كان الروس على دراية بطبائع الأرمن. ودرأ لخلق المشاكل لهم، كما ذكرنا في الحلقة الماضية قرروا ألا تدخل الكتائب التي تتواجد فيها جنود الأرمن، حتى لو كان فيها جندي أرمني واحد. حين كان هذا القرار ساري المفعول لم تكن لدى الجيش الروسي مشاكل تذكر في مدن المناطق التي احتلوها: كأرضروم، ووان، وبدليس، وموش، وأزرنجان وغيرها، فهي مدن كردية بمناطقها. والقلاقل التي واجهت الروس كان عندما تخلوا عن قرارهم ذاك. فحدثت مجازر ومذابح غير متوقعة. كما نعلم أن الحروب تأتي بالقتلى. أما أن يتجاوز القتل حدود التصور؛ حينها يوصف ذاك الشعب بالهمج وبالبربرية.
لنتابع سيادة الكولونيل عن هذه الفترة:
“ولما أخذت جنود الصف الروس تعود إلى ديارها خشينا أن ينتهز الأرمن الباقون في خط القتال أو النازحون إلى أرضروم فرصة خلو تلك الناحية من أولئك الجنود فيعتدوا على الأهالي الأتراك(1) قبل وصول وحدات الجنسيات الأخرى. ولكن بعضهم أكدوا أنه لن يقع شيء من ذلك، وأعربوا عن رغبتهم في السعي للتوفيق بين الشعبين، وقالوا لنا: إنهم سيعملون في بعض أمور ملائمة تكفل نجاح مسعاهم.
والواقع أنهم أخذوا يحولون مجرى الحوادث في الحال بما يؤيد دعواهم، فإن المساجد التي كانت حولت إلى ثكنات قد ظهرت من جديد، وأعيدت إلى ما كانت عليه، ونزعت منها الصبغة العسكرية، ثم شكلت فرقة الميليشيا من الأتراك والأرمن، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أخذ الأخيرون يلحون في عقد محاكم عسكرية لمعاقبة مرتكبي حوادث الاعتداءات ضد الأتراك!
وسيظهر فيما بعد أن تلك المناورات كلها لم تكن إلا لذرِّ الرماد في العيون ولتحويل الأنظار عن أعمال الغدر التي وضعت خفية بحكمة ودهاء. فإن الأتراك الذين التحقوا بالميليشيا ما لبثوا أن ضاقوا بها ذرعا بعد أن رأوا معظمهم الذين عينوا للقيام بأعمال الدوريات الليلية في جنح الظلام اختفوا بطريقة غريبة فلم يقفوا لهم على أثر، وأن الأتراك الذين اختيروا للعمل في الحقول اختفوا أيضا دون أن يتركوا وراءهم أثرا. حتى أن أعضاء المحكمة العسكرية أنفسهم صاروا يخشون الحكم بالعقوبات خوفا على أرواحهم. فاستمر القتل والنهب حتى لقد قتل بكير حاجي أفندي عين أعيان أرضروم في عقر داره بين آخر كانون الثاني وأول شباط. فاضطر القائد أودشليزا أن يصدر إلى الضباط المشرفين على الجنود أمرا بالقبض على القاتل في خلال ثلاثة أيام. ” أهـ (انتهى الاقتباس).
يتبع
تجمع الملاحظين، عنهم:
كاوار خضر
——————————
(1) يطلق الكاتب اسم الاتراك على جميع السكان هناك؛ كون الحرب قائمة بين الحكومة التركية والحكومة الروسية؛ في حين أن سكان المناطق التي يتحدث الكاتب عنها غالبيته من السكان الكرد، وهي مناطق كردية تتواجد فيها نسبة قليلة من الأتراك والشيشان والجورجيين وغيرهم.

