دائماً ما أقول:
إنّ شهداءَ الحقِّ كأعواد البرسيم في حقول الفلاحين؛ كلما قصصت منها عوداً خرج من أصلِهِ أكثرُ من عودٍ أقوى منه وأشدُّ وأغلظ.
أيّ عَمَهٍ سياسيٍّ هذا الذي يختزل القضية الفلسطينية ومقاومتها البطلة في كلمة واحدة هي عنوان فصيل واحد من المقاومة الشرعية اسمه “حماس”؟!
وأنا هنا بالطبع لا يمكنني اعتماد سياسة الاختزال تلك لأختصر وَصْمَ كل الذين يرون الأمر على هذه الصورة بالجهل أو الغباء فحسب، بل الساحة السياسية اليوم لا تخلو من دجلٍ سياسيّ، ومحاولاتٍ دؤوبة في تغبيش الصورة و خلط الأوراق.
إنني دائماً ما أُشَبِّهُ وضوحَ الصورة الحقيقية للقضية الفلسطينية كما هو وضوح خريطةِ وجغرافيّةِ مدينةِ الإسكندرية المصرية العريقة؛ فمهما امتدت المدينة واتسعت فلا يمكن لزائرها ولو للمرة الأولى أن تغيم في عينيه الاتجاهات و تلتبس عليه الدروب ويضيع في شوارعها العتيقة وميادينها العريقة. إذ أن المدينة في عمومها شريط ساحلي غير متسع ممتد على ساحل البحر، ومن ثم فإن كل مَن يفقد البوصلة فيها فما عليه إلا أن يعود إلى ساحل البحر ليستعيد على الفور صورة الخريطة ويعرف موضع قدميه وموقعه وإلى أين يتجه.
وهكذا تماماً هي صورة القضية الفلسطينية كما يجب أن تكون في مخيّلَتنا جميعاً؛ فإذا ما غامت الصورة، واختلفت الرُؤى، وتَضارَبت المواقف، والتبس علينا الأمر؛ فما علينا إلا أن نعود بالزمن إلى الوراء قليلاً لنرى الصورة من هناك على طبيعتها والقضية على حقيقتها.
كثيراً ما تَحدّثَ الساسةُ طويلاً منذ عملية السابع من أكتوبر عن اليوم التالي في غزة بعد الحرب مفترضين غياب حماس عن صورة المشهد فيها .
ولنفترض جدلاً غياب حركة المقاومة الإسلامية حماس عن الصورة في اليوم التالي بعد إيقاف العمليات في غزة – فكيف سيكون عندها وصف الصورة؟!
إنه وبكل بساطة هو ذات وصف الصورة كما كانت عليها قبل ظهور حماس فيها كحكومة أو حتى كمقاومة شعبية فلسطينية.
إنه وبصرف النظر عن تفاصيل ما جرى في غزة بعد عملية السابع من أكتوبر، فإن المطلب الأساسي اليوم لكل قادة جيوش الحرب على غزة يتمثل الآن في نزع سلاح حركة حماس والقضاء عليها كحركة مقاومة مسلحة على الأرض الفلسطينية.
أقول: وحتى لو تَحَقّق لهم ذلك، فهل اختفاء حماس عن الصورة في اليوم التالي في غزة يعني اختفاء المقاومة في فلسطين وغزة؟!
أعود إلى ما بدأتُ به وكما في مثال مدينة الاسكندرية، و أقول: إنْ أضعتم الطريق فعودوا إلى البحر، وشاهدوا الصورة على حقيقتها واعرفوا مواضع أقدامكم، و أعيدوا إلى مخيلتكم صورة الجهات الأصلية.
المقاومة يا قادة الحرب وزعماء السياسة كانت قبل حماس، وحتماً ستبقى بعد حماس وإلى ما شاء الله- وإلّا فأجيبوني : أليست تلك هي غزة التي أجبرت جيش الاحتلال على الخروج منها مذعوراً آثِراً السلامةَ والنجاة بكل مستوطنيه بعد أن قام طواعيةً بتفكيك كل المستوطنات غير الشرعية في جنوب القطاع في العام 2005 وانسحب خاسئاً بشكل أُحادي الجانب بعد 38 عاماً من الاحتلال، ولم تكن حماس في حينها في الصورة كحكومة للقطاع، تلك الحكومة التي جاءت من خلال انتخابات فلسطينية عامة نزيهة جرت في 2006، أي بعد انسحاب جيش المحتلين من القطاع بعام كامل؟!
لقد ظل الوضع الأمني في غزة منذ اليوم الاول للاحتلال ملتهباً حتى أضحى يشكل صداعاً مزمناً لسلطات الاحتلال الصهيوني حتى أنهم وقبل إعلان انسحابهم الأحادي من غزة في 2005 ظلوا يدلّلون طويلاً للبحث عن إدارة مدنية تقبل باستلام وإدارة القطاع دون جدوى، ولطالما حاولوا إغراء السلطات المصرية بقبول العرض طوال الوقت دون أي استجابة حتى أنّ أحد أبرز قادتهم صرّح أمام الملأ غير مرة بأمنيته أن يستيقظ ذات صباح ولا يجد لغزة وجوداً على الخريطة، كان يقول : وددتُ لو أنْ يبتلعها البحر ونخلص من هذا الكابوس المقيم الذي لا حيلة لنا بعدُ في الخلاص منه، وثم جاء – بناءً عليه – قرارهم الضرورة؛ بضرورة الانسحاب من غزة وفي أسرع وقت؛ من طرف واحد ودون شرط.
إنّ الدارسَ جيداً لتاريخ الاحتلال ومقاومة الاحتلال في غزة لَيُدرك تماماً أن سلطات وجيش الاحتلال هم الآن ولا شك في ورطة كبيرة؛ الوجه الأول منها أنه إن اجترأوا وأقدموا على احتلال القطاع وفرض سيطرتهم الكاملة عليه تحت ضغط المتشددين والمُغالين الصهاينة، فإنهم يكونون قد عادوا بذلك إلى غفوتهم وغفلتهم واستدعوا كل كوابيسهم الأمنية القديمة زائداً مسئوليتهم الجديدة في إطعام وإيواء أكثر من مليوني فلسطيني يسكنون القطاع اليوم. ناهيك عن المخاوف الأمنية المتزايدة في غزة التي استعادت ومع كل المدن الفلسطينية المحتلة كامل وعيِها بعد يوم السابع من أكتوبر وما تلاه من أحداث – تلك الأحداث والتداعيات التي من المؤكد أنها ستترك أثراً عميقاً وجراحاً غائرة في نفوس أجيال وأجيال ممن شاهدوا المذابح والمحارق الإجرامية بحقّ كل أهاليهم وذويهم في غزة، مما سيجعل سلطات وجيش الاحتلال طوال الوقت في حالة من التحفُّز والترقب لأعمال مقاومة فدائية منفردة ومنظمة تفوق في خطورتها طوفان الأقصى بكل تبعاته وتداعياته.
والوجه الآخر من الورطة الاسرائيلية في غزة أنه لو تراجع رئيس وزراء الكيان المحتل في تصريحاته بإعادة الاحتلال وأوقف من فوره القتال وقبل بأي اتفاق حاليّ لوقف العمليات، فإنه بذلك يكون قد أعلن عن هزيمته التي تتمثل في عدم تحقيقه لأي من أهداف حربه الغادرة القذرة المستمرة على غزة منذ عامين.
و أنا هنا إن كانت لي نصيحة مسموعة فأقول وأُذكِّر كلَّ قادة جماعات المقاومة الفلسطينية في غزة أن يَثبُتوا على موقفهم المبدئي في مواصلة صَدّ العدوان الخبيث الغادر، وأُذَكِّرهم بأن النصر إنما هو صبر ساعة، كما تلك الساعة التي نعيشها الآن، تمام الحُلكة التي يعقبها طلوع الفجر في غزة العزة سواءً شاهدناه بأنفسنا أو أهديناه لإخواننا وأبنائنا و للأجيال القادمة من بَعدِنا.
أديب وكاتب رأي مصري

