جميع الكرد المخلصين والغيارة على وطنهم، يتسألون كيف يمكننا منع سقوط منطقة عفرين في يد القتلة الأتراك، والمتطرفين السوريين المتحالفين معها. وهو سؤال ملح ويبحث عن جواب.
برأي كان هناك سبيل واحد لإنقاذ مقاطعة عفرين من مصيرها المحتوم، وهو تفجير الوضع الداخلي التركي بكل ما للكلمة من معنى، أي إشعال حرب أهلية شاملة، هكذا فقط كان يمكن قلب الطاولة على رأس الطاغية أردوغان وزمرته الإجرامية الحاكمة، ولكني أظن أن الوقت قد فات.
لماذا كان السبيل الوحيد لإنقاذ عفرين من السقوط في قبضة الأتراك؟؟ لأن القاصي والداني، يعلم ومنذ بداية الغزو التركي، بأن العالم كله أدار ظهره لعفرين، ولولا ذلك لما تجرأ النظام التركي على التعرض لعفرين، وكما هو معروف هناك أطراف دولية رئيسية كروسيا شريكة في الجرائم التي ترتكب بحق الكرد بعفرين، وهي في الأصل من أطلقت يد الأتراك للهجوم على المنطقة وأهلها، في عملية بيع وشراء رخيصة، لا يتقنها سوى الدب الروسي والفيل الأمريكي والتاجر البريطاني.
وقبل الدخول في قضية إشعال فتيل حرب أهلية في الداخل التركي، دعونا نتوقف عند الأخطاء، التي إرتكبها حزب العمال الكردستاني في غرب كردستان، والتي أوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم في عفرين.
الخطأ الأول: عزل نفسه عن الثورة السورية، ومنع الكرد من المشاركة في المظاهرات ضد النظام، بعد سيطرته على المناطق الكردية، وتبنيه “الطريق الثالث” على الطريقة
القذافية. ففي النهاية خسر السوريين المنتفضين ضد النظام وهم الأكثرية، ولم يربح النظام في المقابل. وأطلق تسمية “ثورة روزأفا” على فرض سيطرته بالقوة على تلك المناطق . وفي الحقيقية لم يكن ذلك ثورة على الإطلاق، وأقصى بقيت القوى السياسية الكردية من المشاركة في بناء الإطر الرسمية للكيان الوليد. هذا لا يعني الطرف الكردي الأخر (المجلس الوطني الكردي )كان نزيها، قطعآ. الثورة الوحيدة التي شاهدنها منذ سبع سنوات هي الثورة السورية السلمية، التي إندلعت عام 2011 وبمشاركة كردية فعالة في البداية، أصر النظام السوري على عسكرتها باصرار، وقد إستطاع جر الثوار إلى مواجهة كان له اليد الطولة فيها.
هذا لا يعفي الأطراف الإخرى من تحمل مسؤولية عسكرة الثورة السورية، كتركيا مثلآ وقطر السعودية، إيران وحزب الله، الروس وأمريكا، وأخيرآ جماعة الإخوان المسلمين السورية وملحقاتها الإرهابية العديدة.
وحذرت كغيري مرارآ من خلال كتاباتي من هذا التوجه وخطورته، وأكدت فيها إن سقوط نظام الأسد هي في مصلحة الكرد وقضيتهم القومية، ومن الضروري التفاهم مع المعارضة السورية، حول مستقبل سوريا ما بعد حكم الأسد، والتوصل إلى إتفاق خطي يضمن حقوق الشعب الكردي القومية منها والسياسية، وعلى أن تثبت تلك الحقوق في الدستور الجديد لاحقآ.
إلا أن حزب العمال لم يأخذ برأي أحد، وأصر على التفرد بالقرار الكردي، وخرج علينا بأفكار لا وجود لها في القاموس السياسي، ولا علاقة لها بالواقع نهائيآ، كنظرية “الإمة الديمقراطية” والخط الثالث.
الخطأ الثاني: هو عدم توجه قوات الحماية الشعبية وقسد، الى مدينة جرابلس بعد معركة كوباني، وتحريرها من تنظيم داعش الإرهابي، ومن ثم التوجه غربآ نحو مدينة أعزاز والإلتقاء هناك مع القوات الكردية القادمة من عفرين، وسد هذه النافذة أمام الأتراك وملحقاتها الإرهابية. وكتبت حينها ما يلي حرفيآ: “إن المسافة الممتدة بين مدينة جرابلس الحدودية ومدينة إعزاز المجاورة لعفرين من الناحية الإستراتيجية أهم بكثير من مدينة كركوك الغنية بالنفط، والسيطرة عليها يعني نجاح الكرد في تحييد الأتراك. وهذا يمكنهم تحقيق وحدتهم الترابية، وإقامة منطقة حكم ذاتي بهم”. ولكن بدلآ من ذلك توجهت قوات الحماية الشعبية نحو الجنوب!!!
الخطأ الثالث: إهمال منطقة عفرين وتركها محاصرة مدة خمس سنوات بالكامل. وأنا واحد من الكثيرين، الذين طالبوا بضرورة التحرك سريعآ لفك الحصار المفروض على هذه المنطقة المهمة للغاية من الناحية الجيوسياسية، من قبل الأتراك وحلفائهم قبل فوات الأوان. ولكن لم يحرك الحزب ساكنآ للأسف. وكان بإمكان الحزب وقوات (ي ب ك) مواصلة معركتهم إلى أن يلتحموا مع قوات القادمة من منبج، وعدم التوقف عند مدينة تل رفعت، بناءً على طلب أمريكا.
الخطأ الرابع: وقوع الإخوة في قيادة (ب ك ك)، في الفخ الروس، وتصديقهم بأنهم سيحمون عفرين من الغزو التركي. والجميع كان يعلم بأن هدف الروس من تواجدهم منطقة عفرين، كان بهدف إقناع القيادة الكردية بالسماح للنظام بعودة إليها بكل أجهزته.
هذه الأخطاء الأربعة أوصلتنا الى ما نحن عليه الأن في عفرين، ولا أستبعد تكرار المشهد ذاته في الجزيرة مع الأمريكان في مستقبل الأيام، وخاصة أن حربهم ضد تنظيم داعش إنتهت تمامآ.
والأن لنعود إلى ما بدأنا به، وهو السبيل الذي يمكن إنقاذ عفرين من خلاله، ألا وهو إشعال حرب أهلية داخلية في تركيا، ولا أجد سبيلآ أخر أمام الكرد. وحزب العمال الكردستاني هو الوحيد القادر على القيام بهذه المهمة برأي، وثانيآ كونه هو المسؤول
المباشر عن كل ما يجري في غرب كردستان. فهل يفعل ذلك؟ بتقريري لن يفعل ذلك وإليكم أسبابي.
إن حزب العمال دخل في دهاليز السياسية الدولية، من خلال تعامله وليس تحالفه مع الأمريكان. لأن الأمريكان لا يتحالفون مع أحزاب، ولهذا رفضوا التعامل السياسي مع، (ب ي د)، ورفضوا الإعتراف بإدارتهم المعلنة من طرف واحد.
والتعامل مع الدول الكبرى ليس مسألة سهلة كما يظن البعض، فهي التي تدير اللعبة وعلى الصغار الطاعة فقط، وإلا خسروا كل شيئ. وأعتقد حزب العمال ضمنيآ وافق على هذه الشروط، وأدرك أنه ليس بصاحب القرار في الساحة الكردية السورية، فما تقرره واشنطن هو الذي سينفذ ولا شيئ أخر. وسمعنا جميعآ عندما قال الأمريكان علنآ: “عفرين لا تقع ضمن مسؤوليتنا“. وهذا كان كافيآ لإطلاق يد الأتراك للبدء في غزوهم البربري لعفرين.
وأخيرآ، أعتقد أن حزب العمال الكردستاني، يدرك كيف يمكن إشعال فتيل حرب أهلية داخل تركيا إن أراد، وبذلك كان يمكن له قلب الطاولة على المجرم اردوغان، هذا إن كان يريد إنقاذ عفرين وأهلها بشكل جدي، من براثن العدو التركي والتنظيمات الإرهابية المتحالفة معه.
أما الدعوة الى التظاهر، والطلب من الكرد التوجه إلى عفرين، كلام لا معنى له، وعمل غير مجدي. ولن يغير من مجرى الإمور بشيئ. على حد علمي منذ ثلاثين عامآ والكرد يتظاهرون في الدول الأوروبية والغربية تحديدآ، ولكن دون أي جدوى حقيقي، ولم يفكر قادة الحزب يومآ القيام بمراجعة ذلك، والبحث عن نشاطات جماهيرية وسياسية أخرى، تكون أكثر فائدة للقضية الكردية، والتخلي عن تلك الرايات والشعارات القديمة، التي يتم رفعها وتريدها خلال تلك المظاهرات.
وأرى من الضروري إحداث تغير جذري في طريقة عمل إعلام (ب ك ك) وتحرير سياسته، وتحويله الى إعلام حر ومحترف، ويستضيف أقلام حرة، ومفكرين وأدباء مرموقين وليس المطلبين فقط. كما يتوجب التخلص من فكر عبادة الفرد المتجذرة في عقول وأذهان عناصر ومؤيدي الحزب. هل من مستجيب؟ أتمنى ذلك.
في الختام، إن الحرب على عفرين، هي معركة من حرب شاملة تشنها الدولة الطورانية على الشعب الكردي في كل مكان، والمستهدف ليس حزب العمال الكردستاني، كما يروج له العدو التركي، فهذا كذبٌ وتضليل مكشوف لمن يريد أن يرى. والعدو التركي لن يتوقف عند عفرين، إن لم يردع من قبل القوى العظمى كروسيا وأمريكا. أما الإجابة المباشرة على التساؤل الذي طرحته كعنوان للمقالة، أتركه للقارئ الكريم ليستنتج، ما يظنه صوابآ هو.
11 – 03 – 2018

