ماذا يجري بين أمريكا وتركيا – د. محمود عباس

 

 تحولات مريبة غير واضحة المعالم بعد، تجري على السياسة الخارجية التركية، تشبه نوع من التنازل لأمريكا أو التقرب منها، بدأت بعد اللقاء الأخير القصير بين ترمب وأردوغان على هامش جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، ومؤشراتها تظهر من خلال تصريحات أردوغان المفاجئة للصحفيين في طائرته، أثناء عودته من المجر، والصمت الأمريكي حول بعض القضايا ومنها:

1-    قضية القس الأمريكي برونسون، وإطلاق سراحه، ووضعه تحت الإقامة الجبرية مؤقتا في بيته، بعد أن كان قد حكم عليه بـ 3 سنوات ونصف، وكان متوقعا أن تكون 10 سنوات، وسفره المفاجئ إلى أمريكا، وكل هذا بعد وصول أردوغان إلى تركيا بعدة بساعات.

2-     حديثه عن عدم بلوغ اتفاقية مع الأمريكيين على مدينة منبج، رغم التحشدات العسكرية على أطراف جرابلس، وهذا التصريح المريب يصدر لأول مرة عن الجانب التركي وعلى أعلى المستويات، بأنهم لم يصلوا سابقا إلى أي اتفاق، متناقضا مع كل تصريحات وزير خارجيته على مدى السنتين السابقتين.

3-    الاهتمام الزائد بالصحفي السعودي جمال خاشقجي والتي تتوافق وسياسة تركيا وقطر ضد السعودية.

4-    تركيز أمريكا على المعلومات المقدمة من المخابرات التركية في قضية الصحفي المذكور، في اتهام السعودية.

5-     تقارب أراء الطرفين في دعم المعارضة السورية في إدلب، رغم أن تركيا متفقة في الأروقة الخلفية وما وراء الإعلام، مع روسيا على التخلص من معظم المنظمات المعارضة المسلحة أو حتى من جميعها في النهاية، بأية طريقة كانت، شريطة روسيا بالمقابل تساعدها على تمرير مصالحها ومنها القضية الكردية، والدعم اللوجستي في مواجهة الناتو.

6-    الاستقرار في صرف العملة التركية في الشهر الأخير أمام الدولار، بعد التدهور السريع قبل شهرين.

7-    الصمت حول الحصار الاقتصادي على تركيا، والتوقف عند حدود معينة، وعدم تفعيلها كما كان متوقعا.

8-    الاستثمار المفاجئ الذي قدم لتركيا بقيمة 7 مليارات دولارات من إحدى الشركات الاستثمارية العالمية، والمتوقع أن تصل إلى 11 مليار في الأسابيع القادمة، وبعد جولات لأردوغان في العديد من الدول بحثا عن مستثمرين ودون نتيجة، لأن سمعتها العالمية متدهورة إلى درجة أن معظم الشركات ليس فقط طالبت بديونها بل رفعت من أسعار الفائدة بشكل كبير.

9-    الاستقرار غير المتوقع في النمو الاقتصادي، في الشهر الأخير، بعد مسيرة التدهور المتزايد، أو هكذا ما يقال في الإعلام التركي، ولا يأتي الرد من مراكز المراقبة الدولية للرأسمال العالمي.

10-     الصمت في الفترة الأخيرة من قبل إدارة ترمب، والإعلام الأمريكي، على الاعتقالات التركية اليومية للسياسيين والإعلاميين والصحفيين وقتل البعض منهم، وبالمقابل إثارة قضية الصحفي السعودي في تركيا وبقوة في الإعلام والإدارة.

11-     وهناك في الطرف الأخر حديث يجري على الصحافة عن تقارب ما وراء الكواليس بين إسرائيل وتركيا، وتوقع في استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما، ويقال أنه جرى لقاء بينهما في دولة الإمارات العربية المتحدة الشهر الماضي، كما وأرسلت تركيا مؤخرا ملحقا اقتصاديا إلى إسرائيل، ولذلك يرجح أن تكون لإسرائيل دور ما في الاستثمار الأخير.

هذه المؤشرات تخلق أسئلة متنوعة وأحيانا متضاربة، منها:

1-    هل تركيا تتراجع عن تصلبها، وستحاول أو حتى لو حاولت ستتمكن التخلي عن روسيا أو التخلص منها؟

2-    هل ترى تركيا أن مصالحها تتضرر أكثر بتصلبها هذا، أو لنقل بمواجهتها لدول الناتو وعلى رأسهم أمريكا، إلى درجة أصبحت تراها، وتنشر في صحافتها وبين مواطنيها، كدولة كعدوة وليست حليفة؟

3-    هل ستتراجع عن التوجه الإسلامي الراديكالي، وتعود إلى ليبراليتها السابقة، بعد أن أدى انحرافها إلى تراجع الشركات الرأسمالية العالمية على دعم اقتصادها، وتأكدت أنها ستنهار فيما لو استمرت على نهجها هذا؟

4-    أم أنها تلعب على سياسة عدم التخلي عن الطرفين، أو إرضاءهما، بتقديم التنازلات المتمكنة منها، كالتخلص من المعارضة السورية المسلحة لإرضاء روسيا، وإطلاق سراح القس وعدم إثارة قضية منبج وشرقي الفرات لإرضاء أمريكا.

 علما أن الخلافات التي تمت بينهم، ومعهم دول الناتو الأخرى، بلغت درجة شبه القطيعة، والكلمة الأخيرة ملغية في عالم السياسة، والأصعب هو الخلاف الإيديولوجي بين تركيا والدول الأوربية ونظرة حزب العدالة والتنمية لأمريكا كدولة متحكمة بأمورها منذ قرن من الزمن وهي الأن تجد ذاتها دولة متحررة من هيمنتها، ولا ننسى الصدع الرهيب على خلفية الانقلاب الفاشل، وفي النهاية التقارب الكبير بينها وبين روسيا، والتي فيها عداوة مباشرة للناتو وأمريكا.

5-     فهل أمريكا ستتخلى عن كل هذا، وستعفو عن أموالها المجمدة على خلفية تعاملها مع إيران، وهل ستسلم فتح الله غولن إلى أردوغان؟ أسئلة مشكوكة في تحقيقها.

6-    أم أنها مسألة مد وجزر، فالعلاقات العسكرية والاقتصادية على الأقل، عميقة إلى درجة ليست من السهولة قطعها بسنوات قليلة، (وجدير بالذكر لشركة عائلة ترمب العقارية ذاتها استثمارات عديدة ضمن تركيا، وفي العديد من مدنها).

 ولا ننسى مسألة اللاجئين السوريين، كورقة رابحة في إيدي أردوغان، والتي تضغط بها على أوربا وهؤلاء بدورهم على أمريكان للتساهل مع التجاوزات التركية، ودور الأخيرة في المسيرة السياسية السورية، لا تستطيع لا أمريكا ولا روسيا التغاضي عنها.

  ولا شك أن القضية الكردية من إحدى القضايا الرئيسة التي تحرك استراتيجية أردوغان وتنقله من جهة إلى أخرى، والتي يدرجها على رأس قائمة الأخطار التي تواجهها تركيا، أي بما معناه تقف عليها وحدة تركيا أو تفتتها، ولكنها ليست الوحيدة في تغيير مواقفه بين أوربا وأمريكا وروسيا، فيه دولة ذات مؤسسات عالمية ولها علاقات دولية، وتتحكم بمسيرتها السياسية والاقتصادية قضايا متنوعة، لا تقل ثقلا وأهمية عن القضية الكردية والكردستانية.

وبالتالي إلى إي مدى ستتمكن تركيا الأردوغانية من تقديم الخدمات للطرفين، وبهذه الطرق المبتذلة، أو إلى أي حد ستتقبل منها روسيا وأمريكا نفاقها الدبلوماسي هذا وتبجحها عليهم، وأساليبها الملتوية لتمرير مصالحها؟ وجميع الأطراف يعلمون دقائق مجريات الأحداث، وعدم مصداقية أردوغان، ومدى ترجيح مصلحة حزبه الإخواني ذو التوجه الراديكالي الإسلامي على تركيا، ومن ثم مصلحة تركيا على الاتفاقيات الدبلوماسية، ومن السهولة التخلي عنها إذا دعت الضرورة، أي بما معناه كم ستطول هذه اللعبة بينهم على حساب مصير شعوب المنطقة وعلى رأسهم الشعبين الكردي والسوري؟

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

12/10/2018م

2 Comments on “ماذا يجري بين أمريكا وتركيا – د. محمود عباس”

  1. مختصر مفيد الاستبداد وتدهور الاقتصار يهددان حظوظ اوردوغان التمادي على طغيانه وما دامت الروح في الجسد فلن يستطيع احد (يا اوردوغان مثلك) ان يركع شعب كوردستان
    ترامب يسعى لمزيد من التنازلات من اوردوغان
    ويبدو أن أردوغان، الذي تراجع عن مواقفه بشأن برانسون ورضخ للضغوط الأميركية، سيقدم في الأشهر المقبلة مزيدا من التنازلات لكسب ود الإدارة الأميركية.
    قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن إطلاق سراح القس الأميركي، أندرو برانسون، بعد عامين من الاحتجاز في تركيا، لم يكن سهلا بالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في إشارة إلى التنازل الذي قدمه الأخير بعد أشهر من الضغط الأميركي والعقوبات التي أدت إلى انهيار الليرة التركية.
    وأضاف الرئيس الأميركي للصحفيين، خلال مقابلة مع برانسون في المكتب البيضاوي، “الصفقة الوحيدة، إذا كان بإمكانك وصفها بصفقة، هي صفقة نفسية. شعورنا بشأن تركيا اليوم مختلف كثيرا مما كنا عليه بالأمس، وأعتقد أن لدينا فرصة في أن نصبح أقرب كثيرا إلى تركيا”.
    وقضت محكمة تركية الجمعة بسجن برانسون لأكثر من ثلاث سنوات بعد اتهامه بالارتباط بمسلحين أكراد وأنصار رجل الدين فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، لكنها قالت إنه لن يقضي مزيدا من الوقت في السجن لأنه محتجز منذ أكتوبر تشرين الأول 2016.
    ولم يتعهد ترامب برفع العقوبات لكنه رحب بإنهاء “علاقة صعبة” بين البلدين خلال الشهرين الماضيين. وردا على سؤال، أضاف أن الإدارة تعمل بنشاط بشأن وضع الأميركيين المسجونين الآخرين وموظفي الحكومة في تركيا. وقال “نحن نعمل بجد جدا”.
    وفي حضور وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون ونواب أميركيين وعائلة برانسون، ركع القس بجانب ترامب على أرضية المكتب البيضاوي ووضع يده على كتفه وصلى من أجل أن يمنحه الله “حكمة خارقة”.
    وقال برانسون إن مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية في تركيا، يعملون لصالح السجناء الأميركيين الآخرين، مضيفا “يعكفون على الدفاع عن السجناء الآخرين”.

    علي بارزان

  2. اوردغان ثعلب ماكر ومتقلب عند الضرورة يقدم تنازلات ويتراجع لا يختلف عن اتاتورك من ناحية تعصبه وطورانيته وتعامله مع الكورد بعد اطلاقه سراح القس الامريكى إرضاء للرئيس ترامب بدأ يصعد نبرة تهديداته للكورد المطالبين بحقوقهم المشروعة في العيش بسلام وحرية وكرامة والذين يعتبرهم إرهابيين في الوقت الذى يمارس هو مع شعبه إرهاب الدولة ويطارد ويقمع ويضطهد ويطرد ويعتقل كل من يعارض سياسته وديكتاتوريته وتنكره واعلانه الحرب على أولياء نعمته واقرب المقربين اليه اللذين صعد على اكتافهم اكبر دليل واثبات تحية للكاتب

Comments are closed.