تحليل إخباري: هجوم لورا لومر على توم براك يُعيد فتح جدل حول “دبلوماسية النفوذ” في السياسة الخارجية الأمريكية

 

صوت كوردستان: 

في تطور لافت يعكس تصاعد الخلافات داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول مسار السياسة الخارجية في الشرق الأوسط، شنت الصحافية البارزة لورا لومر، المعروفة بقربها من الرئيس دونالد ترامب، هجوماً حاداً على توم براك، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي إلى سوريا، متهمة إياه بـ”تمكين التوسع الجهادي” و”تقويض القيم الأمريكية” لصالح مصالح أجنبية، في ما قد يُعدّ أخطر انتقاد يُوجَّه لمسؤول دبلوماسي أمريكي على صلة مباشرة بملف سوريا منذ سنوات.

التحليل التالي يُعيد قراءة الأحداث من زوايا متعددة: الشخصية، السياسية، الأمنية، والجيوسياسية.

1. من هو توم براك؟ صعود “رجل العقارات” إلى قلب السياسة الخارجية

توم براك ليس دبلوماسياً تقليدياً. فهو ملياردير في العقارات، ومُموّل سياسي قديم للحزب الجمهوري، وصديق مقرب من ترامب. تم تعيينه سفيراً للولايات المتحدة في تركيا عام 2018، ثم عُيّن مبعوثاً خاصاً إلى سوريا في عهد إدارة ترامب، واستمر في هذا الدور بشكل غير رسمي حتى اليوم، رغم تغيّر الإدارات.

ما يثير الجدل هو أن براك لا يمتلك خلفية دبلوماسية أو عسكرية أو استخباراتية، بل تم تعيينه بناءً على ولائه السياسي وعلاقاته الشخصية، وهو ما يُعدّ نموذجاً متكرراً في عهد ترامب، لكنه يُنظر إليه في الأوساط التقليدية للخارجية الأمريكية على أنه “تعيين بالمحسوبية”، لا بالكفاءة.

الاتهامات الجديدة التي أطلقتها لومر تتجاوز الانتقادات الإدارية، لتصل إلى المسؤولية الأخلاقية والأمنية، إذ تزعم أن براك “يُعيد تصنيف الجماعات الجهادية كمقاومين قبلية”، ويُخفف من حدة الفظائع التي ترتكبها جماعات مثل هيئة تحرير الشام (HTS)، التي ما زالت مصنفة من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة كتنظيم إرهابي مرتبط بـ”القاعدة”.

2. السويداء: مركز العاصفة الأخلاقية

أبرز ما في تقرير لومر هو التركيز على مجزرة السويداء، حيث تشير إلى أن براك تجاهل تحذيرات استخباراتية إسرائيلية مسبقة حول هجوم وشيك على الأقلية الدرزية في جنوب سوريا، ثم لاحقاً حاول تحميل إسرائيل مسؤولية الجرائم التي ارتكبتها قوات الجولاني.

وبحسب التقرير، تم تسريب اتصالات تُظهر أن مكتب براك ناقش “إعادة توجيه اللوم” عن الجماعات المسلحة نحو الجيش الإسرائيلي، في محاولة لتبرئة الجولاني وحلفائه المدعومين من تركيا وقطر.

لكن الواقع كان معاكساً تماماً:

  • مقاطع فيديو وشهادات ناجين أثبتت أن المهاجمين كانوا من عناصر هيئة تحرير الشام.
  • جنود سوريون مُسجون اعترفوا بأنهم ارتدوا زي “داعش” وزي البدو السُنة لتنفيذ إعدامات جماعية، في محاولة لخلط الأوراق.
  • الضحايا، من النساء والأطفال، تعرضوا للاغتصاب والذبح والتشويه، في جرائم تُشبه تلك التي ارتكبها داعش.

هذا التباين بين الرواية التي يروج لها براك، والواقع الموثق، يُشكل فضيحة دبلوماسية وأخلاقية، وفقاً للكثير من المراقبين.

3. اتهامات بالانحياز لتركيا وقطر: هل تُدار السياسة الأمريكية من أنقرة والدوحة؟

النقطة الأهم في الاتهامات هي أن براك، بوصفه سفيراً في تركيا، موّل وسهّل سياسات تخدم المصالح التركية والقطرية، بما في ذلك:

  • حماية جماعات مرتبطة بالإخوان المسلمين.
  • دعم فصائل مسلحة في سوريا تُعتبر “مقاتلين ضد النظام” لكنها تُمارس العنف الطائفي.
  • تجاهل الانتهاكات بحق الأقليات غير المسلمة (الدروز، المسيحيين، العلويين).

وهذا يُعيد طرح سؤالاً جوهرياً: هل تُدار السياسة الأمريكية في سوريا من خلال عدسة أنقرة والدوحة؟
فتركيا وقطر دعمتا منذ 2011 فصائل إسلامية مسلحة في سوريا، بذريعة “الثورة”، لكن كثيراً من هذه الفصائل تحولت إلى أدوات للتوسع الجهادي، وساهمت في تفكيك الدولة السورية.

ومع أن واشنطن تُصرّ على أن شراكتها مع قسد (التي يُنظر إليها كعدو لتركيا) تُوازن هذا النفوذ، فإن تعيين شخصيات مثل براك يُظهر أن هناك تياراً داخل الإدارة الأمريكية يميل إلى التقارب مع أنقرة والدوحة، حتى على حساب الحلفاء التقليديين مثل إسرائيل والأقليات الدينية.

4. التبرئة القانونية لا تعني البراءة السياسية

يُذكر أن براك برّئ من اتهامات بالفساد عام 2022، لكن المسؤول السابق في وزارة الخارجية، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، قال: “التبرئة لم تُطهّر اسمه، بل كشفت أسلوبه”.
هذه العبارة تُلخّص جوهر المشكلة: حتى لو لم يُثبت فساده مالياً، فإن سلوكه الدبلوماسي يُشكّل تهديداً استراتيجياً.

فالمبعوث الخاص إلى سوريا ليس مجرد دبلوماسي، بل هو من يُشكّل الرؤية الأمريكية للحل السياسي، ويدرب الفصائل، ويحدد من هو “مقاوم” ومن هو “إرهابي”.
وإذا كان هذا الدور مُسخّراً لحماية جماعات متطرفة، فهذا يعني أن السياسة الأمريكية تُستخدم كأداة لشرعنة العنف الجهادي.

5. لماذا الآن؟ سياق سياسي داخلي حساس

يأتي هذا الهجوم في وقت حساس:

  • ترامب نفسة في البيت الأبيض في 2025.
  • هناك صراع داخلي بين “التيار التقليدي” في الحزب الجمهوري والمقربين من ترامب.
  • لومر، رغم دعمها لترامب، تُوجّه انتقاداً لشخصية كانت تُعتبر من “الدائرة الداخلية”.

قد يُفهم من هذا أن هناك انشقاقاً داخل معسكر ترامب حول من يجب أن يُمثل السياسة الخارجية. فهل نريدها دبلوماسية مبنية على العلاقات والولاءات، أم على الخبرة والاستراتيجية؟

6. التداعيات: أمن قومي أم مصالح شخصية؟

تختتم لومر تقريرها بالقول:

“كلّفت أفعال براك أرواحاً وقوّضت المكانة الأخلاقية لأميركا. واستمراره في تمكين الجولاني يشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي وللأقليات الدينية غير المسلمة كافة”.

هذه الجملة تُحوّل القضية من مجرد “سوء إدارة” إلى مسألة أمن قومي.
فإذا كانت الولايات المتحدة، عبر مبعوثها الخاص، تُساعد جماعات متطرفة على تجنيد عناصر جديدة، وتُبرر جرائمها، وتُقَوّض مصداقية حلفائها (مثل إسرائيل)، فإن ذلك يُعيد تعريف الدور الأمريكي في المنطقة: ليس كـ”ضامن للسلم”، بل كـ”مُسهّل للعنف”.

 دبلوماسية النفوذ أم دبلوماسية المبدأ؟

الهجوم على توم براك ليس مجرد خلاف إعلامي، بل هو معركة حول هوية السياسة الخارجية الأمريكية:

  • هل ستكون مبنية على الخبرة، والقيم، والشراكات الاستراتيجية؟
  • أم ستُدار من خلال المحسوبية، والصفقات المالية، والولاءات الشخصية؟

السياق السوري معقد، لكن تبرئة الجولاني من مجزرة السويداء، وتوجيه الاتهام لإسرائيل، هو تجاوز لكل المبادئ.
وإن كان براك لا يزال يُنظر إليه كـ”صديق للرئيس”، فإن سلوكه يُهدد ليس فقط مصداقية أمريكا، بل حياة آلاف المدنيين.

السؤال المطروح الآن ليس فقط: من يمثل أمريكا في سوريا؟ بل: هل ما زالت أمريكا تمثل نفسها؟