عندما يبدي الروسي مخاوفه من الأرمن؛ رغم التعاون القائم بينهما، لها دلائلها. صرح هذا الكولونيل في بداية تقريره برأيه عن الشعب الأرمني، وبشكل يمكن القول أنه جدير بالاهتمام. فالروس والأرمن لهما نفس المذهب الديني، وكذلك لهما منافع مشتركة. غير أن ذلك لم يمنع من أن يحيط الروسي بهذا الشعب إحاطة جعله يلوم الغرب على قلة معرفتهم بالأرمن؛ عما يعلمه الروس عنهم. وما يظن الغرب أن الشعب الأرمني متحضر، ويحمل الحضارة، فبرأيه ليسوا كما يظنون بهم. ويدخل بعد حديثه، عن توهم الغرب، في الجرائم التي ارتكبها الأرمن حين الإبادة المتبادلة. طبعا عدا جنود الأتراك، الذين وقعوا في الأسر، فالمدنيين الذين قتلوا غالبيتهم من الكرد. وليس هذا الضابط الروسي هو الوحيد الذي يشهد ببشاعة ما قام به الأرمن ضد سكان الولايات الكردية في الدولة العثمانية؛ وكذلك الأوربيون والأميركيون الذين اتخذوا طرف الحياد في هذه الإبادة المتبادلة. سنأتي عليها تباعا.
رغم أن العديد من الأخوة الكرد أغرقونا بالإيميلات للكف عن هذا السرد لهذه الوثائق! واعتبروا أن ما نقوم به تصب في مصلحة تركيا الأردوغانية؛ خاصة وأن الغرب كاملا يكاد الاعتراف بجينوسايد العثمانيين للأرمن. ونحن في تجمع الملاحظين بدورنا نسأل على الملأ هؤلاء الأخوة: هل الأرمن أعلنوا للغرب أن الكرد براء من تلك الجينوسايد المتبادل؟ فإثبات الإبادة على الأتراك هو إثبات علينا أيضا. طالما لم يبرئنا الأرمن منها، ولم نقدم لهذا الغرب الوثائق والأدلة أن الأرمن أبادوا منا أكثر مما أبدنا نحن منهم؛ ونحن كنا مأمورين، ولم نكن آمرين! بينما هم؛ أي الأرمن كانوا في طور إنشاء كيان لهم؟
نستغرب كيف يقبل هؤلاء الأخوة أن يثبتوا الإبادة على أنفسهم! وهم يطالبون الغرب أن يساعدوهم في إنشاء كيان لنا ككرد؟
إليكم ماذا يقوله الكولونيل عن تلك الأيام:
“وبينما أنا ذا يوم أجوس شوارع المدينة ممتطيا جوادي إذ رأيت لفيفا من الجنود الروس قد حرضهم جندي أرمني ودفعهم إلى سحب شيخين هرمين كبيرين ناهزا السبعين من العمر. وكان ذلك الجندي في حالة تشبه الجنون؛ إذ أخذ يضرب هذين الشيخين بسوط كأنه شواظ من نار بلا شفقة، فحاولت أن أحمل الجنود على معاملتهما بشيء من الإنسانية، فذهبت محاولتي عبثا، ثم توجه إلي ذلك الجندي وصاح مهددا إياي بسوطه قائلا: “أيجرؤ مثلك على حماية قاتلينا؟” وأقبل نحونا كثير من الأرمن فانضموا إلى صاحبهم، فصرت في موقف حرج إزاء الجنود الروس الذين كانوا وقتئذ ينتهزون أي فرصة لضرب ضباطهم، بل والفتك بهم. ولكن ما لبث الحال أن تحول إلى الضد عندما ظهرت دورية من الضباط؛ إذ أطلق الأرمن أرجلهم للريح وشرع الجنود الروس يسحبون الشيخ برفق.” أهـ (انتهى الاقتباس).
يتبع
تجمع الملاحظين، عنهم:
كاوار خضر
——————————
(1) يطلق الكاتب اسم الاتراك على جميع السكان القاطنين هناك؛ كون الحرب كانت قائمة بين الحكومة التركية والحكومة الروسية؛ في حين أن سكان المناطق التي يتحدث الكاتب عنها غالبيتهم من الكرد، وهي مناطق كردية تتواجد فيها نسبة قليلة من الأتراك والشيشان والجورجيين وغيرهم.

