة

لم تقتصر الأزمات على الجانب الاقتصادي فحسب، بل طالت أيضاً الملف الأمني ، الذي يُعد ركيزة أساسية لاستقرار أي دولة أو إقليم. فرغم التصريحات المتكررة من المسؤولين في الإقليم حول قدرة المؤسسات الأمنية على حماية السيادة الكردية، إلا أن الاستهدافات المتكررة للإقليم عبر الطائرات المسيرة  تُظهر فشلاً واضحاً في وضع استراتيجية وقائية فعالة .

غياب الردع، وقلة الكفاءة في التعامل مع التهديدات الحديثة، زاد من شعور المواطنين بعدم الأمان، ورسخ في أذهان الكثيرين أن الإقليم غير قادر على حماية نفسه، ناهيك عن الدفاع عن مصالحه السياسية والقومية .

الملف السياسي: فراغ داخلي وعزلة خارجية

على الصعيد السياسي، يعاني الإقليم من فراغ حكومي مستمر منذ تسع أشهر بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة ، دون التوصل إلى تفاهم على توزيع الحقائب الوزارية أو تشكيل حكومة جديدة قادرة على مواجهة التحديات.

هذا الفراغ أدى إلى تشتت الخطاب السياسي الكردي، وضعف التمثيل في المحافل الوطنية والدولية ، كما ساهم في تعميق الخلافات بين الأحزاب الكردية الكبرى، وفشلها في احتواء المعارضة والناشطين المدنيين الذين يطالبون بإصلاحات حقيقية وشاملة .

التحدي العراقي: تراجع النفوذ الكردي في بغداد

في ظل هذه الأوضاع، يُتوقع أن يشهد الحضور الكردي داخل المشهد السياسي العراقي تراجعاً ملحوظاً ، سواء من حيث عدد النواب أو من حيث الوزن التفاوضي في تشكيل الحكومة الجديدة. ففي ظل انقسام الصف الكردي، وضعف التمثيل البرلماني، وغياب الرؤية الموحّدة، من الطبيعي أن تقلص القوى السياسية في بغداد من حساباتها مع الأحزاب الكردية .

ومن المرجح أن نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية من جانب المواطنين الكرد ستكون منخفضة ، نتيجة الإحباط الذي يسيطر على الشارع الكردي، ما يُضعف أكثر من موقع الأحزاب الكردية في المعادلة الحكومية.

ما يجب أن يفعله إقليم كردستان؟

لكي يتجاوز إقليم كردستان هذه المرحلة الحاسمة، عليه أن:

  1. يُجري مراجعة جذرية للسياسات الداخلية، ويعيد ترتيب الأولويات لصالح المواطن، ويعمل على تحسين الخدمات ودفع الرواتب بانتظام .
  2. يضع استراتيجية أمنية شاملة لمواجهة التهديدات الخارجية، ويعمل على تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية والأمنية، ويرتبط ذلك ببناء شراكات استراتيجية مع دول قادرة على دعمه في هذا المجال .
  3. يُشكل حكومة جديدة بأسرع وقت، على أساس الكفاءة والتمثيل العادل، بعيداً عن المحاصصة والحسابات الحزبية الضيقة .
  4. يُعيد بناء العلاقة مع بغداد على أسس جديدة، قائمة على الاحترام المتبادل، والالتزام بالدستور، وحل القضايا العالقة مثل النفط والموازنة والحدود و بشكل جدي و الابتعاد عن المماطلة .
  5. يُعيد ترتيب البيت الداخلي، ويُظهر وحدة الصف الكردي في المحافل الدولية، ويُعزز من حضوره في المحافل الإقليمية والدولية، من خلال تقديم نموذج مُختلف للإدارة والشفافية والانفتاح .
  6. يُعطي مساحة أكبر للمجتمع المدني والمعارضة السلمية، ويعمل على تلبية مطالب الشارع من خلال إصلاحات حقيقية وشفافة، لا تُستخدم كشعار انتخابي فقط .
 إما الإصلاح أو المجهول

إذا لم تُتخذ خطوات جادة وسريعة لإصلاح الوضع الداخلي في إقليم كردستان، فإن المرحلة المقبلة قد تشكل مفترق طرق خطيراً يهدد بانهيار الوضع أكثر، ويُضعف الوجود الكردي في المعادلة العراقية والإقليمية.

الوقت ليس لصالح الإقليم، والمطلوب اليوم شجاعة القرار، ونضج القيادة، وإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع الذات أولاً، ومع الآخرين ثانياً . فالمستقبل لا يُبنى على الماضي، بل على الرؤية الواضحة والخطوات الجريئة.