خداع الشعب لا یكسب ثقته- د. عبدالباقی مایی

إستمرت ثورة الشباب فی كوردستان منذ إندلاعها فی مدینة السلیمانیة فی ١٧ شباط ٢٠١١ لكی تمر فی هبوط ونزول تبعا للتطورات والظروف المحیطة بها. من أخطر ما تعرضت له هذه الثورة الإجتماعیة العفویة الواعیة هو تسییسها المتعمد من قبل الأحزاب السیاسیة التی طالما إتخذتها كوسیلة نفسیإجتماعیة ناجحة للإستمرار فی السیطرة علی كرسی الحكم. و قد تعودت هذه الأحزاب علی إتخاذ هذه الوسائل بصورة مكشوفة الآن أكثر من قبل وذلك لكونها تبتعد تدریجیا عن مصلحة الشعب وإرادته تحت ضغط سلطات إحتلال كوردستان فی جمیع أجزائه وبدرجات مختلفة، أهمها ممارسات السلطة الحاكمة فی تركیا صاحبة الفاشیتین العرقیة والدینیة والتی تملك خبرة طویلة فی تخطیط وتنفیذ برامجها العلمیة ضد الكورد وكوردستان تتكون من عملیات غسل الدماغ الكوردی و نشر الدعایات وبرامج الحرب النفسیة ضده.

وكلما زاد وعی الشعب كثرت مطالبه من السلطات الحاكمة فی كوردستان التی أصبحت تئن بین مطرقة سلطات الإحتلال وسندان إرادة الشعب. فإزدادت الهوة بین السلطة والشعب فی كوردستان. وتواصلت حلقات ثورة الشباب لتصبح یوما بعد یوم أكثر عددا وأكبر عزما و أشد رغبة بالمطالبة بحقوقه المشروعة، وفی نفس الوقت تزداد وتشتد وتنتشر مظاهر التعبیر عن هذه المطالب بأسالیب سلمیة متعددة یمكن متابعتها بسهولة فی شبكات الإنترنیت التی تتنوع فی تنافسها و براعتها وإنتاجها وتطورها العلمی والتكنیكی المستمر فتخدم بذلك حشود الشباب الثائر وتساعدهم علی التنفیس والتعبیر والتواصل لكی تفرغ شیئا من غضبها علی السلطات الحاكمة فتهدء نفسیا ولكنها تزداد علما بحقوقها ویشتد عزمها علی المضی فی ثورتها السلمیة من أجل التمتع بالتعبیر عن حریة الرأی والحصول علی حقوقها المشروعة .

وفی خضم ذلك توضح للجمیع بأن الفساد لایعالج بالمفسد قبل معالجته. ولایمكن معالجة المرض قبل تشخیصه. لذلك سعینا فی تحلیل نفسیإجتماعی بعید عن العنف والتسییس فتوصلنا إلی تشخیص الفساد كمرض نفسیإجتماعی لأول مرة فی التأریخ وذلك بإتباع الطرق العلمیة ذاتها التی إستعملت فی تشخیص جمیع الأمراض المعدیة الأخری بعد أن كان المصابون یعتبرون مچرمین كما هو الحال بالنسبة للمفسدین حالیا. ونشرت الدراسة الأولی حول هذا الموضوع فی العدد الأخیر من مجلة كلیة الطب یستطیع كل من یرغب أن یحصل علی نسخة منها هنا ( ) إن كان لازال فی شك من هذا الأمر. وقد سبق وأن نشرنا سلسلة من المقالات فی شبكة صوت كوردستان حول خلفیة الموضوع یمكن للقارێ الحصول علیه فی هذا الرابط).

و قد آن الأوان لتقییم التجربة العلمیة الأولی فی تطبیق دراسة تجریبیة علی أدوات الوقایة من مرض الفساد ومعالجته بطرق سلمیة وعلمیة بعیدا عن خداع السیاسة والتسییس.

لا توجد وسیلة أخری أمام السلطة الحاكمة فی كوردستان للإستنمرار فی السلطة غیر الرجوع إلی الشعب بشفافیة ومصداقیة ورغبة جادة فی تنفیذ مطالبه العادلة والمشروعة التی تعبر عنها ثورة الشباب الواعی بالطرق السلمیة. مجئ أزمة كورونا زاد من الطین بلة فلجأت السلطة فی بعض الأحیان إلی أسالیبها القدیمة فی خداع الشعب والإلتفاف حول مطالبه العادلة وذلك بحجة منع المظاهرات بسبب رش الأماكن العامة بالأدویة المضادة لڤییروس كورونا الممستمر فی جائحته فی العالم والذی یسیر الآن فی مرحلته الثالثة فی أقلیم كوردستان العراق، حیث بدأ فی الأشهر الأولی بإلتزام منقطع النظیر من قبل الشعب فی تنفیذ أوامر السلطة التی التزمت بدورها بتعلیمات الخبراء فی الداخل والخارج، لكی تنتهی بإعلان السلطة إنتصارها علی الڤیروس!! فكانت المرحلة الثانیة لهذه الجائحة التی عم فیها الفرح فی كوردستان ورجعت الجماهیر المنتصرة للتعبیر عن نشوة الإنتصار بالإحتفالات الجماعیة القدیمة والمسیرات العارمة بأبواق السیارات واصوات الطلقات الناریة التی عفی عنها الزمن ولم تكن من المتوقع أن ترجع ثانیة لتنذر بالتقهقر والتراجع فی الوعی والتقییم. فما كان علی الشعب إلا أن یتبع السلطة فی هذا الإنتصار وإذا به یقع فی مهب المرحلة الثالثة لجائحة كورونا التی بدأت بالإنتشار السریع مما أدی إلی إزدیاد متسارع فی عدد المصابین فوقعت السلطة فی أزمة أخری من عدم الثقة بین الأهالی وسلطاته. فعندما توجهت جماهیر كوردستان الیوم فی مظاهرات عارمة لتجدید المطالبة بحقوقها المشروعة لجأت السلطات إلی منع التظاهرات بحجة رش الأماكن العامة بالأدویة المضادة لڤیروس كورونا مع العلم بأن هذا الفیروس لازال یطول ویجول فی العالم أجمع لكونه یفتقد إلی العلاج بالأدویة أو الوقایة باللقاحات. فهل من الصعب علی شعب كوردستان أن یعلم لو كان هنالك دواء یقضی علی الڤیروس بالرش فلماذا لا یستعمل فی نیویورك و ستوكهولم مثلا”؟!  فهل تجد تسمیة أخری لهذا الإجراء الرادع واللا علمی غیر إستعمال الخداع بدلا من الصراحة والتفاهم مع الشعب؟! متی تتعلم سلطاتنا وسائل التعامل الصادق مع الشعب لكسب ثقته بدلا من الخداع الذی یزید من أزمة الثقة عمقا وتعقیدا ویجر الأمور إلی موقع خطیر لاتحمد عقباه؟!

١٢\ ٨\ ٢٠٢٠