(هيرمان هسه وجاره الأيزيدي)- مراد سليمان علو

 

 1

الخرافة الكرمانجية القديمة تقول: “مَن يسترق السمع، ستدخل نملة صغيرة عرجاء إلى أذنه وبصوت عالي ستدعوه بالسيء صباح مساء إلى أن يصاب بالجنون”.

أما أنا فقد قرأت لجاري هيرمان هسه، ولم استرق السمع ويشهد لي بذلك قائد جيوش نمل الملك والنبي سليمان، وجاري هذا أديب ألماني يذكر في قصيدته الأخيرة وصفات ومكونات ومقادير آخر نوع من البيرة الألمانية، ويؤكد لي همسا بأنها مسروقة من الجيب الخلفي لكاهن بابلي لايزال سكرانا على دجلة بانتظار العمال البنغاليين ليعمّروا حيّ البتّاوين ببغداد من جديد.

قديما كان لي كوخ طيني في (سيباى) اشتراه أبي من الدولة العراقية في بداية تأسيسها مقابل تبرع حصتنا من واردات معبد أيزيديا في بورسيبا للمجهود الحربي.

طلبت اللجوء إلى ألمانيا وأول هدية تلقيتها هي قصيدة من جاري تتحدث عن أصل البيرة السوداء، ومن هنا ابتدأت حكايتنا أنا وهو.

2

 في سوق شنكال الفوقاني يقع محل بيتهوفين للتسجيلات وبجانب المحل مقهى (أبو شهاب) وعلى التلفزيون اليوغسلافي الضخم الأبيض والأسود نصب تذكاري لأصبعين من أصابع عازف الطنبورة (خلف قاسكى) كعلامة نصر لفوز عدنان القيسي في نزاله ضد جون ليز.

هجْرنا إلى هنا مجرد قصائد تتلوى، ودموع سخينة ل (فقير حجي) سادن لالش الأخير.

بإهمال غير مقصود سجق الليل الألماني غير مذكور في محتويات البطاقة التموينية لفقراء (كرعزير) وأطفال ساحة الرابع عشر من آب المتشحة بالسواد والتي تغرق كل ليلة بدموع أرامل (جم مشكو).

في بساتين شنكال آهات موّال وحشرجة طنبورة مقطوعة أوتارها منذ آب ما عندما سرق كلّ الرمان والتين من البساتين، ثم هاجرنا إلى مدن لا أسماء لها وليس فيها جايخانات وبقية أصابع العازف (خلف قاسكى) مزروعة في حدائقها الأمامية جنب التوليب الهولندي.

3

قارئ هيرمان هسه يحتار في حروفه المسافرة هنا وهناك، هو في الهند ويبحث عن حنّاء الفاو، وتراه في همالايا يتأمل جبالها وثلوجها ويركض مثل ريح (سيباى) ويتحول إلى ذئب في بواديها. أنا جاره الأيزيدي انتظرته في لالش ليتحول إلى (كوجك) هذه المرة ونستمتع بحكمته ولكنه كان مشغولا في حربه مع بوذا. 

 4

أدخل نادي “الكريات الزجاجية” فأرى ملوك بابل جالسين في الصّف ونابو يشرح لهم نظرية البيك بانك.

متعة القراءة هي نشوة الآلهة فينا، والموسيقى هي تعاليم طاوسيملك يفك طلاسمها النايات والدفوف في لالش.

الوطن هو عطش ذئب جاب البوادي بحثا عن ظله وبحثا عن (هرمانه الهسه). آه، يا باقة شقائق وانتظار عيد ورائحة خبز التنور بين أيدي سبية شنكالية تبحث عن نبو خذ نصر بين الجالسين ولا تجده، وقافلة (السفر بلك) تسير دون رجعة والفرمان قطار يعوي في ليل القرى ويسحق خلاخل الأيزيديات الفضية.

5

قلت للهير هيرمان هسه أنا جارك الأيزيدي فأعطاني سبعة كتب.

الكتب تتأرجح في رموش طالبات جامعة دهوك الأيزيديات.

الطالبات يرسمن نهر دجلة ويرمين الكتب فيه امتثالا لأوامر هولاكو.

6

في منتصف الليل وبعد أن يغلق التلفزيون بالسلام الجمهوري أعرج إلى بيت (البير حجي خطو) لأتفقد سماط العيد، السماط والصووك والدهن الحر حصة تلاميذ الابتدائية.

نطعم أطفالنا على أمل أن يتمكن أحدهم يوما ما من إقناع جاري هرمان هسه بزيارة لالش وسماع أغنية يا طيور الطايرة لسعدون جابر من إذاعة بغداد.

7

في صباحات العيد مَن لا يجلب ربع دينار ويضعه قرب نياشين البير بعد أن يقبلها ستكون حصته من السماط أقل، ولأنني تعودت أن أسرق أرباع حياتي من الأيام فأجلسني البير قرب النار وقدم لي ماعون سماط دبل.

آه، يا أمي لا مطعم في العالم ولا شيف حيّ يجيد طبخ سماطك المنقوع بكركرة أطفال العيد والمعجون بظل بقجة البرات.

مهمة جاري عسيرة هذه الأيام فهو يروم إنقاذ نار السماط ولملمة آلاف (البرات) المتروك خلف الأبواب في قرانا المهجورة.

ينصحني جاري الألماني بعدم الذهاب إلى الهند فقامة جبل الهملايا تغري بالخلود وحينها سيزداد اللغط والجدل مع الإله.

*******