نيجيرفان بارزاني ودبلوماسية الجنازة- في وداع الأمير الأخير – nasi.missouri

الجنازة في عرف السياسة ليس مجرّد “تابوت” أو “نعش” يحمل جثة ميت، وإنما هو رمز له أكثر من دلالة وأكثر من معنى وأكثر من غاية.
استقبال جنازة أمير الإيزيديين اليوم في أربيل، على أعلى المستويات، وبحضور راعيها الأول دولة رئيس الوزراء نيجيرفان بارزاني، حمل الكثير من الرسائل الداخلية والخارجية.

الهدف من دبلوماسية الجنازة، عموماً، والتي تحدث عادةً في حضرة القبور وما حولها من تراجيديا، وسط فوضى الكوارث والمصائب والويلات، ليس البكاء على الميت، وإنما استغلال الموت وتوظيفه كلحظة وجودية فارقة، للعبور إلى مكاسب سياسية، وتسجيل مواقف على أكثر من مستوى وصعيد، أمام الرأي العام.

ما جرى اليوم، أمام الكاميرات من تغطيات مباشرة، وعلى مدى ساعات متواصلة، لنقل مراسيم استقبال جنازة الأمير تحسين سعيد بك، استقبال الملوك والرؤساء، يدعونا إلى الكثير من التساؤل والتفكير.

للجنازة بوصفها تمثيلاً لحقيقة نهائية وثابتة، وجه واحد نقرأه في الموت، أما لدبلوماسيتها بوصفها تمثيلاً لحقيقة مغايرة ومتحولة، وجوه متعددة، نقرأها في السياسة وأحوالها.

ما جرى في أربيل، اليوم، من استقبال مهيب لجنازة أمير الإيزيديين، كان من الممكن أن يجري في بغداد أيضاً، وعلى أعلى المستويات، ولكن ذلك لم يحدث، ليس بسبب “رفض” بغداد، ولا “رفض” الإيزيديين، وإنما لأسباب سياسية بحتة لها علاقة بالخلاف بين بغداد وأربيل، ومحاولة الأخيرة لجرّ الإيزيديين إلى صراعات هم في غنى عنها.

غياب القيادات العراقية العليا عن مراسيم الجنازة، واكتفائها بإرسال “ممثلين” لها، كان دليلاً واضحاً على الخلاف القائم بين كلّ من بغداد وأربيل، ليس على الجنازة التي مثّلت رمزاً للإيزيديين، وإنما على ديبلوماسيتها، وطريقة التعاطي السياسي معها.

فعلى الرغم من وجود العلمين العراقي والكردستاني في مراسيم تشييع الجنازة، إلا أن وسائل إعلام كردستان الرسمية حاولت كل جهدها، وبقصد، إخفاء العلم العراقي وراء العلم الكردستاني، وكأن العراق جزء من كردستان وليس العكس.

في كلمته التي ألقاها في مراسيم الجنازة، اليوم، أراد بارزاني أن يرسل أكثر من رسالة:
الأولى للإيزيديين، مفادها عفى الله عما سلف، أي مسح خطيئة أربيل بجنازة الأمير، لطي صفحة الغضب الإيزيدي على قيادة حزبه المسؤولة المباشرة عن “الإنسحاب التكتيكي” لكامل منظومة الدفاع الكردستانية في الثالث من أغسطس 2014 من شنكال، بصفر مقاومة وصفر شهيد وصفر جريح، ناهيكم عن صفر محاسبة وصفر محاكمة للمسؤولين عما جرى، ما أدى إلى حدوث أفظع جينوسايد للإيزيديين في هذا القرن.

الثانية لبغداد، مفادها أن الجنازة هي ل”أمير الإيزيديين في كردستان والعالم”، وهو مصطلح جديد أطلقه بارزاني، اليوم، ربما لتغيير إسم “المجلس الروحاني الإيزيدي الأعلى في العراق والعالم”، لاحقاً، إلى “المجلس الروحاني الإيزيدي في كردستان والعالم”، الأمر الذي يعني حسم الجدل حول المناطق الإيزيدية المتنازع عليها لصالح أربيل ضد بغداد.

الثالثة للعالم، مفادها أنّ استهداف تنظيم داعش ل”الكرد الإيزيديين” (بحسب اصطلاح الإعلام الرسمي لكردستان الرسمية)، وراتكابه جرائم إبادة جماعية بحقهم، هو في النهاية استهداف لعموم شعب كردستان، بالتالي فإن قضية الإيزيديين التي تم تدويلها في السنوات الأخيرة، هي قضية قومية كردية بالدرجة الأساس، قبل أن تكون قضية دينية أو إثنو دينية.

الرابعة للأحزاب الكردستانية، مفادها أنّ بيوض الإيزيديين لا يمكن لها أن تكون إلا في سلة “الحزب الدبمقراطي الكردستاني”، وذلك من خلال الإشارة لأكثر من مرة الى مشاركة الأمير الراحل في “ثورات بارزان” و”ثورة أيلول”، وكأنه يريد أن يكرر ما قاله الخليفة هارون الرشيد للغيمة: “اذهبي أينما شئت فإنك ستمطرين في أرضي”!

بالمختصر المفيد ما خسره بارزاني وحزبه، إيزيدياً، قبل موت الأمير، أعاده ب”ضربة معلم” بعد موته.

اجب عن هذا التوصيف صح او لا