يوميات سائق تاكسي في المانيا- الجزء الحادي عشر- بدل فقير حجي

نيسان 2020


منذ اكثر من سبعة عشرة سنة مضت وانا اعمل بصفة سائق تاكسي في المانيا وبالتحديد في مدينة اولدنبورك والتي هي مركز لأحدى المحافظات الثلاث التابعة لولاية نيدرزاكسن والتي عاصمتها هي هانوفر ، تقع اولدنبورك في الشمال الغربي من المانيا وعلى مقربة من الحدود الهولندية .

 

حوادث كارثية

 

بينما كنت ذاهبا في الطريق لأحضار أحد زبائني ، وجدت في تقاطع الترافكلايت جثة هامدة لفتاة ممتدة في وسط الشارع وبجانبها دراجتها الهوائية وقد تجمع حولها بعض الافراد لمحاولة نجدتها واسعافها ، أركنت التاكسي على جانب الطريق وهرعت مسرعا للمشاركة مع الاخرين في ابداء المساعدة ، ولكن للاسف الشديد كان رأسها قد أنفجر بسبب شدة أرتطامه بالشارع ، أكثر من واحد كان يتصل بالاسعاف والشرطة ، ولكني كنت متأكدا من أنها كانت قد فارقت الحياة ، لذلك رجعت الى سيارتي التاكسي و واصلت طريقي للذهاب الى زبوني .

بعدها علمت أن الفتاة كانت في السابعة عشرة من عمرها ، وأنها وقعت نتيجة أحتكاكها وتصادمها بسيارة حمل كبيرة (شاحنة) أثناء أنعطافها الى جهة اليمين وأن سائق الشاحنة لم يشعر ويعلم بالامر ، لذلك واصل سيره ، ولكن بعض المارة تمكنوا من تسجيل رقم الشاحنة و أعطوها للشرطة والتي تمكنت فيما بعد من القاء القبض عليه بساعات محدودة .

الغريب والمثير والمؤسف جدا أنه قبل بضع سنوات وقعت حادثة لرجل مسن في نفس المكان ولنفس الاسباب والحيثيات والتي أودت بحياته أيضا ، ومنذ حينه تم وضع دراجة الرجل المتوفي البيضاءة اللون أو التي تم صبغها باللون الابيض بجانب شجرة مغروسة في الجهة اليمنى لمكان الحادث ( لرصيف الشارع )، يتم بين حين وآخر وضع اكاليل الزهور والورود والشموع الموقدة بجانب الدراجة تخليدا لذكرى الضحيتين ، وسمعت من الراديو أن عدة اشخاص يذهبون سنويا ضحية لهكذا حوادث داخل المدن .

 

حادثة على (رينك ) الخط السريع للمدينة أو الاوتوبان

 

عملية الهدم والبناء لجانب احدى جسور الخط السريع المحيط بالمدينة كانت تسبب بأزدحام مروري وتلزم خلالها السواق بتخفيض سرعاتهم ، ولكن سائق احدى سيارات الحمل (الشاحنات) لم يركز على الامر و واصل على نفس نسق وشدة سرعته مما أدى الى ارتطام شاحنته بالسيارة الصغيرة التي كانت تسير أمامه والتي كانت تقوده سيدة في الخامسة والستين من عمرها  ، مما أدى الى اندلاع حريق في كابينة الشاحنة والسيارة التي ارتطم بها ، و فارقت السيدة المذكورة الحياة أثر الجروح التي تعرضت لها جراء تلك الحادثة .

 

حادثة تؤدي بحياة خمسة اشخاص في الخط السريع القريب من مدينة أولدنبورك

 

دخل سائق في الحادية والاربعين من عمره بعكس الاتجاه الصحيح الى الخط السريع ( الاوتوبان) بالقرب من مدينة اولدنبورك مما أدى الى ارتطام سيارته بالسيارة القادمة التي كانت تسير في اتجاهها الصحيح ، وأودى الحادث بحياة ذلك السائق المخالف الذي كان يسير بعكس اتجاه السير المروري  و بحياة أربعة من الابرياء الذين كانوا يستقلون السيارة الاخرى ، هكذا سواق يسمونه باللغة الالمانية بالسواق الاشباح و يتم التحذير منهم عبر الراديو بأستمرار .

 

حادث على الطريق الخارجي

أثناء رجوعي من سفرة الى أحدى المدن التي تبعد حوالي ثمانين كيلومترا ، وجدت سيارة قد أنقلبت على جانب الطريق وأن سيارات الاسعاف و الشرطة كانت قد حضرت للمكان ، المفرح أن السيدة التي كانت تقود السيارة أضافة الى طفلها الرضيع الذي رأيته محمولا على أيدي أحد رجال النجدة كانا بخير وعلى مايرام .

 

خبر محزن من سيدة

 

عائلة المانية شبه معاقة تتكون من الاب والام والابن ، كانت تستخدم التاكسي في عملية التبضع من والى البيت ، الابن كان ضخم الجسم ومع ذلك كان يطلب من سائق التاكسي أبداء المساعدة في عملية شد حزام الامان ، وكنا نساهدهم في عملية تحميل وتنزيل المواد التي كانوا يشترونها ، الا أنهم لم يكونوا يعطون أي مبلغ للسائق كبقشيش ، بعدها بفترة وجدت أن السيدة كانت تستخدم التاكسي لوحدها وأنها كانت قد غيرت منطقة سكنها ، لم اسألها قط عن زوجها وابنها . وفي كل مرة كانت تطلب أن اساعدها في تحميل وأنزال المواد التي اشترتها وتقول سأعطيك خمسة (يوروات ) بدلا عن مساعدتك ، الا أنني كنت أرفض قبول ذلك وكنت أقول لها المساعدة تأتي من صميم قلبي كأخلاق وكواجب أنساني ، وجدير بالذكر أنه للوصول الى باب شقتها (مسكنها ) والخروج منه يتطلب وقتا وصبرا كون الممر ضيق وفيه أنحناء مزعج . بصورة عامة أني أقبل استلام البقشيش الاعيادي بكل رحابة صدر ، أي شرط أن لايكون بدلا عن أداء خدمة لمعاق أو مسن أو مريض أو غيرها من الحالات الانسانية .

نقلت السيدة مع موادها وأغراضها عدة مرات وموقفي كان هو كما هو ، لا أقبل استلام الخمسة يورو مقابل مساعدتها ، ولأنه لم يلد لديها شعورا أو أحساسا بأعطائي ولو يورو كبقشيش قررت أن أستلم منها الخمسة يورو في المرة القادمة (كرد فعل) . بعد ذلك القرار بفترة استلمت طلبية لنقل تلك السيدة مرة اخرى من أحدى محلات المواد الغذائية الى بيتها .

أثناء الطريق تحدثت اليّ تلك السيدة بحرقة عن زوجها وأبنها اللذان فارقا الحياة منذ أكثر من سنة بسبب حالتهما المرضية المزمنة مثلما ذكرت ، قدمت للسيدة أسفي ومواساتي لموت زوجها وابنها ، كما تأسفت أيضا للقرار التي كنت قد أتخذته بأستلام الخمسة يورو من السيدة في هذه المرة مقابل مساعدتها ، لحسن الحظ وقبل فوات الاوان الغيت قراري وأستمريت بأبداء المساعدة من دون أستلام المبلغ المذكور وبكل رحابة صدر .

أجمل ما أحمله من ذكرى لتلك السيدة وزوجها هي أنهما كانا يجلسان في الحجرة الخلفية للتاكسي بكل زهو وسمو بالرغم من تقدمهما بالسن و شكلهما المتواضع وكانا يتبادلان القبل الخفيفة والسريعة كعشاق في مقتبل العمر .

 

زملاء في ذمة الخلود

 

سائق تركي محترم وطيب في الستين من عمره شعر بدوار ودوخة وتغير في ملامح الوجه فجأة ، ذهب مسرعا للعلاج في المستشفى ، و لسوء حظه تبين أنه مصاب بالسرطان في الرأس ، وبعد ستة أشهر من العلاج الكيميائي والاشعاعي غير المجدي أنتقل الى رحمة الله . حسبما علمت من الزملاء أنه كان ميسور الحال ويمتلك مزارع و أراضي في تركيا . العراقيون يستخدمون السلام عليكم جميعا أثناء أداء التحية للمجموعة او الجماعة ، أما الزميل التركي المرحوم  فكان أثناء أداء التحية للمجموعة يقول وبالتلفظ التركي : ( سلام عليكم جملتا “).

 

زميل اخر من تركيا ربما من اصول كوردية أو عربية ، مضى على وجوده في المانيا أكثر من أربعين سنة وتطرقنا اليه في صفحات اخرى من هذه اليوميات ، عمل مع ثلاثة من أخوانه الاخرين كسواق لسيارات التاكسي في نفس الشركة ، يقال أن أمهم في حينها كانت تتصل بالشركة وتقول الغداء جاهز فاليأتوا اولادي لتناول غدائهم ، أثنان من اخوانه أنتقلا الى مدينة أخرى و بقي هو وأحد أخوانه في أولدنبورك ، أخاه لديه ولدان أصبحا هما الاخران سواق تاكسي واشتروا فيما بعد سياراتهم الخاصة بهما وتحولا الى شركات مستقلة . أما الزميل الذي نتحدث عنه فله أبن واحد ، وهوعبثي ومتهور بأمتياز ولكنه طيب جدا وعمل أيضا لفترة كسائق تاكسي ، قام الزميل والد الشاب المتهور بشراء تاكسي خاص به ومن ثم اشترى سيارتي تاكسي اخريتين ، جدير بالذكر أنه لم يسافر طيلة حياته بالطائرة من المانيا الى تركيا وذلك لخوفه الشديد من ركوب الطائرة. ذلك الزميل كان مصابا بالسكري ومع ذلك كان يفرط في تناول الحلويات ، دخل المستشفى و أجري له عملية جراحية ، ومن جرائها توفي ، ربما بسبب عدم التزامه بالحمية . بعدها بفترة وجيزة قام أبنه العبثي ببيع سياراته التاكسي الثلاثة بمبلغ زهيد بالرغم من أنها كانت مسجلة بأسم أمه وأخواته حسبما علمت ، الاملاك غير مسجلة بأسمه لأنه مطلوب من قبل المحاكم لأعالة أطفاله من عشيقاته ، بعد ذلك قام الابن المتهور بشراء سيارة فارهة وتسبب بحادث مروري أدت به الى الاعاقة  ومن ثم باع بيت والده أيضا .

الذي اشترى سيارات التاكسي المذكورة هوعراقي كوردي وقام بعدها ايضا بشراء رقم تلفون مكتب شركتنا القديمة المعلنة افلاسها ، أي لايزال بأمكان الزبائن طلب التاكسي من خلال الرقم القديم ، والتاكسي الذي اعمل فيه للشركة الجديدة لايزال مرتبطا بالتلفون القديم ، بالطبع كل من يريد الارتباط بهاتف سنترال تلك الشركة المذكورة وجب عليه دفع أجورها البالغ حوالي الاربعمائة يورو.

ينطبق المثل الكوردي الذي يقول : لا تجمع مالا وثروة لا للولد الصالح ولا للطالح منه على حالة الزميل المرحوم وأبنه العبثي ، فالصالح في كل الاحوال سيكون صالحا وسيثبت جدارته وسيبني شخصيته وسيتدبر أحواله ومعيشته ، أما الابن الطالح فسيبذر ويسرف كل ما جمعت له طوال سنين العمر .

 

الزميل الالماني المتقاعد : زميل الماني كبير السن وبالرغم من ذلك كان يعمل أيام وساعات طويلة وكثيرة ، قال مرة أنه كان شرطيا ولكنه فصل من الوظيفة لأسباب لم يذكرها ، كان الزميل المذكور على خصام مع معظم السواق بسبب تسلسل وقوفه في موقف التاكسي في محطة القطارات والذي كان يسوده نوع من الفوضى الناتجة من سوء التنظيم والتخطيط ، وفي أكثر الاحيان كان هو يتجاوز على حقوق الاخرين ، ولأنه كان يتصرف دائما على عجل ، كان يتسبب بحوادث ، وفي أحدى المرات حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل خرج أعداد من الناس من محطة القطارات وتوجهوا نحو التاكسيات ، كنت واقفا أمام الزميل المذكور فأستلمت زبوني ، وبدلا من أن ينتظر هو الزبون التالي ليأتيه ، أراد هو أن يتوجه بسيارته نحو باب المحطة ليستلم الزبون ، ولأنه كان على عجل ولم يركز فأصطدمت مقدمة سيارته من الجانب الايسر بالجانب الايمن الخلفي من سيارتي وتسبب ببعض الاضرار ، نزل من سيارته واعترف بخطئه وقدم لي الاعتذار ، توقفنا وخسر كلينا الزبونين الجيدين ، أما التاكسيات الاخريات كلها أخذت حصتها من الزبائن ، أتصلنا بالشرطة لتسجيل المحضر ، وبعد أنتظار حوالي النصف ساعة ، حضرت الشرطة والذي كان موقفها سخيفا ، أذ ذكر أحد أفراد الشرطة وقال نحن سنسجل الموقف ، وبأنه هنالك أحتمالا بأن تكون سيارتك هي التي تدحرجت للخلف وتسببت بالحادث ، وهنا كان موقف السائق المذكور أيضا سخيفا وظالما والذي قال هو الاخر : صحيح من الممكن أن تكون سيارتك هي التي تدحرجت وتسببت بالحادث ! قلت له ألم تعترف قبل نصف ساعة بخطئك وقدمت الاعتذار ؟!  الا أنه نفى الامر . بعدها توقفت سيارة تاكسي خلفنا ونزل منها سائقها الالماني وذكر للشرطة بأنه لاحظ وشاهد تفاصيل الحادث ولكنه أضطر في حينه لينقل زبونه الى مكانه ظانا أن الامر واضح وصريح و أنه حضر الى هنا ثانية بالصدفة ، أي أن ذلك الزميل أخبرهم بحقيقة ما جرى ، ولولا الموقف الاخلاقي لذلك الزميل الشاهد على الحادثة لدخلت مشكلة (المحكمة والتحقيق ) مع السائق المذكور، الكثيرين من السواق كانوا يقولون لذلك الزميل لماذا هذا الافراط  في العمل ولمن ستترك نقودك؟! تمرض الزميل موضوع قصتنا هذه ودخل على اثره المستشفى وبعد فترة فارق الحياة ، مضت سنوات و ها أنا أكتب عن ذلك الزميل وتلك الحادثة في نفس مكان وقوعها بكل بأسف وألم لفراقنا وأياه ، رحمه الله .

 

مدخن الغليون : أنه الزميل الالماني الهادئ المسكين ، ذوو الشوارب الكثيفة والضحكة المتميزة ، أشتهر بتدخينه المستمر للغليون ، وكان يمتلك ثلاثة منها حسبما اتذكر ، في الاونة الاخيرة تقدم في العمر وسمعه صار ضعيفا ، وذكر بنفسه أن بعض الزبائن الشباب من النصابين والمتهورين يستغلون عجزه وكبر سنة ويهربون دون أن يدفعوا له أجوره ، تجاوز الرجل الخامسة والسبعون من عمره وتوفي . جدير بالذكر أن أكثر من واحد من الزملاء ماتوا وهم جالسين في سياراتهم التاكسي أثناء أدائهم لأعمالهم .

يقول أحد الزملاء أنه كان جالسا في أحدى الايام لوحده في التاكسي و أضرط ، ولتلطيف الجو والتهوية فتح نافذة التاكسي فدخلت في مناخيره رائحة زكية طيبة جدا ، الا وهي رائحة الفانيلا ، يسترسل الزميل قائلا : فتعجبت من ذلك وقلت لنفسي هل رائحة ضرطتي هكذا طيبة ؟! وللتعرف على مصدر تلك الرائحة كان لابد الخروج من التاكسي والبحث عنه فكانت المفاجئة أن الزميل الانف الذكر كان واقفا خلف سيارتي و يدخن غليونه المحشو بالتبغ (المعطر) بالفانيلا .

 

الاعياد والاحتفالاات والمناسبات

 

في العشرة سنوات الاولى من عملي كسائق تاكسي ، كنت أحب الاعياد والاحتفالات التي تجري في المدينة وكذلك يومي نهاية الاسبوع أيضا ، كوني كنت في عز شبابي و لكون الوارد او الدخل المادي في تلك المناسبت والايام  كان و لايزال جيدا ، أما في السنوات الاخيرة بت أكره الازدحام والتجمعات الكبيرة ، وأصبحت أميل أكثر للهدوء و الانزواء والوحدة . وحتى تجمعات الاعراس والمآتم أحاول تفاديها قدر الامكان ، أو أشارك فيها لمدة قصيرة جدا .

مصيبتي مع المواعيد

 

بعد أن أنتقلت للعمل في النهار لدى الشركة الجديدة للتاكسي واجهت مشكلة كبيرة الا وهي النهوض مبكرا ، وهذا ما لم اتعود عليه منذ أكثر من اربعة عشرة سنة مضت ، قلت في قرارة نفسي سأحاول التكيف مع الامر تدريجيا بالرغم من أني أعاني أصلا من الارق وأضطراب النوم و وضع نفسي شديد القلق والتوتر ، حدة وطأة ذلك الوضع النفسي كان يمتص نسبيا من جراء الحرية التامة التي كنا نتنمتع بها في عملنا لدى الشركة القديمة وهذا ما لم يكن متوفرا لدى الشركة الجديدة .

أبلغت صاحب الشركة الجديدة عن سوء وضعي النفسي ومشكلتي مع النوم وقلت له كن متسامحا معي بالنسبة لمواعيد البدء في العمل و أنا سأعوضك بأيام وساعات عمل أضافية ، أي ليس لدي مشكلة بأن أعمل أيام وساعات أكثر شرط أن لا أكون ملزما بموعد محدد للنهوض والبدء بالعمل . صاحب العمل تفهم الامر نسبيا ، خاصة و أنه لاحظ أثناء عملي لديه في الاشهر الاولى من العمل الليلي بأني أعمل أحيانا كثيرة سبعة أيام وليس كما هو معتاد لدى السواق الاخرين أي خمسة او ستة أيام عمل ، بالطمع العمل الليلي لتلك السنوات الطويلة لم يكن دائما للفجر و أنما كان ذلك في ليلتي نهاية الاسبوع و في أيام الاعياد و الاحتفالات و المناسبات العامة فقط ، أما في الايام الاعتيادية فكنت أبقى في العمل دائما الى حوالي الساعة الواحدة أو الثانية من بعد منتصف الليل فقط . وفي أحدى الايام أتصل بيّ صاحب الشركة الجديدة و أعطاني طلبية تتضمن بأن أقوم بنقل طفل معاق ( أو ربما مريض نفسيا ) من البيت الى مدرسة المعاقين ومن ثم أرجاعه الى البيت بعد أنتهاء الدوام ، فقلت له أنت تعرف مشكلتي مع النوم وخاصة أن أرتبطت بموعد معين للنهوض صباحا ، فأجاب هي عشرة أيام فقط ستنقل فيها طفل في العاشرة من عمره من بيته القريب لسكنك الى مدرسته الفلانية وسترجعه بعد انتهاء الدوام ، قلت حسنا ، و في أول يوم حاولت أن أنام مبكرا لأشبع نوما و أقوم بنقل الطفل في الصباح الباكر ، ولكن هيهات ، فهما حاولت سوف لن أستطيع أن أنام طالما هنالك موعدا في فكري ورأسي ، قضي اليوم الاول وكذلك الثاني بنفس المنوال ، أي النوم مع اليقظة مع قلق وتوتر مع خوف مع تعب شديد ونعاس ، فأتصلت بأحد الزملاء وقلت له مشكلتي كذا وكذا وسوف أصيب بجلطة أن استمريت في ذلك ، كوني لن أستطيع أن أنام ، الرجل قال حسنا سوف أساعدك  وسوف أقوم باداء ذلك الواجب بدلا عنك طالما أنت تعاني من تلك المشكلة ، و أبلغت رب العمل بذلك فوافق وقمت بأعطاء خمسة عشرة يورو لذلك الزميل لقاء ساعة العمل التي كان يقوم بها بدلا عني .

لن أنسى أبدا تلك المساعدة التي تلقيتها من ذلك الزميل الطيب ، والذي أنقذني من تلك الحالة الصعبة جدا . بعدها حاول رب العمل أن يكلفني بهكذا طلبيات مرات اخرى ، فقلت له يارجل بأمكانك أن تطردني وتفصلني من العمل و لكن سوف لن أقوم بذلك لأنه أما سأموت أو سأتسبب بحوادث مرورية وهنا سنخسر نحن الاثنين ، أنا بروحي وأنت بمالك ، ففهم الامر جيدا ولم يعد يكلفني بأية واجبات تتعلق بمواعيد في الصباح الباكر ، والى أن تفهم الزملاء الاخرين في نفس الشركة مشكلتي الانفة الذكر تطلب الامر شرحا وتفسيرا وتوسلا ورجاءا وحتى أحيانا صراخا وزعلا .

جدير بالذكر أن الاكثرية الساحقة من أرباب العمل ليسوا طيبين الى تلك الدرجة ليتفهموا معاناة ومشاكل السواق ، بل لأن اعداد السواق أقل مما هو مطلوب وكل الشركات لديها نقص في ذلك المجال ، و أن وجدوا فالاكثرية هم من أولئك الغير مرغوبين بهم و لأسباب شتى ، لذلك يبدون بعض المرونة والتساهل ازاء من يحتاجونهم .

الاطفال المعاقين

 

كنت أقوم بنقل الطفل المعاق الانف الذكر لمدة عشرة أيام من مدرسته الى بيته بعد انتهاء الدوام ، وخلالها شاهدت العشرات من الاطفال المعاقين بشتى أنواع وحالات ودرجات العوق ، القلوب تتفطر وتتقطع لكل من يشاهد اولئك الابرياء والمساكين وهم يعيشون تلك المعاناة والمأساة الحقيقة ، مع ذلك تراهم منطلقين ، يلعبون ويمرحون و يتحادثون ويتشاكسون مع بعضهم البعض وضحكاتهم تتعالى من دون ان ترى امارات الحزن على سيماهم . ولكن مشاهد بعض الحالات لأولئك الابرياء كانت اشد حزنا والما ، فمثلا ها هي حالة ذلك الطفل الصغير المقعد على الكرسي الخاص بالمعاقين ،( رأسه ويداه ) كانوا في حالة حركة لا ارادية مستمرة يمينا ويسارا وبقوة بحيث تحسب ان اصابعه الممتدة ربما ستصاب او تدخل عيناه . من تلك المشاهد تتأكد بأنه أن كان للوجود الاولي خالقا ، فبكل تأكيد ليس له دخلا بخلق اولئك الابرياء بتلك الحالات المشوهة ، بل أن الطبيعة (المخلوقة ) التي نشئنا منها هي التي لها علاقة بذلك الشأن ، والا فأن ذلك الخالق او الله سوف لن يكون إلاها عادلا وحكيما ورحيما !

 

شيوعي تشيلي

 

كنت مارا بالتاكسي من امام احدى فنادق المدينة ، فأشار اليّ رجل شرقي الملامح ويعتمر قبعة تركية (شفقة) بالوقوف ، وللتأكيد من أني لن أسرق راكب لأحد الزملاء من شركتنا أو من شركة أخرى ، قلت للراكب ( أو كما يسميه أكراد تركيا المشتري ) : هل طلبت التاكسي من شركة ما ، لأنه  ربما انا لست التاكسي المعني ؟ فقال : كلا لم أطلب من أية شركة .

أثناء الطريق تحدثنا ، وسألني من اين انت ؟ قلت له أنا كوردي عراقي ، وسألته بدروي و أنت من أين ؟ أجاب: أنا من تشيلي ، أستغربت وقلت له ظننت أنك من الشرق الاوسط ولكن من تشيلي ، الطرف الاخر للدنيا ، هذا مالم اتوقعه أو يخطر في بالي ! فقلت له اذن انت من بلد بابلو نيرودا ، واردفت قائلا أبان الحرب العراقية الايرانية كنت هاربا من الخدمة العسكرية في السنتين الاخيرتين من الحرب وكنت اقيم في حينها في معبد ذوو طبيعة ساحرة ويقع في وسط وادي عميق في كوردستان العراق (لالش) ، وفي تلك الفترة قرأت عدة كتب ، ومن بينها مذكرات بابلو نيرودا ، وبالرغم من أني كنت منعزلا في تلك الفترة في ذلك الوادي ، ألا أن تلك المذكرات أخذتني بجولة رائعة حول العالم كله ، وهي بالفعل بانوراما جميلة لعدة جوانب من الفكر والادب والسياسة وعن الشعوب وعاداتها وغيرها من الجوانب .

قال الرجل : بعد الانقلاب العسكري الذي خطط له ودعمه المخابرات الامريكية ضد سلفادور اللندي ذوو الخلفية الاشتراكية والماركسية عام 1973 بسنة خرجت من تشيلي و منذ ذلك الحين أنا مقيم في المانيا ، ثم قال أنا من أقرب المقربين للكورد وأنا أتضامن معهم وأدعمهم في شتى المجالات و أينما كان ومنذ عقود . وتبين من كلامه أنه  كان بالفعل مطلعا على تاريخ جميع الحركات التحررية الكوردية وقادتها ومناهجها (ايديولوجياتها )  في الاجزاء الاربعة من كوردستان ، ثم انتقد تجربة البارزاني الابن في كوردستان الجنوبية .

 

شيوعي الماني

 

دخل رجل الماني الى التاكسي في محطة قطارات المدينة وطلب مني أن أنقله الى بيت من بيوت الفلاحين الواقع في احدى أطراف قرية تبعد حوالي عشرين كيلومترا من أولدنبورك ، ثم تبين أنه مغني ويعمل ضمن فرقة صغيرة في هانوفر وأنه من سكنة أولدنبورك ، وقال بأنه شيوعي حقيقي وهذا يعني بالنتيجة أنه عدو لدود للآمبريالية والرأسمالية وعلى رأسها أمريكا و يعمل كل ما بوسعه ضدها ، من ثم أنتقد كل الاحزاب والحركات السياسية التي تتعامل مع أمريكا سواء أكان ذلك في الشرق أو في الغرب .

 

شبح

 

سيدة المانية في الثانية والثمانون من عمرها ، زوجها توفي قبل سنة ، الا أن روحه (شبحه) تترد بين الحين والاخر الى البيت وتحاورها وتريد منها أن ترحل اليه ، ألا أنها ترفض ذلك ، و أنها أصيبت من جراء ذلك بالهلع والخوف والتوتر . هذا ماذكرته لي تلك السيدة المسنة والتي تطلب التاكسي أحيانا للتنقل الى هذا المستشفى أو ذاك ، وذكرت بأنها تعيش لوحدها في البيت وليس لها أي من الاقارب أو الاصدقاء ، قلت لها لماذا لاتذهبين الى هذا المقهى القريب من شقتك وتحاولين التعرف الى بعض الناس هناك ، خاصة وأن جل المترددين اليه هم من فئة المسنين أمثالك ؟ قالت حاولت ولكن الكل يمتنع ويرفض صداقتي ، أجبتها حسنا حاولي بأن تذهبي الى مكتب جريدة المدينة القريب أيضا من مكان سكنك و أنشري في ركن التعارف اعلانا بصدد ذلك ، قالت : فعلت ذلك و أنا بأنتظار عن من يرد على أعلاني .

قلت في قرارة نفسي هذا هو خطأ الغرب ، يحصل فيه أنفتاح وتطور وتقدم وفي شتى المجالات ، ولكن على حساب عدم بناء الاسرة وعدم الانجاب ، وحتى تلك النسبة القليلة التي تبنى العائلة فأنها تنجب طفلا أو طفلين وهما الاخران يفارقان العائلة ويسكنان بعيدا عنها بعدما يكبران ويبحثان عن فرص العمل في مدن بعيدة أو حتى في دول أخرى و لايترددان الى العائلة الا في أعياد الميلاد ورأس السنة أو في القليل جدا من المناسبات الاخرى ، وبالتالي حرمان كبار السن من العاطفة والحنان والرعاية العائلية  .

تحدث اليّ بعض اليونانيين والاسبانيين الذين أكدوا على أنهم لازالوا محتفظين بتلك العادات والتقاليد التي تعزز من بناء الاسرة وتشدد من روابطها الانسانية العظيمة .

 

بناء وصيانة وترميم الجسور والشوارع

 

صحيح أن البنية التحتية للغرب متطورة جدا مقارنة بالتي هي عليها في بلداننا بالشرق الاوسط ، ولكن ما هو جدير بالملاحظة من أنها لا تبنى بتلك السرعة التي نتصورها ، على سبيل المثال شاهدت في أولدنبورك مايلي : أعادة بناء شوارع لاتتعدى طولها الثلاثمائة متر تستغرق سنتان أو ربما أكثر . أعادة بناء ساحة صغيرة في وسط المدينة استغرق أكثر من سنتين .

يوجد جسر حديدي متحرك في أولدنبورك يقع على نهر (الهونته) المار في وسط المدينة ، وهو يرتفع الى الاعلى أثناء مرور سفن الشحن الصغيرة من تحته ، وحسبما علمت فأنه الجسر المتحرك الاول في المانيا  ، ولأن الجسر بنيّ في حينه لمرور العربات التي تجرها الخيول وكذلك للدراجات والمشاة وربما للعدد القليل جدا من السيارات الموجودة آنذاك أو التي وجدت لاحقا ، الا أنه لم يعد يتحمل العدد الهائل من السيارات التي تمر من فوقه يوميا في الوقت الحاضر ، لذا يجري فيه بين حين وآخر أعمال الصيانة ، ولكن ذلك لن يدوم الى الابد ، بل يحتاج الى أزالة القديم وبناء جسر جديد بدلا عنه وهذا ما سيستغرق في الاقل ثلاثة سنوات أو ربما أكثر حسبما يكتب عنه في الجريدة أو ما أسمعه من الناس ، علما أن طوله لايتعدى المائة متر وبالرغم من أنه جسر حيوي و أستراتيجي ، وبالتاكيد سيترتب على تلك العملية ازدحام مروري كبير جدا في الطرق والجسور البديلة ، بينما من المفروض أن لاتستغرق تلك العملية الستة الاشهر وللاسباب التي ذكرناها . وبالمقابل نرى في اليوتوب أن الصين تبنى جسورا وطرقا سريعة عملاقة وخيالية في البحار والجبال بتكاليف معقولة وبفترات زمنية قصيرة نسبيا .

 

سفر

 

عام 2015 سافرت بالطائرة من مدينة هانوفر الى مدينة أورفا وهدفي كان هو زيارة أهلي وخاصة والدي المريض في كوردستان العراق، وبعد الخروج من المطار ركبت الباص للتوجه

2 Comments on “يوميات سائق تاكسي في المانيا- الجزء الحادي عشر- بدل فقير حجي”

Comments are closed.