المؤتمر السوري الوطني في الحسكة يزيح القناع الاخير عن الجولاني.. لم يتحمل الديمقراطية و أعلن الانسحاب من مؤتمر باريس – هشام عقراوي

الجولاني رجل دين متطرف، لا يؤمن بالديمقراطية، ولا يحترم التنوّع، ولا يقبل بالشراكة، بل يسعى إلى فرض مشروعه الجهادي تحت شعار “سوريا الواحدة”، وهي سوريا لا مكان فيها إلا  للجهاديين العرب السنة و ليس حتى للعلمانيين العرب السنة، ولا دستور فيها إلا الشريعة كما يُفسرها هو، ولا تمثيل فيها إلا لمن ينتمي إلى صفوفه.

…………………………………………………………………………..

في الوقت الذي تُفترض فيه أن تكون السياسة أداة للوحدة، وسيلة للحوار، وركيزة للعدالة، تبرز في الساحة السورية مشهدية مُربكة يُقدّم فيها “أبو محمد الجولاني” نفسه كمنقذ وطني، بينما تُثبت أفعاله العكس تمامًا. فبينما يدّعي الجولاني التمسك بوحدة سوريا، ويدعو إلى “حكومة وطنية جامعة”، يُفصح تصرفه الأخير برفضه المُعلن لمؤتمر الحسكة – الذي ضم مكونات شعبية وسياسية متعددة من العرب والكرد والدروز والعلويين والمسيحيين – عن حقيقته: رجل دين متطرف، لا يؤمن بالديمقراطية، ولا يحترم التنوّع، ولا يقبل بالشراكة، بل يسعى إلى فرض مشروعه الجهادي تحت شعار “سوريا الواحدة”، وهي سوريا لا مكان فيها إلا  للجهاديين العرب السنة و ليس حتى للعلمانيين العرب السنة، ولا دستور فيها إلا الشريعة كما يُفسرها هو، ولا تمثيل فيها إلا لمن ينتمي إلى صفوفه.

الخطاب الوطني: وهمٌ تُنسج خيوطه بالكلمات الرنانة

منذ تحوّله من “جبهة النصرة” إلى “هيئة تحرير الشام”، ثم إلى ما يُسمّيه اليوم “حكومة الإنقاذ”، لم يكفَ الجولاني عن استخدام مصطلحات “الوحدة الوطنية”، و”السيادة السورية”، و”الحفاظ على كرامة الشعب”. لكن هذه المصطلحات، وإن بدت في ظاهرها وطنية، تتهاوى أمام أبسط اختبارات الواقع. فكيف يمكن الحديث عن وحدة وطنية بينما يتم استبعاد الكرد، وتجاهل الدروز، وتمييز العلويين، وتهميش المسيحيين؟ وكيف يمكن الحديث عن دولة مدنية بينما يُفرض حكم الشريعة، وتُغلق المدارس التي لا تُدرّس مناهج الجولاني، وتُعاقب النساء على لباسهن؟

والأكثر سخريةً هو أن الجولاني، الذي يدّعي التمسك بـ”سوريا لكل السوريين”، لم يُخفِ يومًا تحيّزه العقائدي والطائفي. فحكومته ليست حكومة وحدة، بل هي تجمّع لجماعات جهادية سنيّة، معظمها من أصول خارجية، وعديد من قادتها مصنّفون دوليًا كإرهابيين. وهؤلاء هم الذين يُقرّرون مصير الشعب السوري، بينما يُستبعد من يختلف معهم في الرؤية أو المكون أو العقيدة.

مؤتمر الحسكة: كشف القناع الأخير

كان مؤتمر الحسكة، الذي عقدته قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بمشاركة واسعة من مكونات شمال وشرق سوريا، محاولة جادة لبناء إطار سياسي تشاركي، يُراعي التنوّع العرقي والديني في البلاد. شارك فيه الكرد، والعرب، والآشوريون، والتركمان، والشيعة، والدروز، والمسيحيون، وكل من يؤمن بأن سوريا ليست دولة عرقية أو طائفية، بل وطن للجميع.

لكن الجولاني رفض هذا المؤتمر. بل أكثر من ذلك، اعتبره “خيانة وطنية”، و”محاولة لتدويل الشأن السوري”. في المقابل، لم يُقدّم بديلًا حقيقيًا، لا من حيث الشراكة، ولا من حيث الديمقراطية، ولا من حيث الدستور. بل سارع إلى إصدار بيان “حكومي” يُدين المؤتمر، ويُحمّل “قسد” المسؤولية، ويُعيد تكرار شعارات “جيش واحد، حكومة واحدة، بلد واحد”، وكأن سوريا دولة موحدة فعلًا تحت سلطته، أو كأنه يملك شرعية تمثيل الشعب.

لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن الجولاني، الذي يرفض مؤتمرًا يضم مكونات شعبية متعددة، هو نفسه من يُقرّر كتابة دستور جديد للبلاد – دستور إسلامي متطرف – ويُعيّن 30% من أعضاء البرلمان القادم من مواليه، دون انتخابات، دون تمثيل شعبي، دون رقابة. فكيف يمكن أن يكون هذا “دستورًا وطنيًا”؟ وكيف يمكن أن يكون “برلمانًا جامعًا” إذا كان الثلث منه معينًا من قبل رجل دين يُحكم من إدلب؟

سوريا العربية: شعار للإقصاء، لا للوحدة

واحدة من أكثر التناقضات صدمةً هي تمسّك الجولاني بتسمية “الجمهورية العربية السورية”، رغم أن سوريا ليست دولة عربية فقط، بل موطن للكرد، والآشوريين، والأرمن، والتركمان، والشيشان، والدروز، والعلويين، والمسيحيين، وكل منهم يحمل هوية ثقافية وتاريخية مستقلة. فبأي حق يُطلق على الدولة “عربية”، بينما يُستبعد هؤلاء من صنع القرار؟ وبأي منطق يُطالب بالوحدة، بينما يُفرض نموذج دولة طائفية تحت غطاء “الإسلام” و”السنة”؟

الجواب بسيط: لأن الجولاني لا يريد وحدة، بل هيمنة. لا يريد دولة مدنية، بل إمارة إسلامية. لا يريد ديمقراطية، بل دكتاتورية دينية يُحكم فيها باسم “الشريعة”، لكنه في الواقع يُحكم باسم مصالحه، وولائه، وشبكاته الجهادية.

الدم والشعارات: حكومة تقتل باسم “التحرير”

لا يمكن تجاهل أن الجولاني، خلال سنوات سيطرته على إدلب وشمال غرب سوريا، لم يُقدّم أي نموذج إداري أو خدمي يُحتذى به. بل شهدت مناطقه انتهاكات جسيمة: إعدامات ميدانية، تعذيب، قتل مدنيين، تفجيرات ضد خصومه، وقمع أي صوت معارض. ومع ذلك، يواصل التحدث عن “العدالة”، و”الحرية”، و”الخلاص من النظام”. فهل يُعقل أن يكون من يُمارس القتل اليومي، ويُحكم بالحديد والنار، هو “منقذ الشعب السوري”؟

الجواب لا يأتي من خطابه، بل من دماء الضحايا، ومن دموع العائلات، ومن خراب المدن التي دُمّرت تحت شعارات “الجهاد” و”الخلافة”.

الخلاصة: الجولاني ليس بديلًا، بل استمرارًا للانهيار

الجولاني ليس بديلًا عن النظام، بل هو نسخة أخرى من الدكتاتورية، تُلبس عباءة الدين بدل عباءة الحزب. هو لا يختلف عن الأسد في رفضه للتنوع، ولا في تمسّكه بالسلطة المطلقة، ولا في استخدامه للعنف كوسيلة للحكم. الفرق الوحيد أن الأسد يُحكم باسم “القومية العربية” و”الدولة العلمانية الزائفة”، بينما الجولاني يُحكم باسم “الإسلام” و”الشرع”، لكن النتيجة واحدة: قمع، تهميش، حرب أهلية لا تنتهي.

سوريا لا تحتاج إلى أمير ديني، ولا إلى إمارة جهادية، ولا إلى دستور متطرف. سوريا تحتاج إلى دولة مدنية، ديمقراطية، تعدّدية، تُقرّ بالتنوع، وتحترم الحقوق، وتوحّد الشعب لا بالقوة، بل بالعدالة.

وحتى لا يُخدع أحد مرة أخرى: الجولاني ليس “الحل”، بل هو جزء من المشكلة. ومن يرفض مؤتمرًا يضم الكرد والعرب والدروز والمسيحيين، لا يمكن أن يكون رئيسًا لجميع السوريين. ومن يُقرّر دستورًا من فوق، ويُعيّن نصف البرلمان، لا يمكن أن يكون ديمقراطيًا. ومن يُسمّي سوريا “عربية” فقط، لا يمكن أن يكون وطنيًا.

سوريا للجميع. والحل لا يأتي من إدلب، بل من الحوار، من العدالة، ومن الاعتراف بأن التنوّع ليس تهديدًا، بل هو ثروة.

5 Comments on “المؤتمر السوري الوطني في الحسكة يزيح القناع الاخير عن الجولاني.. لم يتحمل الديمقراطية و أعلن الانسحاب من مؤتمر باريس – هشام عقراوي”

  1. نعم ولكل تأكيد لا مكان فيه إلا الجهاديين العرب السنة….
    . وهكذا كان منذ ٢٠١١ لكن الكورد وقفا إلى جانبهم حتى آخر لحظة. وهذا الذي ارادوه فلماذا يتلاعبون بألفاظ ويتهمون الآخرين بأنهم لبسوا عند وعودهم.. وعليهم أن يعلمو أن مؤتمرهم ملغوم منذ اليوم وعليهم أن لا يخونو بعضهم بعد حين

    1. ew gotin û sloganên Atatutk û faşîstên tirkan e … !!!i
      ( Yek gel, yek ziman, yek welat, yek al )
      شعارات “جيش واحد، حكومة واحدة، بلد واحد”

      Ew slogan bi rêya Heqan Fîdan gihîştin berve devî Golanî (Jolanî) û endamên serhilata wî.

  2. ** من ألأخر {يبدو من سياق الاحداث أن من يحكم سوريا هى دواعش وعصابات أردوغان وليس الجولاني (وهذا ليس دفاعاً عنه) بدليل أنه قاب قوسين من التصفية ، والسبب لإكمال تدمير وخراب سوريا لتصبح لقمة سهلة الهظم له ولباقي المنتفعين ، سلام

  3. ليس أحمد الشرع هو الحاكم في سوريا، وإنما هو أحد أدوات الطاغية أردوغان، ينفّذ سياسة هذا الطاغية في نشر الخراب وإشاعة عدم الاستقرار في المنطقة، محاولًا استعادة حكم الاستعمار العثماني–المغولي البربري المتخلّف ثقافيًا، الأمر الذي ترك آثارًا واضحة على عدم استقرار دول الجوار والمنطقة عامة، ومن أبرزها:
    التدخلات العسكرية والاحتلال الجزئي:
    نفّذ الطاغية أردوغان عمليات عسكرية متكرّرة عبر الحدود، مثل عملية درع الفرات عام 2016، وغصن الزيتون/عفرين عام 2018، وعمليات ضد حزب العمال الكردستاني (PKK) في شمال العراق، واحتفظ بوجود عسكري في أجزاء من كردستان العراق وشمال سوريا، وفي ليبيا عبر دعم حكومة الوفاق. هذه العمليات فتحت جبهات جديدة، وتسببت في نزوح مدنيين، وأثارت مقاومة مسلحة مستمرة.
    وقد تم ذلك من خلال استخدام وكلاء ومقاتلين محليين أمثال أحمد الشرع في سوريا، على غرار ما فعلته إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن؛ إذ دعم الطاغية أردوغان جماعات سورية معارضة و«ميليشيات» محلية، واستخدمهم في عمليات داخل سوريا وخارجها، كما أن توظيفه لمقاتلين غير نظاميين أسهم في تصعيد العنف وتفكيك التوازنات المحلية.
    كما أن محاربته لحزب العمال الكردستاني (PKK) شكّلت ذريعة لتدخلات داخلية وخارجية (في شمال العراق وشمال سوريا)، وقد تسبّبت العمليات المستمرة، بما فيها الضربات بطائرات مسيّرة، في خسائر مدنية واحتياجات أمنية ذات أثر سلبي على الاستقرار الإقليمي.
    ولا ننسى التغيير الديموغرافي والهجرة القسرية في مناطق مثل عفرين، حيث توثّق منظمات تقارير عن نزوح قسري، ومصادرة ممتلكات، ومحاولات استبدال سكاني، إضافة إلى تحالفه مع قطر في استثمارات اقتصادية، وتوظيفه للبنية الإعلامية ودعم حركات إسلامية سياسيًا لبناء نفوذ في دول عربية وأفريقية.
    إن تركيا في عهد الطاغية أردوغان تتصرّف كقوة إقليمية طموحة تستخدم مزيجًا من القوة العسكرية المباشرة والوكيلة، والسياسة الإقليمية والاقتصادية، والتغيير الديموغرافي لفرض مصالحها. هذه الاستراتيجية تمنحها أدوات نفوذ، لكنها في الوقت ذاته تخلّف بؤر توتر مستمرة، وتساهم في إطالة أمد النزاعات وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

  4. من أجمل المقالات السياسية التي كتبت في الشأن السوري ما بعد نظام بشار الاسد. تحليل صائب ورؤية واضحة للأوضاع الجارية حاليا في سورية التي لا تبشر بالخير ابدا لحاضر ومستقبل أبنائها من جميع القوميات والطوائف. فعلا لا يبدو احمد الشرع كان بديلا وطنيا افضل من حكم الأسد، ولحد الان من خلال مواقفه الدكتاتورية يبدو أنه أسوأ.

Comments are closed.