الحرس الثوري – فيلق القدس وقاسم سليماني : خلال آنتصار الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 على الملكية في ايران وإلغائها تم تأسيس مؤسسة شبه عسكرية توازي الجيش الإيراني الملكي النشأة بإسم [ سپاه پاسداران إنقلاب إسلامي ] كما باللغة الفارسية ، أي : جيش حراس الثورة الإسلامية وآشتهر فيما بعد عربياً بالحرس الثوري ، ولم يتم إدراج إسم ايران بعد التسمية كإشارة واضحة وصريحة لعالمية [ الثورة الإسلامية الإيرانية ] بحسب عقيدة قادتها ، في مقدمتهم قائد الثورة ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الراحل روح الله الموسوي الخميني [ 1902 – 1989 ] ، علما إن الحرس الثوري الإيراني قد تأسس بأمر مباشر من الخميني نفسه كخطوة إحترازية وآحتياطية من إنقلاب عسكري . مضافاً الى الدائرة التي تمثل الكرة الأرضية كمؤشِّر لعالمية الثورة أيضا !
لقد أكد الخميني وغيره من قادة الثورة منذ بداية آنتصارها على مبدإ تصدير [ الثورة الإسلامية الإيرانية ] الى العالم ، بخاصة العالم الإسلامي للتمهيد لتأسيس [ دولة المهدي العالمية ] في نهاية المطاف . ما ورد يدل بكل وضوح على مذهبية الثورة الإيرانية ، وعلى البعد والتشدد المذهبي والطائفي لها . ذلك إن [ المهدي ] في المذهب الشيعي ليس هو ذاك [ المهدي ] في المذهب السني . فالمهدي في المذهب الشيعي قيامه مذهبويٌّ دمويٌّ إستئصاليٌّ ثأريٌّ ، كما إن ظهوره قائم على الإبادات البشرية وضد جميع خصوم أهل البيت النبوي الكريم ، في مقدمتهم الكتلة الأكبر للأمة المسلمة ، وهي أهل السنة ، لا بل يقوم المهدي < بإحياء ! > الخلفاء الراشدين الثلاثة وغيرهم أيضا من الصحابة من مراقدهم ، ثم محاكمتهم وإعمال السيف فيهم ذبحا بسبب < غصبهم ! > خلافة عليٍّ وعدائهم لآل بيت النبوة كما يزعمون ! .
على أساس تلكم المعتقدات المتطرفة والشاذة تم تأسيس [ فيلق القدس ] ما بعد الحرب العراقية – الإيرانية [ 1980 – 1988 ] ، وبالتحديد عام 1990 وأول قائد له كان العقيد حامد وحيدي ، ثم تم تعيين قاسم سليماني محله عام 1998 بأمر مباشر من المرشد الإيراني علي الخامنه أي . من جهة أخرى يُعتبرفيلق القدس أكثر الوحدات والمراكز للجمهورية الإسلامية الإيرانية سرية ونخبوية وآستقلالية ، إذ إن فيلق القدس لا يخضع إلاّ للمرشد الأعلى الإيراني علي الخامنه أي ، ثم لقائده ، مع آمتلاكه مسؤوليات وصلاحيات واسعة وكبيرة جدا ، بخاصة فيما وراء الحدود الدولية . ذلك إن مهام فيلق القدس هي متعددة ومتنوعة وآستراتيجية للغاية للجمهورية الإسلامية الإيرانية كما أكد ذلك مؤسسها وسائر القادة الإيرانيين ، وتتمثل مهام فيلق القدس في المقام الأول ، في المبدإ الأول الذي نادى به الخميني ، وهو ضرورة تصدير الثورة الإيرانية الى البلدان العربية وغير العربية والعالم بشكل عام ، ذلك يعني بناء إمبراطورية إيرانية فارسية مذهبية متشددة .
كما ورد لقد تم تأسيس فيلق القدس للمهام الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية ، في مقدمتها العمليات خارج حدود ايران والإقليمية ، بل في العالم كله كالإغتيالات والخطف ، مع إجراء الإتصالات ذات الطابع السري مع المسؤولين الحكوميين ، أو غير الحكوميين من الحركات والمنظمات السياسية في مختلف البلدان بالمنطقة وتزويدها بالأموال والأسلحة ، مضافا الى المهام الأمنية والإستخبارية والتبشيرية المذهبية . جدير بالذكر هنا إن فيلق القدس تأسس على أنقاض [ قسم حركات التحرير ! ] للحرس الثوري الإيراني الذي تأسس خلال إنتصار الثورة الإيرانية الذي كان يلعب نفس الأدوار التي يلعبها فيلق القدس اليوم .
إن رؤية قاسم سليماني قائد فيلق القدس السابق والفيلق نفسه للكرد وكردستان ، هي نفس رؤية الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، وهي رؤية سلبية للغاية مثل بقية المتقاسمين لأجزاء كردستان . كان لقاسم سليماني وفيلقه علاقات مع إقليم كردستان – العراق وأحزابه السياسية ، بخاصة مع حزبي البارزاني والطالباني ، وبشكل أخص مع حزب الطالباني ، ففيلق القدس بقيادة قاسم سليماني كان يساند الأحزاب الكردية ماليا وتسليحيا إبان الحرب العراقية – الإيرانية ، ولحد اليوم مازالت العلاقات قائمة بين الأحزاب الكردية في إقليم كردستان – العراق وفيلق القدس والجمهورية الإسلامية الإيرانية عموما ، بل إن فيلق القدس له تأثيره وسطوته على الإقليم الكردستاني – العراق ، ففيلق القدس لا يتعامل مع إقليم كردستان – العراق إلاّ تكتيكيا ومرحليا ولو إنه تمكن لأزاح الوضع الحالي للإقليم ولقلبه رأسا على عقب ، وذلك خشية من كردستان – ايران التي تعتبر ثاني أكبر أجزاء كردستان من حيث المساحة والسكان والجارة لإقليم كردستان – العراق !
إن فيلق القدس بقيادة قاسم سليماني قد قام بعدة عمليات إغتيالية إرهابية ضد العديد من القادة السياسيين والمفكرين الكرد في أوربا ، وبعمليات إغتيالية ضد الشخصيات الإيرانية المعارضة في أوربا كذلك ، كما في إقليم كردستان – العراق أيضا ، منها عملية فينا بالنمسا عام 1989 ، حيث آغتال زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني – ايران الدكتور عبدالرحمن قاسلو والدكتور فاضل رسول ، ثم عملية إغتيال الدكتور محمد صادق شرفكندي زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني – ايران ورفاقه في ألمانيا عام 1992 ، مضافا الى العديد من الكوادر والمسؤولين الكرد من كردستان – ايران في إقليم كردستان – العراق ، بل أقدم فيلق القدس على قصف مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني – ايران عام 2018 في مدينة كويسنجق ، في إقليم كردستان – العراق بالصواريخ مما أدى الى مقتل 14 شخصا وإصابة 30 آخرين من مسؤوليه وأعضاءه ! .
تداعيات مقتل قاسم سليماني : لا شك ان مقتل قائد فيلق القدس المعروف قاسم سليماني قرب مطار بغداد الدولي في الثالث من هذا الشهر للعام الجديد من قبل الجيش الأمريكي وأبو مهدي المهندس قائد الحشد الشعبي العراقي سيكون له تداعيات على الوضع في العراق وإقليم كردستان – العراق ، وهكذا في المنطقة أيضا ، وذلك لِمَا كان عليه من ثقل ومسؤولية ومكانة كبرى لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية . كان قاسم سليماني يُعد الشخصية الثانية في النظام الإيراني بعد المرشد الأعلى خامنه أي . لهذا فإن مقتله كان مفاجأة وصدمة في نفس الوقت للقادة الإيرانيين الذين نددوا بعملية القتل له وأطلقوا مختلف التهديدات الإنتقامية ضد المصالح والمواقع الأمريكية .
على هذا الأساس أعلنت ايران بأنها قد تستهدف 35 موقعا أمريكيا في المنطقة ، وذلك ثأرا لمقتل قاسم سليماني ، بالمقابل رد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن 53 موقعا ايرانيا ، هو في دائرة الإستهداف الأمريكية اذا ما أقدمت ايران على مهاجمة أيَّ موقع أمريكي . وفي تطور للوضع السياسي العراقي صوَّت البرلمان العراقي لصالح طرد القوات الأمريكية من العراق ، وجاء ذلك بعد الضغوط التي تلقاه من كتائب حزب الله العراقي للبرلمان .
أعتقد بعد مقتل الصندوق الأسود للجمهورية الإسلامية الإيرانية قاسم سليماني إنها أضحت بين خيارين صعبين ومعقدين للغاية ، هذا بالرغم من التهديدات التي أطلقها قادتها ضد الولايات المتحدة والمصالح والمواقع الأمريكية في المنطقة ثأراً لرأس حربتها في خارج حدودها الدولية الذي كان يُعد العقل المدبر لدولة ولاية الفقيه على الصعيد الخارجي . فلو إن طهران قام بعمليات إنتقامية صد المصالح والمواقع الأمريكية بالمنطقة ، لا شك إن الولايات المتحدة سوف ترد عليها فورا ، بل ربما يكون الرد الأمريكي على الداخل الإيراني حيث المواقع العسكرية والتسليحية والإقتصادية والسياسية والسيادية . لذلك أتصور بأن هذا ما لا تريد طهران التورط فيه . وإن لم تقدم طهران بعمليات إنتقامية ، فهذا ما ينقلب عليها سلبا من الداخل ، ثم هناك فارق كبير جدا في التوازن العسكري والتسليحي والإقتصادي والجغرافي بين الولايات المتحدة وايران ، لكن هل هذا معناه إن ايران لا تقدم على أعمال إنتقامية ضد الولايات المتحدة …؟
من المستبعد أن تظل ايران ساكتة بلا رد فعل حيال جنرالها المقتول في العراق والعابر للحدود الإقليمية والدولية الذي يُعتبر الأمين العام الخارجي لولاية الفقيه الإيرانية ، لكن قد تكون العمليات أو الردود الإنتقامية عبر المنظمات الموالية لها في العراق واليمن ولبنان وغيرها ، وهذا أيضا قد ينقلب عكسا وسلبا على نظام ولاية الفقيه . بعض المراقبين يرون إن ايران لا تقدم على أعمال قد تسبب حربا شاملة عليها تنتهي بسقوط نظامها ، أو تعرض ايران لدمار شامل من جميع النواحي . كذلك بالمقابل لا تريد الولايات المتحدة من إندلاع حرب شاملة التي لها تكاليف باهضة وعالية على كل الصعد ، أما رغم ذلك أعتقد بأن واشنطن سوف ترد ردا شاملا وصاعقا وساحقا إن حاولت ايران ضرب مواقعها ومصالحها بالمنطقة التي باتت على حافة البركان من إندلاع حرب الخليج الرابعة ، وإن إندلعت هذه الحرب – لا قدر الله تعالى – فإنها لا تكون كسابقاتها ، بل إنها لا تبقي ولا تذر وستكون مدمرة من جميع الجهات ، وسترتد على العديد من البلدان في المنطقة .

