ماذا جنى الشعب الكردي من الإنتخابات العراقية الأخيرة – بيار روباري

لا يمكن الحديث عن الإنتخابات العراقية وكأنها كتلة واحدة، لأنها في الواقع ثلاثة انتخابات تجري بجانب بعضها البعض، ولكل خصوصيتها، وتأثيرها كل واحدة على مصير العراق مختلف. سأخذ الإنتخابات الكردية والشيعية فقط منها، وسألقي الضوء عليها وأثبت لكم، كيف أن الشعب الكردي كان الخاسر الأكبر في هذه الإنتخابات، ولم يجني منها سوى الريح.

قبل الإنتخابات العراقية الأخيرة، كتبتُ مقالآ، وأوضحت فيه بأن اجراء الإنتخابات، لن يغير من واقع الشعب الكردي شيئآ، وعندما أتحدث عن الشعب الكردي، أفصل بينه وبين القيادات الحالية المتسلطة على رقابه منذ سنين طويلة، وتتحكم بمصيره وتفرض نفسها عليه، عن طريق استخدام القوة العسكرية وتسليط الأجهزة الأمنية عليه. ومن هنا كانت هذه القيادات الفاسقة والإنتهازية إحدى أهم اسباب النكبة الكردية، بل أكثر من هذا، فهي برأي هي محتلة ومستعبدة لهذ الشعب الأبي وتستحقره.

كأي انسان مؤمن بالديمقراطية وحرية الفرد والكلمة، أنا مع إجراء الإنتخابات بشكل دوري وعلى جميع الأصعدة، ولكن شريطة أن تكون هذه الإنتخابات ديمقراطية ونزيهه، ويهيأ لها كل الظروف الصحية المناسبة، وتستطيع القوى السياسية أن تتنافس فيما بيها بشكل حقيقي، وبعيدآ عن سيطرة تنظيم معين على جميع مراكز القوى العسكرية، الأمنية، المالية والإعلامية.

مثلما توقعت تمامآ، لقد استخدم حزبا الطالباني والبرزاني، كل السبل والطرق الملتوية والقذرة، للإلتفاف على رغبة الشعب الكردي الجامحة في التغير السياسي، وقاموا بتخويف قسم من الناس، وشراء ذمم القسم الأخر، وأخيرآ عندما وجدوا النتائج ليست في صالهحم، زوروا نتائج الإنتخابات في وضح النهار، كما أعلنت المفوضية العليا للإنتخابات ودعت الى إعادة الفرز ولكن بشك يدوي.

هنا لا بد من طرح تسألين:

التساؤل الأول:

أين ذهبت أصوات الملايين من الجماهير الكردية، التي كانت تخرج في مسيرات ضخمة خلال السنوات الأخيرة، ضد الحكم العائلي المسخ في كل من هولير والسليمانية.

التساؤل الثاني:

لو فازت المعارضة السياسية، هل كان بإمكانها إحداث تغير ما في الواقع الكردي الحالي، وهناك عائلتان فاسدتان على الطريقة الأسدية، تتقاسمان خيرات الإقليم وبيديها مفاتحيح الحكم؟ الجواب الأكيد: لا.

إذآ على الصعيد الكردي، كانت الإنتخابات مجرد كرنفال مقيت للصور الشخصية واللافتات الحزبية، التي مل منها الشعب الكردي. بكلام آخر كانت ملهاة، وصرف ملايين الدولارات، على تلك الدعاية الرخيصة، في الوقت الذي يعاني ملايين الكرد من الجوع والحرمان، بسبب سرقات هؤلاء السياسيين الإنتهازيين. وفي النهاية سيستمر السراق والحرامية من العائلتين، في سرقاتهم ونهبهم المنظم، ولن يغادر أحدآ منهم السلطة.

 

وعلى الجانب الشيعي أيضآ لم يختلف الوضع كثيرآ عن ذي قبل، فمازالت الأحزاب الدينية تهمين على الحياة السياسية، ولا أجد فارقآ كبيرآ بين الكتل الشيعية الرئيسية الفائزة في الإنتخابات. فنفس

هذه الكتل كانت في البرلمان الحالي وممثلة بحكومة العبادي. المتغير الواحد هو تراجع نفوذ حزب الدعوة، وتقدم التيار الصدري عليه. وكلتى الكتلتين وجهين لعملة واحدة، فيما يخص موقفهم من القضية الكردية وإقليم جنوب كردستان.

السؤال مع أي كتلة مِن الكتلتين ستتحالف القيادات الكردية المسخة؟ برأي سيتحالفون مع الكتلة التي ستقدم لهم المزايا الشخصية، والمناصب الوزارية أكثر. وهذه القيادات لا تهمها كثيرآ مصالح الشعب، ولا مصير مدينة كركوك التي باعوها بي 450 مليون دولار، ولا مصير مهد ديانة الكرد الإولى “الأزداهية” شنكال.

لأن ولا كتلة من الكتلتين، مستعدة للتنازل عن مدينة كركوك، ولا إعادة حصة الإقليم من الميزانية الفدرالية الى نسبة 17%، ولا الإنسحاب من المناطق المتنازع عليها، ولا تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي. وللتوضيح فقط فإن الكتلة الأولى تضم جماعة (الصدر والعبادي) والثانية تضم جماعة (نوري المالكي وهادي العامري).

كما ذكرت أنفآ، لايختلف الكتلتين في النظرة الى القضية الكردية، إنما الإختلاف بينهما، يكمن في شؤون أخرى، كالولاء للخارج، والتبعية للمرشد الفارسي ومعالجة قضايا الفساد. العبادي يميل لأمريكا والغرب، والمالكي ومعه العامري يميلان لملالي ايران. والصدر وجماعته (مغضوب) عليهم من الطرفين، ولهذا يبحث عن سند خارجي، وعلى ما يبدو أنه وجد ضالته في دول الخليج.

وأي كان عنوان الحكومة القادمة واسم حاكمها، فلم يعد الكرد يملكون الكثير من الأوراق لأن يلعبوا بها لكي يضغطوا بها على الطرف الشيعي، لتمرير مطالبهم، لأن في الأصل من سيحكم العراق في الفترة القادمة، هو الطرف الشيعي الديني المتزمت، وهم من نفس تلك الجماعات التي

تحكم العراق حاليآ. وهناك ثلاثة إحتملات برأي أمام الكرد وأحلاهما مر وهي:

الخيار الأول:

أن يفوز العبادي والصدر بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، وهذا يعني أن الحكومة القادمة ستلقى الدعم من أمريكا ودول الخليج (رغم تحفظهم على الصدر نظرآ لمواقفه السلبية السابقة من الوجود الأمريكي في العراق)، وبالتالي لن يستطيع إقليم جنوب كردستان، من لعب أي دور مؤثر في تشكيلة الحكومة ولا سياساتها. ويعني ذلك تخلي امريكا عن الكرد وإنحيازها للعبادي، مثلما تخلت عنهم أثناء احتلال الجيش العراقي لمدينة كركوك من جديد، عن طريق استخدام القوة العسكرية، والحصار الإقتصادي الذي مارسته حكومة العبادي. العلة في هذه الكتلة، هو عدم توافق هوى مقتدى الصدر مع الهوى الأمريكي.

الخيار الثاني:

فوز المالكي والعامري بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، وهذا سيدفع بلأمريكان والخليجيين الى تبني سياسة معادية للحكومة العراقية القادمة، بسبب انحياز هذين الطرفين لإيران، وتبنيهم النهج الطائفي البغيض الذي في السابق. وإن حصل هذا فعلآ، هناك احتمال أن يلجأ الأمريكان من جديد الى استخدام الورقة الكردية، في وجه هذا الثنائي من أزلام ايران المعادين لهم، والمتاجرة بالكرد وقضيتهم، مثلما فعلت في الماضي القريب، أثناء حكم المالكي في الفترة الماضية.

الخيار الثالث:

أن تقوم ايران بقطع الطريق على امريكا، وتضغط على الشيعة وتجمعهم في تحالف واحد، كما فعلت في السابق، لتضع يدها على العراق بشكل مطلق، وتُحرم الأمريكان من لعب أي دور في الحديقة الخلفية للملالي الصفويين، وخاصة بعد الإنسحاب الأمريكي من الإتفاق النووي، وتدهور علاقاتها مع القيادات الكردية. وهذا السيناريو هو الأسوء للشعب الكردي إن حصل، سيدفع مرة هذاالشعب، ثمنآ باهظآ نتيجة حماقات قيادته وإنتهازيتهم التي لا حدود لها.

خلاصة القول:

أي كان اسم الكتلة أو التحالف الشيعي الذي سيحكم العراق مستقبلآ، فإن الشعب الكردي لن يجني من الحكومة الجديدة شيئ سوى الريح. لأن تحالف الكرد مع أي كتلة من الكتلتين سيكون من موقع الضعيف، وذلك بسبب تشرذم الصف الكردي، وثانيآ، بسبب انتهازية القيادات الكردية وفسادها الغير محدود، ووضع مصالحها الشخصية والعائلية والحزبية، فوق مصلحة الشعب الكردي.

 

03 – 06 – 2018