منذ إنسحاب قوات صدام حسين وموظفيه من إقليم جنوب كردستان، في تسعينات القرن الماضي، وعودة قيادة الحزب الديمقراطي والإتحاد الوطني وإستلامهم ضفة الحكم، فشلوا في وضع دستور للإقليم وقواعد اللعبة الديمقراطية وقبول الخسارة والنجاح في الإنتخابات. وبدلآ من ذلك لجأوا إلى ما سمي بمبدأ
“التوافق السياسي” وقسموا كعكة الحكم مناصفة فيما بينهم، وبهذا الشكل المعيب حكموا الإقليم. وذلك بسبب فقدان الثقة بين الطرفين وعدم إيمانهم بالديمقراطية، والتي تعني التداول السلمي على السلطة، أي وجود حزب حاكم وحزب في المعارضة. ولم يستطيع البرزاني والطالباني التعايش وحل خلافاتهم بشكل سلمي، لهذا لجأوا الى السلاح وقتلوا من بعضهم البعض حوالي ستة ألاف شخص، هؤلاء القتلة والفاسدين وعباد السلطة والمال.
وهذا المبدأ التعيس الذي سمي “بالتوافق السياسي” لم يجلب سوى الكوارث والويلات على الإقليم وسكانه الأبرياء، الذين لم يكن لهم ناقة ولا جمل، في هذا الصراع العائلي، الدائر منذ أكثر من ثلاثين عامآ، حول السلطة والمال والزعامة،. وهذا المبدأ عرقل مسيرة الديمقراطية في الإقليم، وكرس نفوذ عائلة البرزاني والطالباني، ومع الوقت تحول كلا العائلتين إلى عصابات حقيقية، كل همهما التشبس بالسلطة والحفاظ على مصالحهما المالية والإقتصادية على حساب الشعب الكردي المعتر.
والقوى الجديدة “كحركة التغير” و”الجيل الجديد”، لم يستطيعا تغير هذا الوضع وإختراقه، بسبب إمتلاك حزبي الطالباني والبرزاني للقوة العسكرية والأمنية والمالية والإعلامية. ووصل الأمر بحزب البارزاني
منع رئيس البرلمان الذي كان ينتمي لحركة التغير من دخول مدينة هولير، وأغلق البرلمان بالمفتاح وعطلت جلساته!!!
إن خطورة التوافق السياسي في أي بلد، يكمن في القضاء على أهم عنصر من عناصر الديمقراطية، ألا وهي وجود الصوت المعارض والصحافة الحرة. ولهذا يصر البرزاني وحزبه كل مرة على التوافق السياسي بدلآ من وجود نظام ديمقراطي وإعلام حر. الهدف من ذلك هو تكبيل الجميع ومنع قيام أي معارضة حقيقية تقف في وجه، وتطالبه بالرحيل عن السلطة هو وزمرته. ومثال أخر على فشل هذا المبدأ، هو الحالة العراقية المزرية منذ سقوط الطاغية صدام في عام 2003.
التوافق عادة يتم بين مكونات المجتمع على قواعد اللعبة السياسية وإصولها، وليس على شيئ أخر. في الحياة السياسية البرلمانية نحن دومآ بحاجة إلى معارضة قوية ونشطة، تؤدي دورآ فاعلآ وتقدم برامج وقوانين بديلة عما تقدمه الحكومة أي الحزب الحاكم، وينقتدها إن أخطأت أو قصرت في عملها أو إستعملت السلطة بشكل قانوني، وتسعى لمحاسبتها في البرلمان، والسعي لإسقاطها إن دعت الضرورة.
أنا أفهم سعي الحزب الفائز في الإنتخابات البرلمانية، إلى التحالف مع حزب أخر لتشكيل الحكومة في حال عدم حصوله على أصوات كافية تمكنه من تشكيل حكومة لوحده، ولكن لا أفهم قيام الحزب الفائز بإشراك جميع الأحزاب في الحكم.
في بعض الأحيان يمكن تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهذا مرتبط بحالة الحرب أو حدوث كارثة. وإلا لا داعي للإنتخابات من الأصل برأي،إذا كان الكل سيشارك في الحكم أو نفس الأحزاب خلال ربع قرن من الزمان. الإنتخابات تجرى لتجديد البرامج والوجوه والأحزاب وليس لإستمرار نفس الوجوه طيلة سنوات طويلة.
أتسأل ماذا تغير في برامج الأحزاب الحاكمة الحالية في جنوب كردستان، وما هي الوجوه التي تغيرت بإستثناء الذين قبض روحهم عزرائيل خلال 30 سنة؟
من هنا أنا لدي موقف سلبي من شكل ومضمون المفواضات الجارية بين حزب الإتحاد “الديمقراطي” وجماعة الأنكسة. لأن خلافهم في الأساس يتمحور حول تقاسم السلطة والمال وليس شيئآ أخر على الإطلاق. وكل من يدعي غير ذلك كاذب. وبرأي لن يكتب النجاح لهذه المفاواضات حتى لو توصلوا إلى إتفاق مكتوب، لأسباب كثيرة منها أسباب ذاتية وأسباب موضعية وأسباب خارجية. والقيادات السياسية في غرب كردستان لم تتعلم شيئ من تجربة جنوب كردستان في موضوع التداول على السلطة. عليهم عدم الدخول في هذا النفق المظلم، والإتفاق على المبادئ الأساسية أي العقد الإجتماعي وإصول الحكم وشكله، ومن ثم التنافس على أساس البرامج السياسية والإقتصادية والتعليمية والصحية وغير ذلك. وإلا لن يكون هناك إتفاق وإستقرار، وسيكررون تجربة جنوب كردستان السيئة والمحطمة.
فيما يخص إقليم جنوب كردستان، برأي لا سبيل أمام الشعب الكردي، إلا بالتخلاص من الطغمة الفاسدة الحاكمة، وذلك من خلال رفع صوته والخروج للشوارع والميادين، والمطالبة بإنهاء المأساة التي يعيشها جراء حكم العائلتيْن الفاسدتين.
وأفضل حل برأي، هو مغادرة كلتا العائلتين الحكم والميدان السياسي دون رجعة، وفتح المجال لكل من يجد في نفسه إمكانية، لقيادة الإقليم أن يترشح للإنتخابات والناس تختار من تشاء، وبحيث لا يتم إنتخابه أكثر من مرتين ولو خرب الكون. والأمر الأخر هو أن يحكم الحزب الفائز في الإنتخابات بمفرده أو عبر إئتلاف حكومي، وعلى الأخرين الجلوس في مقاعد المعارضة ومراقبة أعمال الحكومة وأدائها. ومن الضروري أيضآ، أن يسن البرلمان قانونآ، يمنع سيطرة عائلة على الحكم أو التحكم في محافظة بعينها ويعتبرها ملكآ خاصآ لها.
بالنسبة لغرب، ليس هناك من مخرج دون التحرر من التبعية لقيادة حزب العمال الكردستاني وحزب البرزاني. وثانيآ إنهاء حالة الثانئية وإنشاء مرجعية سياسية جديدة لغرب كردستان، وليكن إسمها “جبهة كردستانية”، مهمتها قيادة نضال الشعب الكردي في هذه المرحلة والتفاوض بإسمه. والإتفاق على عقد إجتماعي جديد، والعمل به مباشرة بعد إجراء إنتخابات في غرب كردستان، وتشكيل برلمان وحكومة وتبني النظام الفدرالي لسوريا المستقبل.
وأخيرآ، من دون توحيد القوات العسكرية والأجهزة الأمنية، وتجريد كافة الأحزاب الكردية من السلاح والإعلام، وتحرير الإقتصاد من قبضتها، لا يمكن تحقيق أي مكاسب قومية حقيقة، وسيستمر الوضع كما هو عليه الأن في كل من جنوب وغرب كردستان للأسف الشديد.
04 – 06 – 2020

