كثيرا ما ترددت في الاونة الاخيرة البحث او الكتابة في الشأن العراقي، وذلك بسبب التخبط الذي يسود المشهد السياسي الداخلي ، وصراع القوى السياسية بهدف الاستحواذ على مفاتيح السلطة والنفوذ وكسب اعلى المغانم او الامتيازات على حساب مصلحة الشعب وعلى حساب المصير الذي ينتظر العراق الغارق في ازمات سياسية واقتصادية وعسكرية متفاقمة والملتهبة في منطقة الشرق الاوسط. ازمات مصطنعة ومفتعلة وممنهجة وفقا لسيناريوهات معدة سلفا من قبل دوائر التجسس والاستخبارات الامريكية والصهيونية وصولاً الى زعزعة اركان الحكم في العراق وجعله هشاً.
ولا شك من ان هذه الدوائر قد اعتادت على افتعال ازمة تلو أخرى في كثير من بلدان العالم ” الثالث ” وصولا الى إقامة أنظمة موالية ومطيعة لنهج واهداف الاستعمار الامريكي في نهب الثروات واستعباد الشعوب. شعوب طالما قدمت الكثير من التضحيات من اجل سيادة وأمن اوطانها وتأمين مستوى معيشي لائق بالقياس الى مقدراتها وثرواتها الطبيعية والبشرية الهائلة. كما أن الدوائر هذه ما انفكت على التصدي للثورات الشعبية من خلال سياسات فرق تسد وصناعة حركات سلفية مدعومة بالمال والاعلام لتشويه حقيقة الاسلام وتسقيط حكومات وطنية مبتغاها مقارعة الاستعمار ومحاربة الاهداف التسقيطية للحركات الفاسدة الموالية لامريكا والصهيونية.
واليوم … وكلما كشرت امريكا انيابها، وكلما نجحت في انهاك الحكومات الوطنية، تنبري لنا القوى الظلامية لتعلن وبكل وقاحة عن اهدافها في جعل عقارب الساعة ترجع الى عهود ما قبل التحرير الوطني مستغلة كل الوسائل القذرة من اعلام ممنهج مدفوع ونفوس مريضة لاهثة وراء المال والجاه على حساب الحس والشعور الوطني والقومي لشعوب منطقتنا المبتلاة، وللاسف ، بوعي وادراك ناقصين لغاية اليوم.
ووفقا للاهداف الممنهجة المذكورة اعلاه… تتعالى اصوات الردة لخلق اجواء مناسبة لقلب الموازين وخلط الاوراق السياسية بين صفوف المواطنين مستهدفة طبيعة النطام السياسي في العراق وجعله هدفا لعقوبات غير منصفة وتهديدا بتطبيق المادة 7 لمجلس الامن بحق العراق في حال عدم الإنصياع للاوامر الاستعمارية، أو في حال فشل الحكومة بتفكيك الجيش الشعبي ووو…الخ.
في جانب آخر نرى أن مثل هذه الاصوات النشاز تتناسى مآسي ومعاناة العوائل العراقية وما قامت به حكومات البعث من اضطهاد وقتل واعدام وتهجير وتسفير بحق الشعب العراقي من خلال ما يسمى بـ ” الحرس اللاقومي ” وهو تنظيم لم يكن خارج الشرعية فحسب، بل تنظيمات حزبية وعصابات ارهابية للترويع وانتهاك الحق العام. فهل يمكن مقارنة ” الحرس اللاقومي ” الذي نكل بمواطني العراق مع الجيش الشعبي الذي أقره البرلمان بقانون شرعي والذي وقف الى جانب الشعب لدحر اعداء الوطن من الدواعش وعصابات القاعدة الوافدين من خارج العراق والمدعومين من امريكا بهدف تدمير العراق ونهب خيراته لصالح المستعمر الحديث.
الحشد الشعبي واستراتيجيات الأمن القومي للعراق
لم يكن تشكيل الحشد الشعبي من اهداف التغيير عام 2003 ولم تكن الحاجة الى فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الشيعي، علي السيستاني عام 2014 إلا بعد أن بان للجميع أن تنظيم “داعش” لم يكتفي بالسيطرة على ثلث مساحة العراق فحسب، بل كان الهدف هو اغتصاب كامل الارض العراقية وقلب النظام السياسي العراقي. وهنا وجب التأكيد على أن الحفاظ على الأمن وعلى السيادة الوطنية باتت ضرورة حتمية لتشكيل مثل هذا التنظيم العسكري لدعم القوات المسلحة ومساندة القوى الامنية الوطنية في ردع قوى الشر والطغيان. ورغم أن فتوى السيستاني أطلقت النواة الأولى لتأسيس الحشد الشعبي والتي تمثلت بأعداد كبيرة من المتطوعين المدنيين استجابةً للفتوى، إلا أنها أعطت ايضا الشرعية لتشكيل مجاميع وفصائل شعبية مسلحة في مناطق متفرقة من العراق للتحرك ضد الاهداف الخبيثة المبيتة ضد النظام السياسي العراقي قبل وبعد عام 2014 والتي اصبحت جزءا من قوات الحشد الشعبي ليبلغ عدد مقاتليه اكثر من 200 ألف مقاتل بضمنه حوالي 25 الف مقاتل من العشائر السنية.
الحشد الشعبي في القانون
نص قانون الحشد الشعبي الذي صادق عليه البرلمان العراقي على أن:
- يكون الحشد الشعبي تشكيلا عسكريا مستقلا وجزءا من القوات المسلحة العراقية ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.
- يتألف التشكيل من قيادة وهيئة أركان وصنوف وألوية مقاتلة.
- يخضع هذا التشكيل للقوانين العسكرية النافذة من جميع النواحي ماعدا شرط العمر والشهادة.
- يتم تكييف منتسبي ومسؤولي وآمري هذا التشكيل وفق السياقات العسكرية من تراتبية ورواتب ومخصصات وعموم الحقوق والواجبات.
- يتم فك ارتباط منتسبي هيئة الحشد الشعبي الذين ينضمون إلى هذا التشكيل عن كافة الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية ولا يسمح بالعمل السياسي في صفوفه.
- يتم تنظيم التشكيل العسكري من هيئة الحشد الشعبي بأركانه وألويته ومنتسبيه ممن يلتزمون مما ورد آنفا من توصيف لهذا التشكيل.
ان تهديد الامن القومي الذي واجهه ويواجهه العراق اليوم فرض على الوطنيين والفصائل والمجاميع المسلحة الشعبية في اطار الحشد الشعبي واقعاً غير مسبوق. فهي، من ناحية، مقاتلة ومسلحة دفاعا عن ارض العراق، ومن ناحية آخرى، تجد نفسها أن الظروف السياسية والاجتماعية تحتم عليها المشاركة بالفعاليات والانشطة السياسية في البلاد لتقديم ما يمكن تقديمه من مساهمة وطنية في بناء وتنمية الاقتصاد الوطني. وهنا نجد ان اكثر الفصائل المسلحة التي كافحت وردعت قوى الظلام توجهت الى تشكيل تكتلات وتنظيمات سياسية للمشاركة في إدارة الدولة ودفع بعض من ممثليها الى البرلمان العراقي لوضع بصماتها الوطنية المتعلقة بتشريع القوانين التي هي من اهتمام افراد الشعب. ومن هذه الفصائل والمجاميع عصائب اهل الحق وحزب الله العراقي وغيرها. وقد تكون مثل هذه المشاركة السياسية لممثلي المجاميع المسلحة مرحلة انتقالية تمهيدا لدمج كافة الفصائل المسلحة بالإدارات الحكومية وجعل الجيش والقوات المسلحة الأخرى الجهة الوحيدة دفاعا عن الوطن وقوة للردع الحاسم ضد الاعداء من داخل او خارج الوطن. علما ان مثل هذا الدمج لايمكن ان يحدث والعراق مازال يعاني من تهديدات ومخاطر وجود، وان منطقة الشرق الاوسط مقبلة على تغيرات جيوسياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية وصولا الى قلب انظمة وحكام وقيام حكومات مطيعة ومطبعة وخاضعة لإملاءات الاجنبي الاستعماري الإستيطاني. لذا ننصح الحكومة العراقية الأخذ بنظر الاعتبار كل الاحتمالات والظروف السياسية والعسكرية المتغيرة، ودراسة اهداف وسيناريوهات وخطط التغيير المعدة من قبل العدو الامريكي والصهيوني ( العراق موضوعنا ) قبل ان تقدم الحكومة العراقية على دمج الحشد الشعبي او تجريد الفصائل الثورية المقاومة من سلاحها. ففي مثل هذا الامر ان حدث ستكون الساحة العراقية مرتعا مريحا لتحرك كل القوى الظلامية دون ردع يذكر من قبل الشعب العراقي.

