“خاص لصوت كوردستان”-
عزيزي القارئ الكريم، لا توجد أية علاقة بين عنوان مقالي أعلاه، وبين عنوان كتاب (تاريخ العراق بين احتلالين) الذي ألفه وطبعه عام 1935-1936م المحامي عباس العزاوي. لقد بدأ العزاوي أحداث كتابه من عام 1258-1338 م وهو عام الاحتلال المغولي لأراضي ميسوپوتاميا (بين النهرين) ومن ثم الاحتلال الجلائري أو الجلايري 1338-1410م وهؤلاء أيضاً فرعاً من فروع المغول وجميعهم ينتمون إلى الأمة التركية التي وطنها الأم يقع في آسيا الوسطى بين الصين وروسيا الاتحادية. إن الأستاذ العزاوي وضع اسم العراق في عنوان كتابه وأشار له ككيان موجود في ذلك التاريخ، مع أنه لم يكن هناك كياناً حينها باسم العراق بحدوده الحالية؟، كانت هناك الكوفة التي سميت حينها العراق، ومع بصرة سميتا العراقين.للزيادة، حتى أن الإمام حسين بن علي حين دعا إلى ربه يوم عاشوراء على أهل الكوفة قال: اللهم أن أهل العراق غروني وخدعوني وصنعوا بأخي ما صنعوا، اللهم شتت عليهم أمرهم وأحصيهم عددا. لكي يطمئن القارئ أن كوفة هي العراق في ذلك التاريخ، لم يبعث بآلاف الرسائل إلى الحسين بن علي ويدعونه بالمجيء إليهم سوى أهل الكوفة لا غير؟. عزيزي القارئ، رغم أن موضوعنا ليس الاحتلال المغولي والعثماني التركيين للمنطقة، إلا أن ما قام به هؤلاء… من جرائم بشعة، وأفعال دنيئة مخالفة لأبسط قواعد الإنسانية، هي التي تجعلنا أن لا ندعها تمر بسهولة دون أن نلقي عليها نظرة ويكون لنا رأي فيها. عزيزي المتابع، بما أن الذين ذكرناهم أعلاه كانوا أناساً غير أسوياء، وكانوا بعيدون كل البعد عن ألف باء الحضارة والمدنية فلذا قاموا بحرق وإتلاف كل الكتب المخطوطة في مكتبات المدن التي وطأت أرضها حوافر خيولهم الغازية إما حرقاً بالنار أو إتلافاً في الأنهر، ولم يكن لديهم شيء يقدموه للشعوب المغزية سوى الخازوق التركي للفتك بكل من رفض وجودهم غير الشرعي في المنطقة، ومن مخلفاتهم الآن في منطقتنا جمهورية تركيا ورئيسها السائر على خطى أجداده السفاحين هولاكو، وجنكيزخان، وتيمور لنگ وهو المجرم رجب طيب أردوغان. عزيزي المتابع اللبيب،نتيجة للمآسي التي كانت تعاني منها الناس على أيدي الكيانين العثماني والإيراني رددوا مقولة حكيمة ظلت سائدة بينهم إلى اليوم: بين العجم والروم بلوة ابتلينا. للعلم، في فترة من فترات التاريخ أطلقوا على الأتراك اسم الروم، الأروام، لأنهم استولوا على ممتلكات الروم في القسطنطينية فلذا أخذوا اسمهم أيضاً، وقام هؤلاء الأتراك بعد معركة “چاڵدران= Chaldran” التي وقعت في شرقي كوردستان عام 1514م بين إيران الصفوية والجيش العثماني التركي التي انتصر فيها هذا الأخير، وعلى أثر هذا النصر للأتراك على الصفويين جرى أول تقسيم للوطن الكوردي كوردستان بين المتحاربين المذكورين أعلاه، ومن ثم فتحت أبواب العالم أمام جيوش آل عثمان على مصراعيها وفتحت شهيتهم لابتلاع أراضي وأوطان الآخرين بقوة السلاح، وانتشروا في أصقاع الأرض بأمواج بشرية كبيرة كأنها جحافل يأجوج ومأجوج المذكورون في القرآن، واحتلوا أراضي شاسعة وبلدان عديدة في ثلاث قارات آسيا، وإفريقيا، وأوروبا لعدة قرون حتى نهض (الكافر) الغربي وأخرجهم منها، ولم يبق تحت سلطتهم الشريرة سوى الجمهورية النكرة التي لا زالت تحمل اسمهم… بغير وجه حق إلا وهي تر كيا الطورانية.
عزيزي القارئ، بلا أدنى شك أن الاحتلال مصطلح بغيض، لا يستساغ، لأنه يعني دخول بلاد الغير والاستيلاء على أراضيها أو جزءاً منها غزواً بقوة السلاح ونهب مواردها رغما عن إرادة أهلها. دعنا الآن نقارن بين احتلال (الكفار) للشرق الأوسط، واحتلال العرب أو المسلمين لأراضي بعضهم البعض!!. لنأخذ الاحتلال البريطاني عام 1917م لولايات بصرة وبغداد ومن ثم ولاية كوردستان التي سميت فيما بعد بولاية موصل مثالا. لكن الاحتلال البريطاني لبلاد بين النهرين الذي كان نقمة على الشعب الكوردي ولا يزال يعاني منه إلى الآن، إلا أنه لم يكن كالاحتلال العربي لجنوب كوردستان (عراق) الذي يحاول بكل السبل المتاحة لديه إلغاء هذا الجزء من الوطن الكوردي من الوجود – لا ننسى أن حال غرب كوردستان (سوريا) شعباً وأرضاً تحت الاحتلال العربي ليست أفضل من جنوب كوردستان أن لم تكن أمر وأتعس منه بأضعاف مضاعفة- على أية حال. دعنا نرى ماذا فعل الاحتلال البريطاني في بلاد بين النهرين وتحديداً ولايتي بصرة وبغداد. أولاً: أسس منهما كياناً سياسياً باسم العراق، الذي لم يكن موجوداً قبل عام 1920م واستورد له مليكاً من شبه جزيرة العرب اسمه فيصل. ثانياً: أسس المؤسسات الحديثة التي تواكب الحضارة والتطور كخط سكك الحديد، والوحدات الإدارية، والمتحف العراقي، والمدارس التربوية، وعبد الطرق، – بالمناسبة أن شارع الرشيد في وسط بغداد عبده بالقار (أسفلت) الاحتلال البريطاني- جاءوا بوسائل النقل الحديثة، واستخرجوا البترول من باطن الأرض، وكافح الاحتلال البريطاني الأمراض والأوبئة التي كانت متفشية بين الناس، وأخذ بيد الكيان العراقي لكي يكون عضواً في المحافل الدولية وفي مقدمتها عصبة الأمم الخ. لكن في مقابل ماذا فعل الاحتلال العربي لجنوب كوردستان؟ على مدى ثمانية عقود من الاحتلال البغيض لم يبن بناية بطابقين، لم يقم ببناء مصنع، لم يؤسس جامعة في الإقليم الكوردستاني سوى جامعة السليمانية ولم يتحملها لأنها ستكون مركز إشعاع للعلم والمعرفة بين أبناء الكورد فلذا قام بنقلها إلى أربيل ومن ثم قام بإغلاقها، تصور أربع محافظات كوردية كركوك، سليمانية، أربيل، ودهوك بجامعة واحدة ومغلقة؟؟!! وفي مقابل ما قام به المحتل البريطاني (الكافر) قام الاحتلال العربي وفق سياسة عنصرية ممنهجة باستقطاع 16 وحدة إدارية من محافظة كركوك من أصل 32. وأصدر قوانين وقرارات شاذة يشجع أناس حفاة العقل والقدمين على الاستيطان في كركوك، والكورد على الهجرة منه، أو يتم طرده منها بقوة السلاح. لم يكتف النظام العربي المحتل لكوردستان بهذا فقط، لقد قام بضرب مدينة حلبجة الكوردية بالسلاح الكيماوي، ومن ثم أنفل عموم جنوب كوردستان بدأ من گرميان ومروراُ بسوران وانتهاءً ببهدينان. وقام عام 1980 بتهجير الكورد الفيلية وقتل خيرة شبابهم في معتقلاته الرهيبة، وقتل أيضاً ثمانية آلاف من البارزانين بدم بارد، وشتمهم رأس النظام الديكتاتور المجرم صدام حسين من على شاشات التلفزة الخ الخ الخ. عزيزي القارئ أحلفك بكل مقدس لديك لو تقارن بين الاحتلال العربي المسلم، والاحتلال البريطاني (الكافر) أليس احتلال ذلك (الكافر) لكوردستان كان أرحم منه بكثير، حتى أنه لا يقارن؟.
لنلقي نظرة على تفاصيل الاحتلال الثاني لبلاد بين نهرين إلا وهو الاحتلال الأمريكي عام 2003. للعلم، أن صفة الاحتلال على الجيش الأمريكي للعراق بقيت في مجلس الأمن لستة أشهر فقط و رفع منه فيما بعد. إن الاحتلال الأمريكي حرر العراق وشعبه من براثن نظام حزب البعث المجرم، الذي جثم على صدر العراقيين بقوة حديد والنار لمدة 35 سنة وأذاقهم الويل والثبور. لقد حفظ الاحتلال الأمريكي العراق من أطماع تركيا وإيران والسعودية. وحمى أموال العراق في بنوك العالم. وقضى على تنظيمي قاعدة وداعش اللذين هددا الشعب والنظام في العراق، ووصل هذا الأخير على أسوار بغداد. وجلب الأمريكان الأموال الطائلة للعراق لكي يتعافى اقتصاده. وصرف الاحتلال الأمريكي في العراق عدة ترليونات دولارات على جيشه أو لتثبيت النظام السياسي فيه. وقبل كل هذا، جاء الأمريكان بأناس من الشيعة كانوا يتسكعون في شوارع بلدان المهجر، وسلمهم مقاليد السلطة في بغداد. وسكت الأمريكان عن فسادهم، وسرقاتهم، وسكت عن احتلالهم للمدينة الكوردستانية كركوك مجدداً عام 2017!، إلا أنهم كعادة العرب، ردوا زين أمريكا بالشين العربي والعجمي وقاموا بقتل جنودها وحرق سفارتها وسبها وشتمها ليل نهار. حتى عند زيارة الرئيس الأمريكي (جورج بوش) إلى العراق وإبان عقده مؤتمراً صحفياً مع نوري المالكي قام أحد من المدفوعين في قاعة المؤتمر بنزع حذائه من رأسه ورمى بها الضيف، إلا أنه أخطأ الهدف ووقع الحذاء على العلمين العراقي والأمريكي ولم يبالي ذلك الطائش الذي قام بالفعل السوقي أن علم العراق الذي خلف الضيف فيه اسم الله؟؟. عزيزي المتابع، لقد قام هؤلاء… بكل هذه الأفعال الهابطة إرضاءً لإيران التي تأخذ منهم الأموال ولم تعطيهم شيئا يذكر سوى الخدع والبدع. لكي أكون دقيقاً فيما أقول، أن بعضاً من هؤلاء… الذين يعادون أمريكا ليسوا صبية إيران، بل صبية محتذي النعال؟.
كان هذا جزءً ضئيلاً من تاريخ العراق بين احتلالين البريطاني والأمريكي حيث الأول استحدث الكيان العراقي ورسم خارطته. والثاني سار على ذات النهج… وحاول بشتى الطرق الممكنة أن يرسخ وجود هذا الكيان الدميم، إلا أن الرياح لا تجري دائماً بما تشتهي السفن، وهذه المرة سينقلب السحر على الساحر، وسنقرأ جميعاً سورة الفاتحة على الوليد الذميم، الذي مضى على ولادته قرناً بالتمام والكمال، إلا أن جسده غير مكتمل البنيان، لأنه ولد ولادة قيصرية، غير طبيعية، وحتى غير شرعية عام 1920 على يد مستشارة المندوب السامي لبريطاني الشمطاء “غيرترود بيل= Gertrude Bell” التي عرفت في بلاد بين النهرين بالخاتون أو “مسز بيل”.
“يجب على الكورد إحياء معركة “چاڵدران= Chaldran” كل عام، لأنها وقعت على أرضهم عام 1514م وعلى أثرها قسمت وطنهم كوردستان لأول مرة بين إيران الصفوية والكيان العثماني” (حسن العلوي)
05 10 2020

