ثلاث اقلام وممحاة- رسل جمال

تجمهروا حوله وهو يحمل في يده ثلاث رسمات، رجل اربعيني وقف في باحة المركز الثقافي، وهو مركزآ وملتقى للوجوة الثقافية والاعلامية  وسط شارع المتنبي، احد شوارع بغداد العتيقة، اقتحمت تلك الجمهرة اذ اثار فضولي سبب وجودهم.

الرسمة الاولى كانت قلم خشبي ولكنه مورق، وقد سأل حامل الرسمة الجمهور ماذا تعني هذه الصورة؟ بادرت الى الاجابة بسرعة “العلم حياة” او “بالعلم نحيا” ولا ادري حينها لماذا تذكرت تلك القصائد التي مازلت عالقة في الذهن بالاكراه ( مكر مفر مقبل مدبر) كم كانت تلك المعلقات صعبة و مستصعبة، الا انها اسهمت في بناء المنظومة المعرفية، بل وترميم ذائقتنا، ووضع حجر الاساس في الاذهان .

اذ ان تلك الكلمات التي اطلقها ذلك الشاعر الجاهلي، ودونتها الايادي فيما بعد لم تكن مجرد كلمات اطلقت في الفضاء وذهبت ادراج الريح، بل اصبحت جزء من البناء والدستور المعرفي لاجيال عديدة.
فبهذا تحول القلم الى اداة بناء .

اما الرسمة الثانية فكانت عبارة عن قلم وقد عبئ بالذخيرة، صورة تتكلم رصاصآ، رمادية الفكر والرؤى، لن نحتاج لوقت طويل حتى نخرج  بتعبير دقيق يصف تلك الصورة، اذ بها ازدحمت اصوات الفتنة وقنوات الارهاب والصحف الصفراء، ومنصات الفرقة، عندما تمسك القلم يد حقودة، يتحول الى اداة هدم وتخريب، و يتحول من مصنع للحياة الى بؤرة للموت.

اما الرسمة الثالثة فكانت لقلم يمسح حذاء احد المسؤولين، صورة معبرة عن القلم الجبان، ذلك القلم القابل لشراء فكره واطروحته،  قلم يخشى قول الحق ويغض الطرف عن اهل الفساد، وهو من اخطر الاقلام، قلم مأجور يترزق قول الزور و تزييف الحقائق، وقلب الوقائع، اقلام اصحابها تهرول للشيطان!

بجانب كل قلم لابد من وجود ممحاة،لتصحح المسار وتقوم المنهج وتعمل كرديف للقلم، فحاجتنا للممحاة قد تساوي حاجتنا للقلم.
ان للقلم روح وذات نقية، تتلوث اذا كتبنا به كذب وبهتان، او نرغم القلم على كتابة مالا نؤمن به!

انها تركة ثقيلة على عاتق  اصحاب القلم والفكر، وهناك مسؤولية اخلاقية عظمى اختاروا ان يحملوها فاذا لم تملك قلم مورق بالحياة، فعلى الاقل اجعل ممحاتك قيد الاستخدام.